كلامٌ هادئ في شأن تونس والأزهر

فاطمة ناعوت
2018 / 12 / 3



سؤالٌ شديدُ الجدّية والبراءة، أوجّهه إلى مشايخ مصر الذين هاجوا على دولة تونس الشقيقة: “هل لديكم في بيوتكم ملكاتُ يمين تطأونهن في العلن إلى جوار زوجاتكم، دون أن تخافوا في الحقّ لومةَ لائم، بما أنكم تنفّذون أمرًا قرآنيًّا صريحًا وإجازةً إلهية وردت في الآية 24 من سورة النساء، وغيرها في عديد الآيات؟ “ أغلبُ الظنّ أن الإجابة بالنفي. لأن جميع القوانين الدولية قد جرّمت الرقَّ وتسليع البشر وأصبح الاسترقاقُ من الفولكلور القديم الذي نحكيه لأطفالنا في حواديت قبل النوم. فهل الآيةُ القرآنية خاطئةٌ، حاشا لله؟! لا. ولكن حكم إجازة استنكاح الأمَةِ وملكةِ اليمين توقّفَ لأن (عِلَّتَه) اختفت من الوجود بتجريم الاتجّار في البشر؛ كما تنصُّ الدساتيرُ في كل دول العالم. "الحُكم يتبعُ عِلَّتَه.” كذلك قطع يد السارق. ماذا كانت عِلَّته كأمر كتابي وقت الرسالة المحمدية؟ لأن وقتها لم يكن هناك سجونٌ لحبس وتوقيف الخارجين عن القانون. فكان الحلَّ قطعُ اليد التي سرقت لضمان عدم تكرار الجريمة. أما الآن وقد أُنشأتِ السجون؛ بات عزلُ المجرمين عن المجتمع يسيرًا؛ فتوقف العملُ ، في معظم الدول الإسلامية، بذلك الحكم القرآني لغياب عِلَّته. كذلك في قديم الزمان كان البيعُ والشراءُ يتمُّ بكلمة الشرف؛ في مجتمعات لا تعرف القراءة والكتابة. الآن، لو لم يكن لديك عقدُ بيع أو شراء فلا حقّ لك عند الدولة. كذلك كان الزواجُ يتم بكلمة: “وهبتكَ نفسي" على لسان المرأة في وجود شاهدين أو أكثر. وما حدث بكلمة منطوقة يجوز أن ينتهي بكلمة منطوقة، وتلك علّة الطلاق الشفهي. أما اليوم فالزواجُ لا يقعُ إلا بعقد مكتوب، وبالتالي لابد أن يكون الطلاقُ بعقد مكتوب. واليومَ، شهادةُ المرأة في المحاكم مساويةٌ لشهادة الرجل، رغم أنها نصفُ شهادة الرجل في القرآن الكريم! لماذا؟ لأن الدساتير المدنية اليوم تساوي بين جميع المواطنين دون النظر إلى جنسهم أو لونهم أو عقيدتهم. هكذا الأمور دائمًا تتبدّل وتتغير وفق اللحظة الزمانية وظروفها؛ وهذا لا يغضبُ اللهَ تعالى لأنه جلّ وعلا لا يريد بنا إلا خيرًا؛ وفق شروط اللحظة الحالّة. جميع الكتب المقدسة نزلت لتنظيم حياة الإنسان في كل عصر، وفق آليات ذلك العصر. وجميع الأحكام السماوية نزلت لأسبابٍ وعلل، تخصُّ الحقبة التي نزلت فيها تلك الأحكام، ويجوز النظرُ فيها إن تبدّلتِ العللُ واختلفتِ الأسباب. فإن اختفى سببٌ أو انقرضت علة ما، بسبب تطور الحياة أو ظهور مستحدثات مجتمعية جديدة، يجوز كلَّ الإجازة أن نُعمل عقولَنا من أجل "صالح البشر"، الذي هو الهدفُ الأصلي والمقصد الربوبي من الأحكام. اليومَ، لم تعدِ البنتُ عالةً على شقيقها أو زوجها، خصوصًا في المجتمع المصري الذي معظم نسائه من المعيلات اللواتي يصرفن على أزواجهن وأبنائهن وأنفسهن، بل وأمهاتهن وآبائهن في كثير من الأحيان. وهذا ما أجاز للدولة التونسية أن تعيد النظرَ في أمر المواريث دون معصية الله تعالى، الذي لا يريد بعباده إلا خيرًا. وهذا ما دعا الرسولَ الكريم (ص) أن يقول: “أنتم أعلمُ بشؤون دنياكم.” في قصة "تأبير النخيل" الشهيرة. والمالُ بالقطع شأنٌ دنيويٌّ متغير وغير ثابت، يتغير وفق شروط كل مجتمع وظروف كل عصر.
كل ما سبق كان أولا. وأما ثانيًا: فهو حقيقة دامغة تقول إن تونس دولةٌ حرّة مستقلة ذاتُ سيادة، تملك زمامَ أمرها؛ وليس لدولة أخرى وصايةٌ عليها، ناهيك عن أن يكون الوصيَّ مؤسسةٌ دعويةٌ لا يجوز لها أن تحكم، لا في بلدها مصرَ، ولا في غيرها! لهذا قال مفتي تونس: “إن أهلَ تونسَ أدرى بشعابها"، استلهامًا من مقولة: “أهلُ مكّةَ أدرى بشعابها.”
وأما ثالثًا فلستُ في الحقيقة أدري متى يعودُ الأزهرُ الشريف إلى دوره الدعويّ الرفيع الذي أُنشئ من أجله، حين كان في بداياته منارة روحية تنشر القيم الأخلاقية والإنسانية الرفيعة فتدعو الناسَ للإسلام بالقول الحسن والفعل الحسن والقدوة الحسنة؟
وأما رابعًا: فلستُ أدري هل مصرُ دولةٌ مدنية يحكمها الدستورُ الذي استفتينا فيه، أم يحكمنا رجالاتُ الأزهر بأهوائهم المختلفة وتأويلاتهم المتباينة التي تخضعُ لعوامل كثيرة منها: سعةُ الأفق أو ضيقه، حدّةُ الذهن أو قصوره، الرحمةُ أو القسوة، وكذلك تخضعُ للتجارب الشخصية الذاتية؟!
وخامسًا: هل أقول إن رجال الأزهر الراهنين منفصلون تمامًا عن الواقع المزري التي تعيشه المرأةُ المصرية اليوم في نجوع مصر النائية التي لا يسمع صراخَها سامعٌ؟
هناك قرى كاملة بها أعرافٌ حاسمة لا تُورَّث المرأةُ بموجبها شيئًا من ميراث أبويها، فهل سمعتم أن أحدًا من رجالات الأزهر أو السلفيين قد تدخل لمنع هذا الغبن المناقض لشرع الله، والمناوئ لنص صريح من القرآن الكريم؟ كلا والله لم يحدث. مبروك تونس رحمتها بالمرأة والعقبى لنا.
***