المديوني وتحقيق التراث المسرحي النقدي

أبو الحسن سلام
2018 / 12 / 6

" المديوني"
وحيرة تحقيق الحلقة المؤودة
في تاريخ ريادة النقد المسرحي العربي
د. أبو الحسن سلام
* النقطة العمياء في تحقيق مقام الريادة المسرحية العربية:
لا مكان للمسلمات البحثية مهما يعلو شأن الباحث وشأن البحث بين مرجعيات التخصص ؛ ذلك أن العلم يخطئ نفسه ليصحح نفسه . وما لا يقبل التخطئة والتصويب ليس بعلم .
ولأن العلم يصوب نفسه ؛ لذا لم تفاجئني مصافحة نظري لعنوان البحث المنشور الذي حققه الأستاذ الدكتور محمد المديوني – أستاذ المسرح بالمعهد العالي للمسرح بدولة تونس - عن حلقة مؤودة في تاريخ المسرح العربي ، يأخذ في مقدمته علي من أرخوا لتاريخ الريادة في مسرحنا العربي مرور جهودهم البحثية حول تلك المسألة بالنقطة البحثية العمياء ؛ حيث مر بهم جهد الريادة التنظيري النقدي لـ ( لنجيب حبيقة 1869-1906) ذلك الجهد المتمثل في مقاله المتسلسل في حلقات تحت عنوان ( فن التمثيل ) الذي يعد أول عرض في تاريخنا المسرحي الحديث لنظرية المسرح لأرسطو في ( كتاب الشعر ) .
وكما وجه حبيقه جهد بحثه في تدارس كتاب الشعر- فعل ذلك (د. المديوني) في إطار الإعداد لدرس أنجزه سنة 1992 تحت عنوان:" الحدث المسرحي في الثقافة العربية " وقد شغل فيه بالوقوف مع طلبته أمام مرجعيات منشأ ظاهرة المسرح عند العرب المحدثين ؛ بغية تدارس المفاصل الأساسية التي قامت عليها الممارسة العربية لفن المسرح ( بتنويعات إنتاجه ) . وتمليك طلابه القدرة علي كيفية التعامل البحثي مع المراجع ومساءلتها حول نقص التأصيل فيما يكتشف من نقط بحثية عمياء مرت بها ريادة مرجعية حول النشأة و نسبة دور الريادة فيها.
ولأن مثل تلك المساءلة البحثية لمرجعيات الريادة في حقول المنهج العلمي تستلزم التدرع بأدرعة منهج التحقيق باعتباره منهج تثبت وتأصيل نسبة الأثر لصاحبه ؛ لذا وجد المديوني نفسه وجها لوجه أمام منهج التحقيق العلمي .. وهو منهج أكبر من أن يحيط به طلابه ؛ لذلك شمر عن ساعديه وواجه ما بين يديه من أعمال نجيب حبيقة.
* المديوني محققا لمقال " نجيب حبيقة
" الموسوم بـ: ( فن التمثيل)
كان الهدف من تدارس هذا المقال المهم إذن هو مجرد توجيه طلاب الدراسات العليا نحو التعرف علي أهم المراحل التي مرت بها نشأة المسرح في الثقافة العربية ، ومساءلة مرجعيات تحقيق نشأة الظاهرة المسرحية في بلادنا ، مساءلتها عما أثبت وعما أغفل إثبات نسبته لأصحابه ، انطلاقا من دأب البحث العلمي علي الشك في كل ما اضطر إلي الرجوع إليه مما حققته مرجعيات تحقيق التراث المسرحي المنشور – تاريخا ومنهجا ، محتوي وأسلوبا - باعتبار المحقق التراثي هو قاض علمي ؛ مهمته نسبة الأثر الأدبي أو التاريخي أو الفني أو المسرحي لصاحبه ؛ مستعينا بنقد محتوى الأثر وأسلوبه ، وفق الأدوات والضوابط المنهجية الآتية :
( - أن يكون وثيق الصلة بمن ينسب إليه الأثر - وثيق الصلة بالأثر نفسه – أن يكون محيطا بشتي ملابسات الأثر – أن يكون واسع المعرفة بعصر الأثر – أن يكون دقيق الملاحظة – أن يكون سريع اللمح )
هذا فضلا علي تملك المحقق لمنهجية تحقيق النص التراثي ، ( هيئة المحقق-أدوات المحقق- فحص ما سبق نشره عن الأثر ، خاصة إذا كان الأثر محققا من قبل ونسبته لصاحبه ثابتة ؛ وهذا ما يؤكده د. طه الحاجري: " .. أما ما سبق نشره منها فيبين تاريخ النشر ومكانه ومحققه ، وفي أي صورة كان : محققا لشروط النشر العلمي أو مغفلا لها ، ، أو مقصرا في رعايتها ، كليا كان ذلك النشر أو جزئيا ، مستقلا أو مضمنا ، في مجلة من المجلات أو دورية من الدوريات ، إلي غير ذلك"
( تعود ظاهرة التحقيق إلي التجارة ، بعد انتشار حرفة نشر الكتب ، بهدف الكسب استدعى التزوير منذ أصبحت مهمة نشر الكتب صناعة وتجارة هدفها الأول الكسب) .
تحقيق مقام الريادة :
لا سبيل للوصول إلي مصداقية التحقق من نسبة الأثر الملتبسة نسبته إلي صاحبه إلا بالتحقيق المنهجي المدقق . ولأن الأثر الذي أوقف الدكتور المديوني بحثه إزاءه هو مقال منشور ثابت النسبة إلي مؤلف معلوم هو( نجيب حبيقة) فلا مجال لتحقيق صحة نسبه لمؤلفه لكونها معلومة وثابتة . فما الأمر إذن . ما الغائب المؤود الذي توصل الأستاذ الباحث إلي حقيقة وأده ؟! ومن الذي وأده .. ولماذا كان الوأد ؟!!
ذلك هو مجال التحقيق البحثي .
