اَلْتَحَاْلُفُ اَلْإِسْلَاْمَوِيُّ اَلْصَهْيُوْنِيّ: مِنَ اَلْخَفَاْءِ إِلَى اَلْعَلَنْ ..!

فيصل عوض حسن
2018 / 12 / 6

اَلْتَحَاْلُفُ اَلْإِسْلَاْمَوِيُّ اَلْصَهْيُوْنِيُّ: مِنَ اَلْخَفَاْءِ إِلَى اَلْعَلَنْ ..!

فيصل عوض حسن

تَزَامُناً مع زيارة الرئيس التشادي لإسرائيل، رَشَحَت إشارات منسوبة لنتنياهو والإعلام الإسرائيلي، بامتداد علاقاتهم لدولةٍ أفريقيَّةٍ (مُسْلِمَةٍ) قريباً، فتَلَقَّفها مُتأسْلِمُو السُّودان وأزلامهم، وبدأوا الترويج (للتطبيع) الذي شَيْطَنُوه سابقاً. بعضهم رَكَّزَ على (الأَسْلَمَة/الشَرْعَنَة) والتحليل بعد التحريم، وبَشَّرَ آخرون بالمنافع الاقتصاديَّة (الخُرافيَّة) المُنْتَظَرَة، وبعضهم ادَّعى تَواصُل الإسرائيليين معه لمعرفة موقفه من التطبيع، وبعضهم نَّادَى بـ(تَوسيط) الرئيس التشادي لإنجاح الأمر.
كُلَّ ما ورد أعلاه أكاذيب/تضليلات، ضمن تطبيقات الإدارة بالأزمات Management by Crisis واستراتيجيات تشومسكي، لِصَرْفِ الأنظارِ عن التَحَالُف (المُسْتَتَرْ) بين مُتأسْلِمي السُّودان والصهاينة. وبما أنَّنا تَنَاوَلنا مِراراً الإدارة بالأزمات، سأكتفي بتعريفٍ مُوجزٍ لتشومسكي واستراتيجيَّاته، ويُمكن للرَّاغبين الاستزادة من المراجع العديدة المُتاحة. اسمه الكامل أفرام نعوم تشومسكي، وهو ابن أحد الباحثين اليهود، ودرس الفلسفة والمنطق واللُّغات بجامعة بنسلفانيا، وأصبح عالم لُغَوِّيَّات ومُنظِّر سياسي، نَالَ بعض الجوائز وأُخْتِيْرَ كأحد صُنَّاع القرن العشرين، لمُساهماته في علم النَّفس واللُّغات والعلوم الأساسيَّة. ولقد وضع تشومسكي عشر استراتيجيَّات للسيطرة على الشعوب، استناداً لوثيقةٍ سريَّةٍ أُعْلِنَ عنها عام 1986، وتشمل هذه الاستراتيجيَّات: الإلهاء، خلق المُشكلة وإيجاد الحل، التَدَرُّج، التأجيل، مُخاطبة العَامَّة كالأطفال، استخدام العاطفة بدلاً عن التأمُّل، إضعاف جودة التعليم وتشجيع التعايُش مع الجهل، توسعة الفجوة المعرفيَّة بين العامَّة والحاكمين، وتعميق الشعور الذاتي بالذنب.
