هل مازال الدانوب أزرقاً في ليالي فيينّا

محمود الصباغ
2018 / 12 / 1

يموت البعض من أجل الطاغية ودفاعاً عنه ،بل يرقصون على أجساد من يرونهم أعداء له و لهم .مثل هذا الإعجاب بالطاغية ليس حكراً على فئة بعينها .فقد قيل لنا أنه بعد فترة قليلة من وصول روزفلت لرئاسة الولايات المتحدة (1932) ، قال لأحد أصدقائه “إنني أتابع بإعجاب ذلك السيد الإيطالي" (يقصد موسوليني). وبعد خمس سنين سأله السفير الأميركي في روما إن كان لديه اعتراض على الديكتاتوريين، فقال"لا...أبداً، لا اعتراض لدي طالما لا يخرجون من حدود بلدانهم"...و لكن من يضمن ؟؟ لقدأخطأ روزفلت ..لقد كان السيد روزفلت مخطئا للغاية , وأي خطأ , جلب للإنسانية كارثة حرب التهمت أزيد من خمسين مليونا من البشر.
لا تخلق الديكتاتورية من الفراغ , و لايفقس الطاغية هكذا بالإخصاب الذاتي .. تنمو مثل هذه النماذج وتعيش بيننا و معنا , نكبر و ندخل المدارس معا , نرتاد السينما و المسارح معا ,و ربما نتسابق للفوز بالجميلات معا أيضا. لكن في لحظة ما فارقة , لا يستطيع أحد التكهن بها يحدث الافتراق .ورغم وجود معالم استرشادية , إلا أن الطاغية ينمو مثل أي كائن "طبيعي" دون عوائق .تسمح له الطبيعة بالنمو ..تسمح له , بل و ترحب بشذوذه باعتباره استثناء يعبر عن صحة القاعدة , قادني إلى مثل هذا الشطط سماعي خبر تشكيل حكومة نمساوية يمينية في سياق تحالف غير مستهجن في النمسا بالذات بين أطراف أكثر ما يجمعها انتهازية بغيضة مشوبة ببراغماتية تحاول مد طوق الرعب من "اللاجئين " إلى كل بيت .حكومة جديدة بزعامة الشاب سيبستيان كورتز البالغ من العمر 31 عاما (ذات العمر الذي استلم فيه أدولف هتلر" زعامة الحزب القومي الاشتراكي "النازي" )... هل ستحرق أوروبا مراكبها و تقف ظهرها للجدار .. تحرق؟ .نعم لم لا؟ هل مازلنا نذكر ما كتبه هاينريش هاين في مسرحيته الشهيرة ألانسور،"حيث يحرقون الكتب، سوف يقومون فى النهاية بحرق الناس أيضاً"..في العاشر من أيار 1933 وبعد فترة وجيزة من استلام هتلر للسلطة شهدت برلين واحدا من أكثر المشاهد درامية خلال الحقبة النازية حين قام أكثر من 70 ألف بحرق نحو 20 ألف كتاب ضمن احتفال كبير تضمن الموسيقى الحية والغناء في ساحة أوبرا الدولة احتفاء بما اصطلح على تسميته حينها " التطهير بالنار Säuberung " للقضاء على "الأفكار و الروح غير الألمانية" . شهد كاتب قصص الأطفال الألماني الشهير إريك كستنر شخصيا عملية حرق الكتب في برلين. وسجل ذكرياته عن ذلك اليوم بقوله "كنت أقف أمام الجامعة بين طلبة يرتدون الزي الموحد للوحدات التابعة للحزب النازي وهم يرفعون الأعلام ورأيت النيران وهي تلتهم كتبنا". استولت جموع الطلاب على كميات هائلة من الكتب بعد نهب أغلب المكتبات الحكومية ‏والأهلية شملت مؤلفات 94 كاتبا ألمانيا و غير ألماني ، مثل كارل ماركس، ، ألفريد كير وبرتولد بريخت,إريك كوستنر، هينريش مان، وإريك ماريا ريماركيه، وسيغموند فرويد، وكلاوس مان،و والتر بينجامين وإرنست بلوخ وماكس برود وألبرت أينشتاين وفريدريك إنجلز وكافكا،وجورج لوكاش، وروزا لوكسمبورغ،وفيكتور هوجو وأندريه جيد وهنري باربوس ،وهمنغواي وجاك لندن وهيلين كيلروجوزيف كونراد وألدوس هكسلي وجيمس جويس ودوستويفسكي وغوركي ولينين وتولستوي و ماياكوفسكي و غيرهم
هل لنا أن نتخيل أقران سيبستيان كورتز الذين صدعتهم التدابير القضائية قبل صيف ؟أحدهم فاغرا فاه كأنه يقول ,معقول يطلع معه كل هذا ؟ هل هذا معقول؟ أكاد لا أصدق , ربما أحد اللاجئين من في سنه سينظر إلى صورته في الصفحة الأولى في الجريدة و يفكر" أيها الآخر , هل لي أن أهمس لك من عوالمي ؟ ماذا أنت فاعل؟ كيف ستحل معضلة هذا الترهل الوجودي المتشابك ؟..هل بمقدورك أن تكون حرا بحيث لا تقلق من وجود الآخر , مهما يكن هذا الآخر , سلطة أم مجرد شخص عادي؟ " ...هل؟
ربما حان الوقت للاستماع إلى صوت هولغر منسرالذي لحن نصا لإريك كوستنر وغناه في العام 1976
هل تعرف الأرض التي تزهر المدافع فيها؟
عليك ان تتعرف عليها. ‏‎- ‎هل أنت لا تعرفها؟‎ ‎
هناك" في تلك الارض يقف الوكلاء النواب في المكاتب بفخر ووقاحة ‏‎ ‎
كما لو كانت ثكناتهم. ‏‎ ‎
في تلك الارض, تنمو تحت ربطة العنق ازرار عريف.‏
و خوذات غير مرئية, يرتديها المرء هناك .‏‎ ‎
للمرء هناك وجوه ولكن ليس رؤوس..‏
ومن يذهب الى الفراش لابد ان يتناسل .‏
في تلك الارض عندما يريد الرئيس شيئا ما ‏
‏- وانها وظيفته ان يريد شيئا-‏
يقف العقل متصلبا اولا وصامتا ثانيا‎ ‎
والعيون تمنحه الحق . ‏‎.‎
يولد الاطفال في تلك الارض باشواك صغير. ‏
وبرؤوس مدببة ‏
هناك لا يولد الانسان مدنيا. ‏
في تلك الارض يكافأ من يغلق فمه . ‏
هل تعرف البلاد التي ممكن ان تفيض فيها السعادة؟؟ ‏
يمكن ان تكون سعيدة وتنتج الفرح!!‏‎ ‎
في تلك الارض الحقول والفحم والصلب والحجر, ‏
هناك الاجتهاد والطاقة واشياء جميلة اخرى, ‏
حتى الروح واللطف والوداعة توجد هناك ,‏
‏ والبطولة الحقيقة بين الحين والاخر ايضا, ‏
‏ ولكن ليس عند الكل
هناك يكمن طفل في كل ثاني رجل , يريد ان يلعب لعبة رصاص الجنود‎ ‎
في تلك الارض لا تهرم الحرية , بل تبقى خضراء. ‏‎ ‎
كل ما يبنيه المرء سيكون ثكنة . ‏
هل تعرف الأرض التي تزهر المدافع فيها؟؟
عليك ان تتعرف عليها .‏‎- ‎هل أنت لا تعرفها؟