وفي الإجابة عن هذه الأسئلة إجابة منهجية ؛ نجدها في القسم الأول في بحث الدكتور المديوني ، نفسه . فمقام ريادة ( نجيب حبيقة) في نشأة تاريخ الظاهرة المسرحية العربية هو المؤود . أما الفاعل، فهما – حسب المديوني - مرجعيتان رئيسيتان في تاريخ نشأة الظاهرة المسرحية العربية أولهما : ( د. محمد يوسف نجم) الذي بدى تعمده وأد حلقة مهمة في تاريخ نشأة الظاهرة المسرحية العربية بعدم إشارته ولو مرة واحدة إلي نجيب حبيقة في كتابه الموسوم بـ ( المسرحية في الأدب العربي الحديث 1847-1941) "إلا بصورة عرضية وفي إيجاز شديد لا يتناسب مع الموقع الذي احتله نجيب حبيقة " فاقتصر حضور نجيب حبيقة في كتابه ذاك علي ثلاثة أسطر، قال " ... وقد عني نجيب حبيقة (توفي 1906) أحد أساتذة هذه الكلية بالمسرح ، فعرب له عدة مسرحيات منها " أبن الخائن" ، و " الفارس الأسود" و " شهيد الوفاء" وكتب مقالات (كذا) عن فن التمثيل " ويعقب د. مديوني علي نجم بقوله: " لا يبدو من خلال هذه الفقرة أنه اطّلع علي هذه "المقالات "ولا أولي ما كتب نجيب حبيقة أدني اهتمام وما يدل علي عدم اطلاعه ذاك تعبير"مقالا" التي اعتمد بدلا عن حلقات لمقال وحيد عنوانه" فن التمثيل" ومثله فعل علي الرغم من أن نجم قد اعتمد علي ما كتبه فيليب دي طرازي من آثار نجيب حبيقة . ولم يكن نجم وحده المرجع الأساسي الذي وأد دور نجيب حبيقة الريادي بل كان أيضا ( يعقوب لنداو) .
فإذا جئنا للسؤال الثالث ( لماذا كان الوأد) ومددنا حدود استنكاره ليطال كيفية حدوث ذلك .. هل كان عن قصد ، أم هو بمثابة نقطة بحثية عمياء مر عليها نظر كل من ( نجم) و (لنداو) وهل كان مرور فيليب دي طرازي علي آثار نجيب حبيقة الريادية مرور غفلة ؟! أم هو عدم الاهتمام بمحتوي المقال ، من زاوية الحكم الظاهري عليه من عنوانه ( فن التمثيل) – بحسبانه في ظن كل من الثلاثة المؤرحين موضوعا فرعيا من موضوع أشمل وأعم وألصق بنقطة اهتمام كل منهما البحثية وهي: تأصيل تاريخ نشوء ( الظاهرة المسرحية في أدبنا العربي) ؟!
مثل تلك الأسئلة الفرعية وجدت عنها إجابات محققة ومدققة في بحث الأستاذ المديوني الذي توسل للوصول إلي كشف لغز الحلقة مؤودة عن قصد في جهد من تناول تاريخ نشوء الظاهرة المسرحية في تاريخنا الحديث بدء من المرجعين الرئيسيين ( محمد يوسف نجم ) و( يعقوب لنداو) ومن قبلهما فيليب دي طرازي اتصالا بمن تبعهما في الأخذ بالإشارة المقتضبة التي أشار كل منهما في بحثه المرجعي عن نشأة المسرح العربي ، أو من بني علي أساسها في تناوله للدور الذي قام به نجيب حبيقة في تاريخ الأدب العربي وفي المسرح . ليصل إلي أن المرجعتين الرئيسيتين لتأصيل تاريخ ظاهرة المسرح في أدبنا العربي الحديث لم يطلعا من الأساس في مقال (فن التمثيل) (1899) لنجيب حبيقة ، وأن من تبع إشارة أي منهما لم يطلع أيضا فيما كتب عن نجيب حبيقة على مقاله ( فن التمثيل) فضلا على قصدية وأد باحثين آخرين لدور نجيب حبيقة الريادي في تاريخ نشأة ظاهرة التنظير والنقد المسرحي بما قدمه من ترجمة حديثة مبكرة وشرح بفهم واع لكتاب الشعر لأرسطو .
لكن ما التحقيق ، وما هو دور المحقق ؟!
تحقيق الأثر التاريخي أو الأدبي تحقيقا تاريخا ومنهجا محتو وأسلوبا وهو نوعان :
* تحقيق المخطوط التراثي مجهول النسبة لصاحبه.
* تحقيق الأثر التراثي المنشور الملتبس النسبة لصاحبه أو الأثر الملتبس النسبة لمقامه في تاريخ ريادة صاحبه في تأصيل نشأة نوعه .
فإذا نظرنا في بحث الأستاذ الدكتور محمد المديوني وتحقيقه لمقال ( فن التمثيل) نصنف تحقيقه لنص مقال حبيقة ضمن النوع الثاني من التحقيق لأن المقال أثر منشور التبس علي المرجعيات السابقة مقام نسبته ريادة صاحبه في تاريخ التنظير والنقد المسرحي العربي عند المرجعيتين الرئيسيتين لنشأة المسرح وعند تابعيهم عن قصد!
ولما كان تحقيق النصوص قد تأسس علي توافر شروط منها :
( هيئة المحقق- أدوات المحقق - تحقيق نسبة النص للمنسوب إليه- تحقيق محتوي النص وتحقيق أسلوبه ؛ فضلا علي ما وضعه د. طه الحاجري من شروط واجبة التحقق عند من يشتغل علي تحقيق أثر من الآثار الأدبية التراثية :
_ أن يكون المحقق وثيق الصلة بمن ينسب إليه الأثر.
- أن يكون وثيق الصلة بالأثر نفسه .
- أن يكون محيطا بشتي ملابسات الأثر.
- أن يكون واسع المعرفة بعصر الأثر.
- أن يكون دقيق الملاحظة.
- أن يكون سريع اللمح.
- أن يكون عالما بموضوع النص الذي يحققه .
- أن يكون صاحب ضمير علمي ، غير متحرج .
- عارف بأساليب المتبعة في معالجة هذا الموضوع.-
- عارف بالأسلوب الغالب علي العصر الذي ينتمي إليه ذلك النص .
- عارف بأسلوب صياغة الجملة والمفردات الشائعة والأخطاء الغالبة فيه
- أن يكون متمرسا بقراءة الخطوط المختلفة ، مشرقية ومغربية .