ولقد طَبَّقَ البشير وعصابته الإسْلَامَوِيَّة غالبيَّة الاستراتيجيات الصهيونيَّة أعلاه، خاصَّةً استراتيجيتَي الإلهاء والعاطفة/الدِّين، المُستخدمتان في تبرير سَطْوِهِمْ على السُلطة ومع إضفاء بعض (القُدسيَّة)، رغم (كذبهم الفاضح) المُتمثِّل في إخفائهم لحقيقتهم الأيدلوجيَّة! فقد ادَّعوا بأنَّ (التعدُّديَّة) تتعارض مع الإسلام وأنَّهم سيُعيدون صياغتنا، دون مُراعاةٍ لتنوُّعنا العقائدي والثقافي/العِرقي، وحقنا في الاختيار كما أمر الإسلام نفسه! وصَنَعُوا باستمرار خصوماً (وهميين) للدين، لتبرير جرائمهم غير المسبوقة ضد السُّودانيين، كالاغتيالات والإعدامات والقمع والتعذيب والتشريد والاغتصاب والتجويع وغيرها. ثُمَّ تَوالَت تطبيقاتهم المُتأسلمين لاستراتيجيات تشومسكي حسب الحالة، ومن ذلك (إدِّعائهم) إصلاح التعليم استناداً للقيم (الدِّينيَّة) عبر مَسَاقَيْنْ، أوَّلهما (إلزامي) يُطبَّق دون استثناء، وتُسْتَوْحَى معارفه من القرآن والسُنَّة، والمساقُ الثاني (اختياري) يسمح بانتقاء بعض التخصُّصات، واشاعوا بأنَّ تلك التعديلات تُقلِّل تكلفة التعليم و(تُطيل) العمر الإنتاجي للمُواطن! وضَاعفوا أعداد طُلَّاب الجامعات، وجَعْلُوا اللُّغة العربيَّة لُغَةُ التدريس الرئيسيَّة بدلاً عن الإنجليزيَّة، وغَيَّروا السُلَّم التعليمي. وكان هدفهم الحقيقي/الخَفِي إيجاد/إنشاء طبقة تعليمها (مُنخفض)، وتشكيل طبقة (صَفَوِيَّة) تتمتَّع بتعليمٍ جيد، وتجدون تفاصيلاً أكثر في مقالتي (اَلْتَدْمِيْرُ اَلْإِسْلَاْمَوِيُّ لِلْتَعْلِيْمِ فِيْ اَلْسُّوْدَاْنْ). ويُلاحظ هنا، أنَّهم مَزجوا بين أكثر من استراتيجيَّة من استراتيجيات تشومسكي، كالإلهاء والعاطفة دون التأمُّل (الدِّين)، وإبقاء العَامَّة في الجهل والغباء وتشجيعهم على القبول بذلك!
كما عَمَلَ المُتأسلمون على غسل أدْمِغَة السُّودانيين عبر مُؤسَّساتٍ بعينها، كوزارة التخطيط الاجتماعي التي تولَّاها علي عثمان، وتمَّ إلغاؤُها بعدما وَضَعَ لَبِنَاْتْ تدمير أخلاقنا النبيلة، حيث شَرَّد المئات بحِجَّة الصالح العام الذي قاد للتجويع/الإذلال، وصَنَعَ الفتنة بثقافة الاختيار/التعيين وفقاً للاعتبارات السياسيَّة والعقائديَّة والقَبَلِيَّة/الجَهَوِيَّة. كما تَغَلْغَلَتْ وزارة التخطيط في الأحياء السكنيَّة، وتَحَكَّمت في اللجان الشعبيَّة المُكَوَّنة (غالباً) من المُتأسلمين وآكلي الفِتَات، بجانب إشرافها (بالتنسيق مع وزارة التعليم)، على تصنيف/تمييز تلاميذ المدارس وفق القبائل والعقائد، وتفريخ الإسْلَامَوِيين والموتورين! وهناك مُؤسَّسة الخِدمة الإلزامية، التي مَارَسَت غَسْل الأدمِغَة (ولا تزال)، وارتكبت أبشع الجرائم والانتهاكات ضد الشباب السُّوداني، سواء بالشوارع والمركبات العامَّة (الكَشَّات) أو بالمُعسكرات التي أنشأتها في أماكن مُتفرِّقة من البلاد، حسبما أوضحت بمقالتي (سُقُوْطُ اَلْجَاْمِعَةُ اَلْعَرَبِيَّةْ: كَمَاْلْ حَسَنْ أُنْمَوْذَجَاً). ويُمكن القول، بأنَّ وزارة التخطيط واللجان الشعبيَّة والخدمة الإلزاميَّة، استخدموا مزيجاً من استراتيجيَّات تشومسكي، شَملَ كلاً من استراتيجيَّة الإلهاء والعاطفة/الدين والتجهيل والتَدَرُّجِ والتأجيل، لإنهاكنا (فكرياً/روحياً) و(بدنياً) و(اقتصادياً) و(اجتماعياً)، وإثارة الفتن الطائفيَّة والعنُصريَّة وروح الانتقام بيننا.
