مستقبل الفراغ السياسى الحالى فى مصر ؟!

سعيد علام
2018 / 12 / 6


مستقبل الفراغ السياسى الحالى فى مصر ؟!



سعيد علام
القاهرة، الخميس 6/12/2018م

كما ان النقود لا تتبخر، وانما فقط، تنتقل من اسفل الى اعلى، ايضاً، لا فراغ فى الكون، فقط، تنتقل المادة من مكان لاخر لملئ الفراغ.


بعد نمو ملحوظ للنشاط السياسى المجتمعى والحزبى فى مصر، خلال النصف الاول من القرن الماضى، انتكس هذا النشاط من بداية النصف الثانى، (1952)، بصعود ضباط يوليو الى رأس السلطة فى مصر.


بعد الحقبة الناصرية التى شهدت تحت غبار "معركة التحرر الوطنى"، مصادرة لكل عمل سياسى مجتمعى منظم مستقل، احزاب، نقابات، اتحادات طلابية، نوادى مهنية، منظمات مجتمع مدنى، "جزع البدن السياسى"؛ جاءت الحقبة الساداتية التى شهدت تحت الضغط العنيف لاحتلال الارض، الميراث الناصرى الثقيل لـ"معركة التحرر الوطنى"، الغاءاً لكل الميراث الناصرى، واحلال نقيضه، وبدلاً من مصادرة كل عمل سياسى مجتمعى منظم مستقل، السماح به مزيفاً، والدخول الخجول الى حظيرة العولمة، (1974)، التوأم الاقتصادى للزيف السياسى؛ ليستكمل مبارك مسيرة السادات بخطوات ثقيلة استغرقت ثلاثون عاماً.


منذ 25 يناير 2011، بدأت نقلة نوعية فى مسار النشاط السياسى المجتمعى والحزبى فى مصر، - والتى لم تنتهى بعد -، مازالت مصر تعيش مقدماتها، التى تؤشر على نتائجها. تعيش مصر، كما كل منطقة الربيع العربى، مرحلة المقدمات، مرحلة لا نشاط سياسى مجتمعى، لا حقيقى ولا مزيف، مرحلة الفراغ السياسى، فعلى اى نتائج تؤشر؟.


فى صراع القطبين، يمتلك قطب السلطة، بخلاف القوة والموارد والمعلومات، يمتلك الاهم، دهاء الخبرة المباشرة المتحصلة من عقود من القمع المحلى، والخبرة الغير مباشرة المتوارثه تاريخياً من كل اشكال القمع الاانسانى التى شهدته البشرية على مدى تاريخها الطويل، وقد تمكن قطب السلطة، فى هذه المرحلة فحسب، من خلق وفرض "فراغ" سياسى قهرى، لابد له وان يملئ، ملئ الفراغ حتمى، وفرض الدخول الجسور لحظيرة العولمة، (بعد 2013)، التوأم الاقتصادى للفراغ السياسى.


وفى حين لا يمتلك قطب المقهورين سوى كونه الاغلبية الساحقة، الا ان هذه الاغلبية تعنى ضمنياً، ثراء بلا حدود لامكانيات المبادرة والابداع، فى سياق نضال الاغلبية الطويل نحو الانعتاق من الجشع والاستغلال المنظم المحمى بالقمع. – وما حركة السترات الصفراء فى فرنسا، والهزيمة المذلة لخدمة الاثرياء، سوى احدث مثل حى آنى عن الـ"ثورة ضد العولمة" -. ان طليعة الاغلبية وقادتها الحقيقين، الذين لم تنجح عقود القمع والافساد فى افسادهم او احباطهم، القيادة المنظمة والمالكة للوعى، هى المؤهلة تاريخياً لقيادة الاغلبية نحو التحرر، المؤهلة لملئ الفراغ السياسى الآنى فى مصر، كما فى كل بقاع الارض.


و "على المدى اللى احنا عشجناه .. وهم
انا وانت .. طلعنا عيانين
وهما ما بيعيوش بحب الوطن
وهما ما بيعيوش بحب البلاد
وهما ما بيعيوش لا بالعطن ولا بفك القيد ولا بالميلاد." الابنودى.




ترمب يدفع الثمن !