وكلها خطوات تحققت في منهج الأستاذ المديوني وتعامله البحثي مع نص حبيقة ، فقد تمكن المحقق من الاشتغال علي محتوي الأثر وأسلوبه عن معرفة تامة بكل ما تقدم مما حدده د. طه الحاجري في بحثه " تحقيق التراث تاريخا ومنهجا"
حيث أطال " ... النظر في الأثر نفسه من ناحية محتواه ، ومن ناحية أسلوبه ، الأصل في توثيقه . " ذلك أن " من الكتب ما يحتاج في ذاته إلي إطالة نظر وفرط تأمل وكثرة مراجعة ، ومنها ما يبدو زيف نسبته لأول وهلة "
خطوات تحقيق النص التراثي :
شان كل بحث ينطلق المديوني من الدهشة مما وجد عند مرجعين رئيسيين لتاريخ المسرح العربي في أدبنا الحديث ، هما محمد يوسف نجم ، ويعقوب لنداو ؛ خلال قراءته الاستعادية لكتاب كل منهما مع طلاب الدراسات العليا في معهده المسرحي من إشارة مقتضبة عن مقال بعنوان ( فن التمثيل) لنجيب حبيقة ، فتساءل مندهشا ( أليس غريبا أن مقالا عن فن التمثيل في 1899 يكتفي بمجرد الإشارة إلي مؤلفه باقتضاب في عدد قليل من الأسطر )
وبدوري أسأل من سمعت منهم غرابة همساتهم متسائلين حول (مدي أهمية مثل هذا البحث في كتاب بهذا الحجم) - وذلك علي هامش حلقة نقاشية نقدية عقدت حول الكتاب ؛ ضمن أيام قرطاج المسرحية (19) – (هل من باحث إلا وهو مندهش من غرابة ما يجد ومن غرابة كيفية وجوده علي ما لاحظ- وأحيلهم إلي قول أرسطو " إن الناس لا يبحثون اليوم في الفلسفة كما لم يبحثوا فيها بادئ ذي بدء إلا بداعي اندهاشهم ، فلقد كانوا يتفلسفون طلبا للتحرر من الجهل فمن الجلي أنهم درسوا العلوم لذات المعرفة لا لأي غرض نفعي "
فلنتتبع منهج المديوني ؛ حيث يقول : " في هذا السياق سياق المقارنة بين ما اعتمده الباحثان من مراجع ، اكتشفت مقال نجيب حبيقة فن التمثيل فلقد وقع نظري عليه ضمن قائمة المراجع المذيلة لكتاب محمد بوسف نجم ، ثم في الببليوغرافيا الثرية التي أوردها يعقوب لانداو في مقاله : المسرح في الشرق الأوسط ، دائرة المعارف الإسلامية
أولا ، ثم في كتابه بعد ذلك ، وكان أو ما لفت انتباهي في الأمر هو صيغة العنوان التي بدت لي معلنة عن انشغال صاحبه بمجال وميدان بذاته ، ومعبرة عن سعي للكلام فيه باعتباره كذلك .
الأمر الثاني الذي أثار في بعض السؤال هو اقتصار صاحبي البحثين في ما كتبا ، علي ذكره وصحبه بشكل مقتضب اقتضابا بدا لي غير متناغم مع صيغة العنوان المغرية بالالتفات إليه والتمحيص في متنه .
أما الأمر الثالث الذي لفت انتباهي فهو الاختلاف الذي وقفت عليه بين الباحثين في ما أثبتاه في هوامش بحوثهما عند الإحالة عليه ، من ناحية ، وتضاربهما ، من ناحية أخري عند الإشارة إلي طبيعة هذا النص إن كان مقالا أو كان مجموعة مقالات . هذه الملاحظات دفعتني دفعا إلي البحث عن هذا النص والطلاع عليه اطلاعا مباشرا "
وعند هذه النقطة يبدأ الباحث بفرضية منهجية . لذا افترض المديوني أن أمرا ما كامن وراء هذه الحالة ، وأن الاطلاع علي هذا النص أمر ضروري والبحث فيه لا يمكن إلا أن يكون مفيدا .´
ولم يكن الأمر سهلا بطبيعة الحال ، فما من بحث إلا وتقف دون إتمامه عقبات أو مشكلات ، وهنا بدت حيرة الباحث في كيفية الحصول علي نص مقال صدر في مجلة المشرق ببيروت عام 1899 . ومع جهد البحث ودأب الباحث عثر علي " محموعة تكاد تكون كاملة لهذه المجلة في مكتبة " إبلا" الواقعة في أرباض مدينة تونس القديمة" .
أما وقد تبددت حيرته بعد حصوله علي النص المنشور؛ فقد جاء دوره في تحقيق مناط حيرته الأولي التي أيقظت دهشته ؛ عاد إلي ما نشر عن مقال حبيقه تحقيقا منهجيا للأسلوب لمحتوي ؛ خاصة وأن المنشور صادر عن مرجعيتين رئيسيتين في ثبت تاريخ نشأة المسرح في البلاد العربية وهما ( نجم ، ولانداو ) بعد اطلاعه¬ علي نص مقال حبيقة ، جاءت لحظة مقارنة ما كتبه كل من محمد يوسف نجم ويعقوب لاندو عن المقال بنص المقال نفسه يقول " وما أن وقعت علي مقال " نجيب حبيقة" " فن التمثيل ذاك وطالعت حلقاته الست حتي تبين لي ، أن محمد يوسف نجم ، ويعقوب لانداو لم يطلع كلاهما علي المقال ، لا بصورة مباشرة ولا بصورة غير مباشرة وهما الباحثان الجامعيان الثبتان اللذان عوّل ويعّول أكثر من باحث علي أعمالهما تعويلا تعويل المطمئنين لمصداقيتهما والمسلمين بأغلب ما وصلا له من استنتاجات . وتبين لي كذلك أن إحالات محمد يوسف نجم عليه لا علاقة دقيقة لها بالموقع الحقيقي للمقال ، وأنه أخطأ في السمة التي وسم بها هذا النص تحديدا لطبيعته فذهب في ظنه أن الأمر يتعلق بأكثر من مقال والحال أنه مقال واحد نشر في ست حلقات . "
كذلك أخذ الدكتور المديوني علي لانداو ما أثبته" من معلومات ببليوغرافية في الهوامش التي خص بها هذا المقال صحيحة فإنه لم يدرك فحوي المقال ولا دائرة اهتمامه الفعلي " يقول " ويعود السبب في الحقيقة ، إلى عدم اطلاع يعقوب لانداو هو الآخر ، اطلاعا فعليا علي مقال نجيب حبيقة ، وإلي عدم وقوفه علي فحواه ولا علي ما قام عليه ؛ ولئن كان يعقوب لانداو أكثر دقة من محمد يوسف نجم عند الإحالة علي هذا المقال " فإن عددا من القرائن تؤكد أنه لم يطلع علي المقال في نصه ، ويتجلي هذا بوضوح في الجملة التي ألحقها بعنوان المقال – تقديما له وإبرازا لقيمته – والتي لا تمت إلى فحواه بصلة ، فلقد قال فيها (....) نشر (نجيب حبيقة) في المشرق المجلة الكاثوليكية (...) المتميزة دراسة طويلة ومفصلة في فن الأداء التمثيلي (كذا) ويعقب المديوني " لقد غاب عن يعقوب لانداو أن المقصود من تعبير " فن التمثيل" الوارد عنوانا لمقال حبيقة هذا إنما هو فن المسرح بكل مكوناته لا " فن التمثيل" كما خيل له ، ولو كان قرأ نص المقال لكان أدرك أن نجيب حبيقة قد عني في الحلقات التي نشر من مقاله هذا بالتأليف المسرحي " أو بما أصبح يطلق عليه مصطلح الدراماتورجيا ، تحديدا ، ولكان علم أنه أرجأ معالجة الأبعاد الأخري للمسرح وممارسته بما في ذلك متطلبات العرض المسرحي وشروط أداء الممثل إلي حلقات لاحقة "
* المرجعيات والصدمة المنهجية:
عبر الدكتور المديوني عن صدمته البحثية في ما نظر من بحوث عن نشأة المسرح العربي الحديث ؛ تلت مرجعيتي نجم ، ولانداو ؛ بقوله : لعل المرء يقف علي أهمية الخسارة الناجمة عن إهمال هذا المقال والجهل بما ورد فيه لا في ذهول المترجمين العرب لكتاب " فن الشعر" إلي العربية في العصر الحديث ، فحسب وفي عدم تعويلهم علي ما نجح نجيب حبيقة في استنباطه ونحته من ملفوظات ترجم بتا عددا من المفاهيم النقدية والتنظيرية التي عليها عوّل في كتابه المذكور " ( محمد المديوني " كتاب فن الشعر وترجماته العربية الحديثة " ويضيف المديوني " إنما تتجلي هذه الخسارة بصورة أوضح عندما يغيب ذكر نجيب حبيقة ومقاله عن البحوث والأطروحات .