ويُعدُّ الحصارُ الاقتصاديُّ، من أعظم وأخبث الجرائم/الخيانات الإسْلَامَوِيَّة باستخدام الاستراتيجيات الصهيونيَّة، حيث خَانَنا البشير وعصابته لصالح الأمريكان، واتَّخذوا الحصار حُجَّة لتبرير خيانتهم. فالعداء الأمريكي اشتدَّ للخطاب الإسْلَامَوي العدائي (الواضح) منذ 1989، وتَصَاعَدَ بعد تأييد المُتأسلمين غزو العراق للكُويت، واحتضان الجماعات المُتطرِّفة بالخرطوم، مما أدخلنا قائمة الدول الرَّاعية للإرهاب عام 1993. ثُمَّ شَدَّدت أمريكا حصارها الاقتصادي عام 1997، وقَصَفَت مصنع الشفاء عام 1998 وخَفَّضت التمثيل الديبلوماسي، ثمَّ صَنَّفَت السُّودان ضمن الدول التي يُمكن مُحاصرتها اقتصادياً عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، ويُوضِّح هذا العرض المُختصر، أنَّ البشير وعصابته هم سبب الحصار، وبنحوٍ أَدَق صنعوه من العدم! خاصَّةً أنَّ علاقات المُتأسلمين (فُرادى/جماعات) مع الأمريكان ظَلَّت قَوِيَّة بشهادة الطرفين، حسبما فَصَّلتَ في مقالتَيَّ (خَفَاْيَاْ اَلْعُقُوْبَاْتِ اَلْأَمْرِيِكِيَّةِ عَلَىْ اَلْسُّوْدَاْنْ) و(مَنِ اَلْمُسْتَفِيْد مِنْ رَفْعِ اَلْعُقُوْبَاْتِ عَنِ اَلْسُّوْدَاْنْ؟!). ونفس الاستراتيجيات الصهيُونيَّة، طَبَّقها المُتأسلمون في خِيانتهم المُسمَّاة (التحرير الاقتصادي)، وأيضاً كتبتُ عنها مقالاتٍ وأوراقٍ كثيرةٍ مُتعدِّدة لا يسع المجال لتفصيلها، وكان الخاسر فيها السُّودان (أرضاً وشعب)، والمُستفيد الأوَّل من ذلك هم الأمريكان والصهاينة وأزلامهم/أدواتهم في المنطقة، الذين نَالوا غالبيَّة مُقدَّراتنا السياديَّة والاقتصاديَّة، بدءاً بالمشروعات الإنتاجيَّة/الزراعيَّة وتوابعها، والمُؤسَّسات الخِدَميَّة التي كانت ولا تزال ناجحة، وانتهاءً بالأراضي والعقارات حتَّى المطارات والموانئ!
يبدو أنَّ المُتأسلمين والصهاينة يُمهِّدون حالياً، (للإعلان) عن (تَحَالفهم) المُسْتَتَر، والذي سيعقبه تمكين الصهاينة من مُقدَّارتنا التي نالوها عبر أزلامهم، سواء بأكذوبة الاستثمار أو بالبيع/الخصخصة أو بالرهن/القروض، وهي آخر مراحل الإدارة بالأزمات المعروفة بـ(جَنْي المَكاسِب)، ويجري تنفيذها حالياً استناداً لاستراتيجيتَيْ (التَدَرُّج والتأجيل) المُشار إليهما أعلاه! فعلى سبيل المثال، كان من المُستحيل (سابقاً) حديث السُّودانيين عن التطبيع لأسبابٍ عديدة، فتمَّ (التأجيل) ريثما (يُهيئنا) البشير وعصابته لقبول ذلك بـ(التَدَرُّج)، عبر صناعة الأزمات من العدم، مع التجهيل والإفقار وإعمال العاطفة/الدين (دون التأمُّل/التَدَبُّر)، وتحريك ترسانتهم الإعلاميَّة المأجورة (الإلهاء)، للإيحاء بأنَّ الحل في التطبيع! وبعبارةٍ أُخرى، يُطَبِّق البشير وعصابته رُؤية مُؤسِّس الصهيونيَّة العالميَّة، تيودور هرتزل، الذي قال عن شعوب المنطقة: "سُنولِّي عليهم (سَفَلَة) قومهم، حتَّى يأتي اليوم الذي تستقبل فيه الشعوب جيش الدفاع الإسرائيلي بـ(الورود والرياحين)"!