لقد حفظ شباب الحكام العرب الدرس، لا حقوق انسان ولا ديمقراطية عند حكام عالم اليوم، فقط، حقوق الاستغلال. فقبل ان يذهب ولى عهد السعودية الى قمة العشرين، ورحلته التسويقية الفاشلة، قبل وبعد القمة، كانت قد سبقته مليارات الدولارات او اليوروهات لتكون فى استقباله عند وصوله، مليارات لابد وانها قد تم ارسالها على عجل، ان ضمان هذا الاستقبال "المليارى" الفاتر احياناً، والمذل احياناً، هو الوجه الاخر لقرار ولى العهد السعودى، بان "خير وسائل الدفاع هى الهجوم"، الا ان الهجوم قد فشل، وبذهابه لقمة العشرين ورحلته التسويقية، فى خضم طوفان الادانة لجريمته الوحشية ضد خاشقجى، يعنى ان الامير استوعب الدرس، بان هذا الطوفان من الادانة لجريمته ضد الانسانية، يمكن مجابهتها بمليارات الدولارات واليوروهات. كون ولى العهد هو نفسه "المتعاون المحلى" مع حكام عالم اليوم.


الا ان مصير الامير الصغير، سيحدده نتيجة الصراع الدائر اليوم بين اعضاء "مجلس ادارة العالم"، الذى يدور بين فريقين، الفريق الاول، من رجال المال والاعمال الدوليين المرتبطة شركاتهم بمصالح ملياريه مع سليمان وولده، وهو الفريق الذى يرى ان التستر على ولى العهد السعودى، والاكتفاء بالاستمرار فى حلب البقرة، وان بكميات اكبر، وترك الخطة القديمة تكتمل بالصراع المسلح بين طرفى الخليج الثرى، العربى والايرانى، حتى يتم انهاكهما معاً، وعندها تكون وجبة الخليج بشقيه، قد نضجت لالتهامها، وهو الفريق الذى ينتمى له ترمب، اما الفريق الثانى، فانه يرى ان الازمة الحالية التى تواجه الملك وابنه هى لحظة مناسبة يجب اقتناصها، والانقضاض على الديكتاتور الصغير، وطبعاً والده، ليأتى الدكتاتور التالى وقد رأى كيف "آكل الثور الابيض"، ما يضمن احداث تغير كيفى فى معدلات تحقيق الخطة القديمة/ الحديثة، سياسياً واقتصادياً، ان هذا الفريق يرى فى الازمة فرصة يجب اغتنامها، رافعاً شعار "خير البر عاجله"، وهو الفريق المناهض لترمب من الحزبين، الحزب الجمهورى، حزب ترمب، والحزب الديمقراطى، هكذا توحدهما المصالح، وهكذا يؤكد هذا التوحد، ان حكام عالم اليوم، "الشركات العملاقة"، هم من يحكمون، لا جمهورى ولا ديمقراطى.


موقف ترمب من الامير المسئول عن مقتل خاشقجى، يتشكل بفعل دفاعه عن مصالح خاصة له ولاسرته مع حكام سعودية اليوم، بعكس ما يدعى تضليلاً، من انه دفاع عن مصالح امريكا، ان جوهر موقف ترمب هو الدفاع عن مصالح سعودية سليمان وابنه وليس الدفاع عن مصالح امريكا، اى مصالحه هو مع السعودية اولاً، وليس امريكا اولاً، لقد تحول موقف ترمب هذا الى عائق امام تحويل ازمة اغتيال خاشقجى الى فرصة، فرصة لالتهام السعودية، وفتحها على مصرعيها امام العولمة، قدر العصر، وبالتالى الخليج كله، عربى وايرانى، الا انه عندما يتحول اى شخص الى عائق امام تحقيق اهداف حكام عالم اليوم، وجب رحيله، اياً كان هذا الشخص، واياً كانت مكانته، هكذا سيدفع ترمب فى الانتخابات الرئاسية القادمة ثمن تغليب مصالحه الخاصة على مصالح حكام عالم اليوم، وسيهزم، لان الانتصار عليهم ليس فى هذا العالم. كما ان صفقة القرن غير مرتهنة لا بن سليمان ولا بنتنياهو ولا بترامب ولا بنسيبه كوشنر، كما ان مصالح حكام العالم مع السعودية غير مرتهنة لا بن سليمان ولا بوالده الملك.



سعيد علام
إعلامى وكاتب مستقل
saeid.allam@yahoo.com
http://www.facebook.com/saeid.allam
http://twitter.com/saeidallam