مقال ( فن التمثيل ) في كتابات الباحثين
في مسيرة تحقيق نص تراثي يقف المحقق أولا عند الكتابات التي أشارت أو أحالت علي النص موضوع التحقيق ، باعتبار تحقيقه لما كتب عنه ؛ مرحلة ابتدائية في منهج التحقيق ، لذا توقف د. المديوني أما عدد من الكتابات التي تناولت نجيب حبيقة سواء اكتفاء بالإشارة المقتضبة لمقاله أو بالتعليق ، أو بالبحث ؛ لينتهي إلي القول: " ... فلا نكاد نجد في البحوث الجامعية المعاصرة المعنية بالمسرح العربي ذكرا ذا بال لنجيب حبيقة ولمقاله موضوع بحثنا." داعما هذا الاستنتاج بنماذج من تحقيقه لنماذج من كتابات بحثية تناولت كتابات نجيب حبيقة عامة أوأحالت علي مقاله ( فن التمثيل) – موضوع التحقيق.
أولا: استعراض فيليب دي طرازي لآثار نجيب حبيقة :
يأخذ المديوني علي استعراض فيليب دي طرازي لآثار نجيب حبيقة الأدبية والتنظيرية وما جاء بقوله " ... وله عدة تآليف مدرسية وأدبية .. نذكر منها (1) كتاب درجات الإنشاء " (.....) (4 مقاله في " فن التمثيل" (5) مقاله في ( الانتقاد) (6) " يتهم د. المديوني فيليب دي طرازي بسوء النية تأسيسا علي أن كلام فيليب دي طرازي عن " مقالة´ في صيغة المفرد لا الجمع وهو ما لا يمكن أن يكون مصدرا لأي سوء تفاهم يمكن أن يفسر به الخطأ الذي وقع فيه "
ويعزي تعمد إهمال محمد يوسف نجم لمقام ريادة نجيب حبيقة في نشأة الظاهرة المسرحية العربية في العصر الحديث اعتماده فيما كتب مبتسرا عن مقال نجيب حبيقة إلي اعتماده علي فيليب دي طرازي. لكنه لم يستفد الاستفادة المناسبة من هذه الترجمة التي تعد الأوفي والأكثر اعتمادا من لدن اللاحقين . كذلك يأخذ علي محمد يوسف نجم سبب خلطه ذاك ؛ كان تعويله علي ما ورد في كتاب لويس شيخو عند تعرضه لنجيب حبيقة الذي عن نجيب حبيقه " وله آثار عديدة منها مدرسية(..) ومنها أدبية كمقالات عن فن التمثيل والانتقاد ومنها روايات معربة..
ثانيا:" شوقي علي المسرح " لإدوار حنين :
من بين من كتبوا عن نجيب حبيقة كانت إحالات إدوار حنين علي مقال ( فن التمثيل) في أكثر من موضع من بحثه " شوقي علي المسرح" في أربع حلقات نشرتها مجلة المشرق " أطلق علي كل واحدة عنوانا فرعيا حدد موضوعها : الحلقة الأولي ، مقدمة في التمثيل العربي (1934) تشرين أول – كانون أول 1934ص 580-563 يقول المديوني إن " أول إشارة صريحة لنجيب حبيقة في مدونة الخطاب المتعلق بالمسرح في البلدان العربية عثرنا عليعا في المقال الذي كتبه إدوار حنين(1914-1992) حول أحمد شوقي في (1932) ومسرحه الشعري " ويضيف " كان ذكر إدوار حنين لنجيب حبيقة فيها متنزلا في إطار استعراضه أسماء من أنجزوا مسرحيات بعد أن استقام هذا الفن في ثقافة العرب جنسا من التعبير الأدبي والفني قائما بذاته " حيث كتب حنين " وقد أحدثت هذه الننهضة التمثيلية ميلا في الشعراء والمؤلفين لوضع الروايات التمثيلية إن نقلا أو تأليفا، فنبغ بهذا الفن النجيبان ؛الحداد(1867-1897) ونجيب حبيقة(ت 1906)
وفي استعراض حنين للمسرحيات الشعرية التي أنجزها الشعراء العرب منذ نشأة المسرح في الشرق وإلي نظم أحمد شوقي لمسرحياته الشعرية ، " وفي ذلك صور من الاعتراف من قبل إدوار حنين لنجيب حبيقة بكونه ينتمي إلي الجيل الذي استوعب هذا الفن وخاض غماره بصورة أكثر تطورا من السابقين."