فقد استُخْدِمَت استراتيجيات تشومسكي لفصل الجنوب، برعايةٍ أمريكيَّةٍ وصهيونيَّةٍ مشهودة، وتنفيذٍ إسْلَامَوِيٍ (دقيق)، ومُشاركةٍ فاعلةٍ لـ(مُدَّعي) النِّضال و(تُجَّار) الحرب، حيث شَكَّلَ الحِصَار (العًصا والجَزَرة)! واستُخْدِمَت نفس الاستراتيجيات لتنفيذ مُثلَّث حمدي الإسْلَامَوي، الذي حَصَرَ السُّودان في (دنقلا، سِنَّار والأبيض)، واستبعد الشرق ودارفور وأقصى الشمال/الأراضي النوبيَّة والمنطقتين، وحينما رفضه غالبيَّتنا عام 2005، تَرَاجَعَ المُتأسْلِمون (ظاهرياً) وفق استراتيجيَّة (التأجيل)، وبدأوا تنفيذه بنحوٍ مُسْتَتَر وفق استراتيجيَّة (التَدَرُّج)! فرفعوا وتيرة إجرامهم بدارفور والمنطقتين، ليُجبروا أهلنا على الانفصال، وتركوا حلايب والأراضي النوبيَّة للمصريين، حتَّى أضحت أرقين ميناءً برِّياً لمصر، التي تَوَغَّلت أكثر بشمال دارفور طمعاً في مياهنا الجوفيَّة! وتَغَاضَى المُتأسلمون عن التَوغُّلات الإثيوبيَّة المُتلاحقة، حتَّى بلغوا الدندر وأقاموا فيها قُرىً كاملة! ولَمْ تَغِبْ الاستراتيجيات الصهيونيَّة، عن سد النهضة الكارثي وقيام سدود الشمال، والارتزاق في اليمن، وتغيير التركيبة السُكَّانيَّة، ومُحاولات المُتأسلمين المُستميتة لـ(تهويد) السُّودان، والتي بلغت مَدَاها بإدِّعاء (سُّودانيَّة) نبي الله موسى، ولقائه بالخضر في توتي! ولو أضفنا لذلك، تصريحات الصهاينة المُتواصلة/المُتزايدة، بشأن لقاءاتهم ومُباحثاتهم مع رؤوس الفجور الإسْلَامَوي، يَتأكَّد لنا تماماً (تَحالُف) المُتأسلمين (المُتجذِّر) مع الصهاينة، وأنَّ الأمر يفوق (التطبيع) المزعوم بكثير!
أشعر بألمٍ ودهشةٍ كبيرتين لفرحة البعض بالتطبيع المزعوم، و(تَوَهُّمهم) بأنَّ الصهاينة سيخلصونا/ينقذونا مما نحن فيه، رغم الأحداث/المُمارسات (المُوثَّقة) التي عشناها جميعاً أعلاه، وهي حقائقٌ تجعلنا نرفض التعامُل تماماً مع الطرفين (مُتأسلمين وصهاينة). بخلاف أنَّ الشعوب (الحُرَّة) لا تنتظر (الآخرين) ليمنحوها الحُرِّيَّة والرَّفاهيَّة، وإنَّما تقتلع حقوقها وتُحرِّر قيودها بقدراتها الذاتيَّة، وتكسب الاحترام الدَّولي والإقليمي. ومن السذاجة، الاعتقاد بأنَّ (التطبيع) سيُحقِّق أحلامنا كما يُرَوِّج (المأجورين) وبعض (البُلهاء)، لأنَّنا نحيا في عالمٍ يتعامل بالمصالح ولا يعرف العواطف، والصهاينة ليسوا (أغبياء) ليُهدروا وقتهم وأموالهم وقدراتهم دون مُقابل، وليسوا (أخياراً) يبتغون الثواب والحَسَنات الإلهيَّة ليصرفوا على السُّودان وأهله، وإنَّما يعملون لترجيح مصالحهم، وحريٌّ بأنصار (التطبيع) التفكير في المُقابل الذي علينا الإيفاء به!
الأهمَّ من كل ذلك، أنَّنا (نحن السُّودانيين)، لسنا مُؤهَّلين الآن للبت في (التطبيع) أو الحديث عنه، لأنَّنا نحيا في أسوأ ظروف يُمكن أن يحيا فيها الإنسان، وتُحاصرنا الأزمات في كافَّة الأصعدة، بدءاً بالجوع والفقر والمرض وانتهاءً بالجهل وغياب الوعي والفِتَن، وهي في مُجملها لا تسمح بتقدير الأمور على نحوٍ سليم. فلندع الحديث عن (التطبيع) واستطلاعاته، ولنُسرع بحشد طاقاتنا ونُوحِّد جهودنا لاقتلاع البشير وعصابته، ونستبعد من والاهم من المُغامرين والمُتاجرين، كخُطوةٍ (مِفتاحيَّةٍ/فعليَّةٍ) حتميَّةٍ لا مناص منها، ثُمَّ إيقاف الطَّامعين والذئاب الذين أنهكوا بلادنا، ويُوشكوا على ابتلاع ما تَبَقَّى منها.. وللحديث بقيَّة.