وعلى الرغم من حضور نجيب حبيقة اللافت لنظر المحقق في مقال إدوار حنين هذا ، فلقد عمد إدوار حنين تضمين أكثر من شاهد في هذه الحلقة من دراسته ؛ اقتبسها من مقال نجيب حبيقة " فن التمثيل" وعوّل علي هذه الشواهد التي ضمّن بشكل خاص ، لبيان الأسس الواجب اعتماده عليها في تحديد الجنس المسرحي وتدقيق الشروط التي يجب أن تتوفر في الأثر حتي ينسب إلي المسرح " ومع أن إداوار حنين ضمن " تضمينا حرفيا فقرات من مقال نجيب حبيقة المذكور وكان ما ورد في ذلك التضمين بمثابة الأساس المرجعي الذي إليه يطمئن عندما يتعلق الأمر ببيان ما يمكن أن يعنيه " مسرح" و " رواية تمثيلية" فكتب : " فلا المقامات ولا رسالة الغفران ولا روايات الأغاني ، ليست من النوع التمثيلي إذا ما فهمنا بالرواية (كذا) " تمثيل أو عرض واقعة تاريخية أم اجتماعية بوساطة أشخاص تنطبق أفعالهم وأقوالهم علي حقيقة الواقع والاحتمال " – وضع هذه القولة بين ظفرين دلالة علي كونها شاهدا اقتبسه من أثر بعينه واكتفي إداور حنين في الهامش المحال عليه بذكر مجلة المشرق بتاريخها ورقم صفحتها التي وردت فيها هذه القولة ولكنه لم يذكر اسم نجيب حبيقة ولا عنوان مقاله الذي منه استمد شاهده "
ويأخذ المحقق أيضا على إداوار حنين تعمده مرة أخري تجاهل ذكر عنوان المقال واسم صاحبه متجاهلا أن الفقرة التالية التي أخذها " مستقاة من مقال (فن التمثيل) عوّل عليها نجيب حبيقة عندما سعي في مقدمة " فن التمثيل" إلي بيان سحر المسرح وجلاله واعتمد تعبير " النقاد الألمان" عند ذكر شليغل ٍSchlegel صاحب القولة وهو التعبير ذاته الذي اعتمده نجيب حبيقة في الهامش الأول من الهوامش الستة الواردة في مقاله " وقد أخذ علي د. المديوني إدوارد حنين أنه" تعمد مرة أخري تجاهل ذكر عنوان المقال واسم صاحبه " فيما نقله عنه من شواهد ترجمها حبيقه في مقاله عن أولئك النقاد الألمان " " في حين (حرص) إدوار حنين - في ما عدا ماضمّنه من مقال نجيب حبيقة – علي تدقيق إحالاته الأخري ؛ فذكر عناوين الكتب والمقالات التي استفاد منها ودقق أسماء أصحابها التدقيق المناسب"
هكذا يتحقق د. المديوني من أن " تعويل إدوار حبيقة علي مقال نجيب حبيقة بهذه الصورة يؤكد حضور مقولات " فن التمثيل" في المرجعيات العربية للنقاد والمعنيين بالمسرح وشؤونه من بين العرب إلي فترة تجاوزت ثلاثة عقود ونيّف من تاريخ نشره وذلك رغم تعمد هذا الناقد إهمال ذكر عنوان المقال وصاحبه "
** نجيب حبيقة ومقال ( فن التمثيل) في أطروحات أكاديمية:
* أطروحة عطية أبو النجا
( بحث في مصطلحات المسرح وفي ترجماتها إلي العربية)
كانت وقفة التحقيق أمام أطروحة عطية أبوالنجا سنة 1966 في جامعة باريس الموسومة بـ ( بحث في مصطلحات المسرح وفي ترجماتها إلي العربية العصرية) حلل فيه تلك المصطلحات ليقف عند منطق قيامها في اللغة العربية علي هذه الصورة أو تلك ليرجح منها الصيغة الأقرب إلي التعبير عن دلالات المصطلح في لغته الأصلية . معتمدا في ذلك علي نصوص مختلفة جنسا ونوعا في تاريخ الممارسة العربية للمسرح في صورته الغربية عبر الممارسات المسرحية العربية ؛ منها ما هو لم}لف عربي ومنها ما كان مترجما عن مسرحية فرنسية أو إنجليزية ، مخطوطا كانت أم منشورة ؛ فضلا على عدد من النصوص النقدية أو النظرية والتنظيرية أو التأريخية والتعليمية بأقلام كتاب من عرب المشرق والمغرب "
ويخلص الدكتور المديوني من تحقيقه لأطروحة (عطية أبوالنجا) إلي عدم العثور علي ما يشير إلي مقال حبيقة ، فقد تعمد أبو النجا إهمال مقال فن التمثيل لحبيقة ، يقول المديوني: " .. غير أننا لا نعثر ضمن هذه المدونة الضخمة علي ذكر لمقال نجيب حبيقة ، والحال أن مقال ( فن التمثيل) زاخر بالمصطلحات بصورة يبدو معها تجاهله م}ثرا تأثيرا في قيمة النتائج التي توصل إليها صاحب هذه الأطروحة" ويحيل المديوني سبب إهمال عطية أبو النجا لمقال حبيقة علي " تعويله تعويلا تاما علي ما توصل إليه الباحثان الأكاديميان السابق ذكرهما غي ما ذهبا إليه عند تحديدهما للنصوص المؤسسة لنشأة المسرح العربي ؛ فسلم بما توصلا إليه ونظر في ما ذكراه وأهمل ما أهملاه ، ونص حبيقة الذي يعنينا هو أهمة ما أهملاه معا
ثانيا: أطروحة ( المسرح اللبناني في القرن العشرين) :
وفي تحقيقه لما تناولته أطروحة (نبيل أبومراد) لنيل درجة الدكتوراه الموسومة بـ ( المسرح اللبناني في القرن العشرين) 2002 ، من آثار نجيب حبيقة ، خاصة مقاله ( فن التمثيل) يستثني الدكتور المديوني نبيل أبو مراد من بين الباحثين في شؤون المسرح اللبناني والمسرح العربي إذ لم يقع في ذهولهم عن نجيب حبيقة حيث " غاب مقاله أو كاد عن بحوثهم ، وإذا ما ذكر فيكون ذلك علي منوال ذكر يوسف نجم ويعقوب لانداو ، أي دون عودة دقيقة إلي متن هذا المقال ، ولا اطلاع عليه اطلاعا فعليا . فقد " عمد أكثر من مرة إلي ذكر نجيب حبيقة والإحالة علي مقاله وعلي شئ من كتاباته الأخري في أطروحة الدكتوراه" ولكن نبيل أبو مراد – يقول د. المديوني : " لم ير داعيا لكي يخص نجيب حبيقة بفقرة أو باب يبرز فيه منجزه في مجال التأليف المسرحي ولم يجد حاجة لينظر في ما قام عليه مقاله " فن التمثيل" فيعالجه معالجة متماسكة ، والحال أن في منجز نجيب حبيقة الإبداعي والنقدي ما يمكن أن يضئ دروب البحث في هذه الحقبة إضاءة لابد منها ، خاصة وأن ما أصدره صاحب المقال قد كان سنة 1899 أي علي مشارف القرن العشرين الذي حدد نبيل أبو مراد إطارا لبحثه في المسرح اللبناني .
وفي استعراض د. المديوني للمسائل التي أحال إليها نبيل أبو مراد من مقال ( فن التمثيل ) وكتابات حبيقة الأخرى يراه قد ضمّن بعض فقرات من المقال شواهد يستدل بتا علي ما ذهب إليه ، منها بالأخص : مسألة بطل المسرحية ، والسمات التي تميزه،ووقد ركز بشكل خاص علي ما أسماه بـ " البطل السئ (الشرير)" وعمد إلى تضمين فقرتين اقتطفهما من المقال "
وفي ما كتبه نبيل أبو مراد يلاحظ د. المديوني تعرضه لمسألة " الوحدات الثلاث" حيث أكد معرفة اللبنانيين بالوحدات الثلاث منذ القرن التاسع عشر معولا في ذلك على ما ورد في مقال نجيب حبيقة . وفي ذلك يقول : كان الكتاب اللبنانيون علي علم بمبادئ الوحدات الثلاث بدليل ما كتبه نجيب حبيقة سنة 1899 في الشروط الواجب احترامها عند تأليف الروايات المسرحية " مستشهدا من مقال ( فن التمثيل) بما يأتي : " إذا أقدمت أيها الأديب علي تأليف رواية فانظر في ما تختاره إلى أمور أربعة : الموضوع ، الأشخاص ، الوحدات ، أدب الرواية " ( الحلقة الثالثة من المقال) ويعلق د. المديوني " لقد ورت هذه الجملة في نهاية الفقرة الأولي من " البحث الأول" الذي خصصه نجيب حبيقة لبيان " الأصول" التي يقوم عليها التأليف المسرحي ، وكانت هذه الجملة بمثابة اختزال للمراحل الواجب علي من يروم تأليف مسرحية أن يمر بتا ، وسيعمل بعد ذلك علي تفصيل القول في هذه المراحل واحدة واحدة . والمديوني يأخذ علي الباحث نبيل أبو مراد اختزال تفصيل حبيقة لهذه لمراحل التي تبين كيفية تعامل المؤلف في كتابة الوحدات الثلاث .
ومن المسائل التي لجأ فيها نبيل أبو مراد لمقال ( فن التمثيل) مسألة لغة الحوار فقد ضمّن ما ذهب إليه نجيب حبيقة في خصوصها حتى تكون متناسبة مع مقتضيات المسرح " .... يجب أن يكون إنشاء الرواية التمثيلية طبيعيا متنوعا ممتازا برشاقته وضبطه .فما أقبح أن تجد في بعض رواياتنا من التكلف والمحسنات البيانية الضافية والغرائب الفنية المسهبة ، وبالإجمال كل التحسينات الدالة علي التصنع والتكلف الداعية إلي السأم. "
كذلك يحيل نبيل أبو مراد مسألة تهذيب الأخلاق وشروط تحققها في الرواية التمثيلية س ما ورد في مقال نجيب حبيقة من شروط من شأنها أن تحقق ما يعتبره غاية الغايات في المسرح ، مضمنا فقرة لاحقة شاهدا مقتطفا من المقال يؤكد ما ذهب إليه . كذلك عوّل أبو مراد علي مقال حبيقة (فن التمثيل) عند سعيه إلي الوقوف في بحثه علي واقع الممارسة المسرحية في لبنان في بدايات القرن العشرين ؛ فأحال علي مقدمة علي المقدمة التي صدّر بتا حبيقة نص مسرحيته (الفارس الأسود) 1899 مشيرا إلي مصطلحي " مخرج " و " إخراج" كانا متواتريت في خطاب المسرحيين اللبنانيين الرواد ، وكذلك مصطلحي " الفصل" و"المشهد"فقد كانا كذلك متداول يبينهم . وقد عوّل أبو مراد لإثبات ذلك على ماذكره نجيب حبيقة في مقدمة مسرحيته تلك .
يأخذ د. المديوني علي نبيل أبو مراد ( عدم اعتنائه بمعالجة منجزات حبيقة - يأخذ عليه سطحية المعالجة والانتقائية – ويأخذ عليه قصور تنزيل الأشياء منزلتها من سياقاتها خاصة " عندما يتطلب البحث حاجة إلي التأليف بين العناصر القائمة أمامه تأليفا بعيدا عن السطحية والانتقائية " ويأخذ عليه ما نسبه إلي حبيقة من " القول بضرورة الجمع في النص المسرحي بين الشعر والنثر ٌ" هي الفضلي أما النثر لوحده فغير مستحب "
ومن بين مآخذ د. المديوني علي نبيل أبو مراد رأيه الذي استنبطه من تعويله علي ما أطلق عليه " مبادئ نجيب حبيقة في أصول التمثيل" حيث يضمّن القسم الأكبر ممن النص الموسوم بـ " تنبيهات" والوارد بعد المقدمة تضمينا حرفيا ، إذ علق أبو مراد " لاشك في أننا إذا نظرنا إلي هذه المبادئ اليوم ؛ فإن أول شعور ينتابنا تجاهها هو الضحك والاستخفاف ، لأنها تظهر مفارقات صارخة بينها وبين التعاليم الحديثة لأصول التمثيل مع العلم أنه في الوقت الذي كان حبيقة سصوغ نظرياته كان بعض المنظرين الآخرين في العالم يصوغون نظرياتهم الخاصة حول فن التمثيل وفن المسرح برمته أمثال ستانسلافسكي (1863-1938) وأدولف آبيا ( 1862- 1928) ومايرهولد( 1874- 1942) وغيرهم " ( نبيل أبو مراد ص 465)
ويعلق د. المديوني علي تعليق نبيل أبو مراد السابق " في هذا التعليق صور من التعالي لا أجد له ما يبرره وفيه تأكيد للتجاهل وسوء الفهم اللذين ميزا طريقة تعامل المؤرخين للمسرح العربي مع نجيب حبيقة وكيفية تصرفهم إزاء جهوده النقدية والتنظيرية " ( د. المديوني حلقة مؤودة ، ص 56) وعلي ذلك يري د. مديوني أن أبومراد يتعالي علي نص حبيقة ويتهمه بسوء النية و بتجاهل قيمة تنظيرات نجيب حبيقة الريادية في مجال التأليف المسرحي وفي النقد المسرحي العربي . ويقول : " الناظر في ها التعليق سيلاحظ أن " مقارنته " لما ورد في " تنبيهات " نجيب حبيقة بكتابات كل من ستانسلافسكي وأدلف آبيا ومايرهولد لم تكن في الحقيقة مقارنة فعلية وإنما كانت أقرب ما يكون إلي مقارنتة افتراضية إذ لم يستعرض نبيل أبو مراد ما ورد في نص نجيب حبيقة هذا فضل عن أن يحلله ولم يورد ما قامت عليه كتابات من ذكر حتي يقارن بينها مقارنة فعلية ّّّّّّّّّّّّ، لقد اكتفي بذكر أسمائهم وفتح المجال لأسماء غيرهم ؛ وأصدر حكما علي ما ورد في نص نجيب حبيقة دون أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة هذا النص وظروف كتابته ولا منطقه وغاية صاحبه منه" ينته د. مديوني إلي قول قاطع " لم يدع نجيب حبيقة في تلك " التنبيهات" تقديم نظرية في الإخراج المسرحي ول في الأداء التمثيلي ، وهذا ما أشار إليه بشكل صريح في النقطة الأولي من " تنبيهات" عندما كتب " إن التمثيل لا يقع تحت ضابط ، ولا يتيسر حصره ضمن دائرة محدودة فلو تعرضنا في أبوابه وتفاصيبه لاقتضي منا الصفحات العديدة . على أن المقام لا يسمح في تنبيهات وجيزة لا غني عنها "
ويفهم من تحقيق د. مديوني لنص معالجة نبيل أبو مراد لإحالات أطروحته علي مقال ( فن التمثيل) وبعض من كتابات حبيقة التنظيرية أن ما ذهب إليه نبيل أبو مراد لا يستقيم مع نص نجيب حبيقة ولا مع مكانته المستحقة في تاريخ رياده للكتابة التنظرية في أصول التأليف المسرحي وفي نظرية النقد المسرحي الأرسطوية . كذلك لا تستقيمة مقاربته المفترضة بين جهود حبيقة التنظيرية النقدية وجهود ستانسلافسكي وآبيا ومايرهولد في مجالي التمثيل والإخراج المسرحي ؛ خاصة وأن نجيب حبيقة لم يتناول هذين الفنين في مقاله ( فن التمثيل ) علي الرغم من أن عنوان المقال يشير إلي أن مضمونه الحديث عن فن التمثيل . مع علم نبيل أبو مراد بأن مقال فن التمثيل لا يتعرض لفن التمثيل بحكم إطلاعه وإحالته عليه في أطروحته للدكتوراه .
* كتابات عن مقال ( فن التمثيل) بدون اطلاع :
- مقال ( المسرح العربي في مدينة الجزائر) لسعد الدين بن شنب
في هذا المقال استعرض بن شنب الدراسات المنشورة حديثا حول المسرح في البلدان العربية ، وفي إحالته دلت صيغة الإحالة غلي أنه لم يطلع علي فحوى المقال ولا ما قام عليه ، فلقد حدد من ناحية سنة 1920 تاريخا لصدور المجلة التي نشر فيها المقال والحال أنه نشر سنة 1899 ، وتردد من ناحية أخري في حد طبيعة هذا النص أن كان مجموعة من المقالات أو الأبواب " والمديوني يعيد هنا تجديد الإلحاح علي أهمية الأمانة العلمية ومنهجية التأصيل في عمل الباحث.


ومع انتهاء د. المديوني من تحقيق أهم الكتابات التي تناولت جهد نجيب حبيقة إيجابا وسلبا ، جاءت المرحلة الثانية من رحلة تحقيق النص التراثي مقال : ( فن التمثيل لنجيب حبيقة كشفا لمقام ريادته لنشأة التنظيرات النقدية حول أصول الكتابة المسرحية في الأدب العربي الحديث ؛ باعتباره حلقة مؤودة عن عمد عبر كتابات متابعة لمرجعيتي محمد يوسف نجم ، ويعقوب لانداو في التأريخ لنشوء الظاهرة المسرحية في الأدب العربي الحديث .
** تحقيق نص مقال ( فن التمثيل) :
يهدف تحقيق النصوص إلي أن يجيء التراث علي الصورة الحقيقية التي ألقي بتا منتسبا إلي صاحبه . وهذا ما استوجب من د. المديوني أن يبدأ تحقيقه بعرض أبواب المقال ويقارب من عناوينها ما فارقت لفظه ألفاظنا الاصطلاحية العصرية المعلومة عند أهل الاختصاص الأدبي والمسرحي هكذا : ( الباب الأول : في تأليف الرواية التمثيلية .. وتضمن مقدمة توضح ماهيتها ومنشأها وغايتها ، ثم الفصل الأول الذي يضم ثلاثة أبحاث ، الأول تحت عنوان ( الإيجاد) يعرض عماصر بناء الرواية : الموضوع – الأشخاص – الوحدات – أدب الرواية ( وفي البحث الثاني بعنوان : التنسيق و يعرض لتنسيقها الخارجي : ( الفصول – المشاهد – الغناء ) ولتنسيقها الداخلي ( بيان المقصد – العقدة – الخاتمة ) . البحث الثالث : بعنوان التعبير .. يعرض المحاورة – المناجاة – الخلوة – صفات الإنشاء – المحسنات البيانية
وفي الباب الثاني من مقال ( التمثيل) الذي عقده نجيب حبيقة تحت عنوان ( في إدارة التمثيل) يمعن المحقق د. محمد المديوني النظر ليري عناصر التخطيط يتجلي فيه انشغال نجيب حبيقه المنهجي بينا ينبني علي صور من التدرج الساعي إلي الالمام بمختلف مكونات المشروع الكامن وراء مقاله .
يستخلص المحقق من ذلك التخطيط أن المقال " مبني علي خطة واضحة في ذهن صاحبه " فضلا علي ما ألحقه المحقق من هوامش في شروحاته لما التبس من معاني الألفاظ في مناحي صياغة المقال .
ويخلص د. مديوني في مقدمة تحقيقه لأسلوب مقال نجيب حبيقة إلي أن الباب الأول من مقال نجيب حبيقة متعلق بـ " نأليف الرواية التمثيلية" حيث خاض حبيقة " في إنشائية الكتابة المسرحية وأسسها وقضاياها ، وأوفي الكلام في ذلك منظلقا من مقدمات علل بها ما أقدم عليه ورسم من خلالها المراحل التي يمكن أن تتحقق بفضلها غاياته . وأرجأ إنجاز الباب الثاني المتعلق بـ " إدارة التمثيل" إل وقت آت . وعلل هذا الإرجاء بظروف عملية ومشقة مهامه فيه
مقام ريادة نجيب حبيقة
في المسرح العربي
ينتهي تحقيق د. محمد المديوني المنهجي والتاريخي لنص مقال ( فن التمثيل) إلي إثبات ريادته في تاريخ نشأة الكتابة التنظيرية حول أصول التأليف المسرحي العربي في العصر الحديث ، وهو مناط الخلقة المؤودة في المرجعيات الأكادينية التأسيسية لتاريخ نشأة الظاهرة المسرحية العربية في العصر الحديث التي وأدها عن قصد كل من د. محمد يوسف نجم ، يعقوب لانداور ومن تبعهما من الباحثين الذين تعرضوا لتاريخ النشأة إيجابا أو سلبا . وفي ذلك يقول المديوني : " بعد أن وقفت في هذا البحث علي قيمة مقال نجيب حبيقة أبرزت مظاهر خروجه عن السائد في الخطاب المسرحي العربي إلى عهده وبعد أن بينت تفرده في التعامل الواعي مع منجزات المسرح في البلدان الأوروبية وبعد أن وقفت علي سمات المشروع الجمالي الكامن وراء هذا المقال أشرت إلي غياب هذا المقال وما ورد فيه عن المدونة النصية التي عليها عّول المؤرخون للمسرح العربي عند معالجة نشأته وتطوره رغم أهمية هذا النص البالغة . وهذه المفارقة دفعتني إلي التساؤل عن سر هذا الذهول وتمكنت من تحديد أهم الأسباب المباشرة وغير المباشرة لهذا الجهل والتجاهل ؛ وبينت أن أهم هذه الأسباب كانت في الدور السلبي الذي لعبته دراسات أنجزها بعض ممن سلم لهم بالسبق في التأريخ للمسرحي العربي نشأة ؛ فأحيطت أعمالهم بـ " هالة أكاديمية" طمأنت اللاحقين من المؤرخين والباحثين إلي كل النتائج التي وصب إليها عؤلاء وشغلتهم عن المعالجة النقدية لتلك الدراسات ، فضلا عن النظر في منطلقاتها ولا سيما منها المراجع التي أحالوا عليها والمصادر التي اعتمدوها "
هكذا يقف المديوني في تحقيقه لمقال حبيقة علي مدي الخسارة التي منيت بتا البحوث التاريخية للمسرح العربي ، نتيجة الجهل بوجود الكثير من آثار محتوى مقال ( فن التمثيل) في بحوثهم وفي إبداعات الكتابة المسرحية دون أن يدركوا 3إن نجيب حبيقة قد كان السباق في الوصول إليها وعرضها أساسا للكتابة في النقد وفي أصول التأليف .
ومع احتشاد هوامش بحث التحقيق في مقال حبيقة بشروحات ضافية لبعض مفاهيمه وعباراته وإحالات دارسي مقال (فن التمثيل)، يطرح المديوني عددا من التساؤلات المنهجية :
* هل يعني هذا التجاهل غيابا بالضرورة لأثر هذا النص وما ورد فيه في مسير الحركة المسرحية العربية وفي خطاب معاصري نجيب حبيقة واللاحقين به غيابا تاما ؟
أم أن هؤلاء المؤرخين قد غفلوا علي بعد من الأبعاد الأساسية التي عرفتها مسيرات استنبات هذا الفن في الثقافة العربية فغابت عنهم الأسئلة الجوهرية التي كان من الضروري أن يطرحوها وأن يبحثوا لها عن الأجوبة المقنعة ، ولا سيما منها التي تعلقت بالنقلة النوعية التي عرفها المسرح العربي في مجالات التأليف والنقد .
يري المديوني في نهاية مدخله لتحقيق نص المقال أن " نصا مثل نص تجيب حبيقة هذا ، لا يمكن أن يكون نشأ عن فراغ ولا يمكن أن لا يترك أثرا ما في متلقيه ، وخاصة منهم المعنيون بالمسرح إبداعا ونقدا . لكن إثبات حصر هذا الأثر إثباتا قاطعا أمر غير يسير ، فمن الصعب علي المرء تتبع صدي النصوص في محيطها تتبعا دقيقا يسمح بقياس أثرها في المنجزات النقدية والإبداعية ، فذلك يتطلب جهدا كبيرا في رصد الأعمال المسرحية التي أنجزت بعد صدور هذا المقال رصدا دقيقا ويتطلب ذلك النظر في مسيرات أعمال المؤلفين والنقاد ومقارنة ما أنجزوه قبل صدور هذا المقال بما كتبوه بعده ، وهو عمل ضخم مطروح علي الباحثين "



وذلك ما كتبه في نهاية مقاله "هذا ما مكنتني الفرصة بين أشغال وشواغل وعناء متواصل من وضعه في أصول الرواية بوجه العموم "

الهوامش
نجيب حبيقه ، " فن التمثيل " ( مجلة املشرق ) نشر علي حلقات في ستة أعداد ، عام 1899
2- د. طه الحاجري، " تحقيق التراث تاريخا ومنهجا" ( عالم المعرفة ، مج: الثامن ، ع: الأول ، أبريل، مايو، يونييو 1977ص52
3-د. محمد يوسف نجم ، المسرحية في تاريخ الأدب العربي ، 1847-1914 ، دار الثقافة ط3 بيروت 1980 ، ص 54
4- يعقوب لانداو،المسرح في الشرق الأوسط ، دائرة المعارف الإسلامية – اللسان الفرنسي - ج 4
5-د. محمد طه الحاجري ، " تحقيق التراث منهجا وتاريخا" (عالم المعرفة) مج الثامن ع الأول(أبريل – مايو-يونيو1977 ص17
6-يعقوب لانداو،المسرح في الشرق الأوسط ، دائرة المعارف الإسلامية – اللسان الفرنسي - ج 4
7- المديوني ، نفسه ، ص 7
9- محمد يوسف نجم ، المسرحية في الأدب العربي الحديث ،1847-1914 ، دار الثقافة ( ط3) بيروت 1980
10- يعقوب لانداو ، دائرة المعارف الإسلامية " المسرح" في الشرق الأوسط ت اللسان الفرنسي – ج4،ع1، ص 739
11- يعقوب لانداو ٌ، مقال " المسرح" ( دائرة المعارف الإسلامية) – اللسان الفرنسي ، ج4، ع أول ص ص 735- 739 مقارنة بموقع الإحالة علي مقال حبيقة ، نهاية الحلقة السادسة ف. بنية التمثيل .
12- د. محمد المديوني ، الحياة الثقافية ع 229، مارس 2012 ص 737-5
13- نجيب حبيقة ، "فن التمثيل" مجلة (المشرق) ، نشر علي ست حلقات السنة الثانية 1899
14- فيليب دي طرازي ، تاريخ الصحافة العربية ، ج2 ط. الأدبية ، بيروت 1913 ، ص ص 176-177
15- د. محمد المديوني / حلقة مؤودة ، نفسه ، ص 43
16- لويس شيخو ، الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين ، من السمة 1900-1908 ، الأدباء النصاري ، كطبعة الآباء اليسوعيين ، بيروت 1926، ص 26
17- د. المديوني ، حلقة مؤودة في تاريخ المسرح العربي ، هامش ص 38
18- د. المديوني ، نفسه ، والصفحة ذاتها .
19- إدوار حنين ، "شوقي علي المسرح " ( مجلة المشرق) نشرت علي أربع حلقات ، أفريل 1934ص ص 580-563
20- المديوني ، نفسه ، ص 39
21- المديوني ، نفسه ، 40
22- نفسه ، ص 40
23- المديوني ، نفسه ، 40-41
24- عطية أبو النجا، بحث في مصطلحات المسرح وفي ترجماتها إلي العربية العصرية، أطروحة دكتوراه ، جامعة باريس 1955
25- المديوني ، حلقة مؤودة ، 2016، ص 52
26- نبيل أبو مراد ، المسرح اللبناني في القرن العشرين ، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه
27- المديوني ، نفسه ص 53
28- نجيب حبيقة / تنبيهات ، قبل الأخيرة.
29- سعد الدين بن شنب ، " المسرح العربي في مدية الجزائر " ( مجلة ناطقة بلسان الجمعية التاريخية الجزائرية 1935 ، صدر المقال باللسان الفرنسي ف] ( المجلة الفريقية ) وتمت الإشارة إلي مقال حبيقة في الهامش الثاني من صفحة المقال الأول.
المقصود الشكل
30-يقصد فن الرواية المسرحية باءها الفني
31- يقصد الخطاب الدرامي للنص
32- يقصد الوشوشة المسرحية ، الجانبية
33- يقصد جماليات البناء الدرامي افي شعرية النثر وشعرية النظم .
34- المديوني ، نفسه ، ص 62
35يقصد الإخراج باعتباره الرؤية التي تتجسد بوساطة فنو العرض والتمثيل علي رأس عملية الإنتاج
36- المديوني ، نفسه ، ص ص 92-93
37- نجيب حبيقة ، ( فن التمثيل) نفسه .