من أحقاد الفلسفة المقدسة (شوبنهاور نموذجًا)

مختار سعد شحاته
2018 / 12 / 1

كان أسوأ ما اكتشفه الإنسان على هذه الأرض –بعد قتل أخيه الإنسان- أن يستعمر البلاد والعباد، وأن يرتب الخلائق بناء على ذهنية يتفاضل خلالها الناس بعضهم فوق بعض درجة في الحضارة والتمدن، فيبرر لنفسه جريمة النهب والسلب تحت زعم التنوير أو الأخذ بيد الشعوب، وهو ما صاحبه فعل الانبهار كحدث جديد يكتشفه ذلك المستعمر دون أن تزول أمامه عظمته المتخيلة ومدنيته المتوهمة التي داس بها الأرض في قسوة حين بدأ عصر الاستعمار. وتزخر كتابات تلك الفترة بهؤلاء من التنويرين –وقتها- أو دعاة الفكر والفلسفة، من دون أن تطرف لكثير منه عين واحدة أو يضعون "حصوة ملح" في عين بلادهم التي استعمرت الشعوب، وفي ظني أن السبب وراء تلك الغفلة، هو الانبهار بذلك العالم المتداعي –في ظنهم- والذي راح المستعمر يكتشفه دون أن يتعرف إليه حقيقة على رغم كل ما كُتب في تلك الفترة من كتابات حول تلك الشعوب.
ويبدو أن الشعوب التي زال الانبهار بها سريعًا هي الشعوب العربية، إذ كانت من أعتى الشعوب التي قاومت المستعمر، مدفوعة في كثير من أزمنة مقاومتها بدوافع دينية بالأساس روجت لمفهوم الجهاد، وهو فهم ومفهوم تم التلاعب به على مدار تاريخ تلك المنطقة الموبوءة بالصراعات، ويشهد تاريخ من الاستغلال الديني وتوظيف العقيدة على ذلك منذ القدم وحتى لحظتنا الراهنة، بل وأظنه سيستمر حتى يرث الله الأرض أو تفنى تلك الشرذمة بفعل نيزكي، وإن كان ذلك ما جعل انبهار الغرب المستعمر بطبيعة البلاد العربية يزول سريعًا، وينعكس ذلك الزوال على ثقافة الشعوب الاستعمارية في غالبها، بل في ظني ظلَّ دفين اللاوعي الجمعي لهؤلاء الذين أعطوا أنفسهم حق تعليم العالم "الثالث" الحضارة والتمدن، وهو ما لم ينجُ منه في لاوعيه حتى أقانيم الثقافة الغربية، ومنهم -في ظني- الألماني الشهير، الفيلسوف "شوبنهاور"، الذي أعلن ذلك صراحة وعرَّض به مرات، فتغافل عامدًا عن كل ما قدمه الجنس العربي في مجال الفلسفة، حتى وإن كان بالقرائن المجردة يمكن أن يقع هو نفسه تحت طائلة "أن يُدين" ببعض تلك الفلسفة التي قدمها إلى هؤلاء الفلاسفة من أصول عربية، وصلته ترجماتهم وكتبه بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر في كتابات من تأثر بهم.
لماذا شوبنهاور؟
أعرف أن طبيعتي كباحث ربما لا تتيح لي الفرصة كاملة لطرح أسئلتي التي تتصادم مع واحد من أقانيم الأكاديمية وهو الفيلسوف الألماني "شوبنهاور" صاحب كتاب الإرادة والتمثيلات، وذلك لما يلقاه الرجل من رواج بين الأكاديمين هنا –في البرازيل- وهو ما يعيدني قسرًا إلى عالمنا العربي، حيث عبادة الآلهة المُصنعة في كل مجالات البحث والحياة الأدبية والفنية والسياسية، ويجعلني أسأل سؤالي الأول، لماذا يلجأ العالم إلى تلك الأقانيم؟ لماذا تظل عالقة بأذهانهم، ولا يريدون مجرد الاقتراب منها أو حتى محاورتها أو طرح الأسئلة حولها؟ وهو أمر عجيب بالنسبة لي حين يتصدر لواء ذلك التبجيل والتقديس أكاديميون وفنانون يرطرطون بمفردة الانفتاح والتنوير وقبول المغاير، لكنهم أبدًا لا يسمحون لك بالنظر إلى مقدسهم هذا، ربما أتفهم ذلك من هؤلاء الذين تربوا وتعلموا في مجتمعات شمولية أبوية أو هؤلاء الذين لم يتحللوا من سطوة الدين بكل صوره، لكن ما يثير العجب أن يأتي ذلك من هؤلاء الذين يشنفون آذاننا بأنهم لا يدينون بالقدسية لأي شيء أو أي شخص، باستثناء نماذجهم وأقانيهم التي يعبدونها سرًا.
أظن أن القاريء لا يحتاج إلى تقديم تعريف مفصل عن الرجل ولا عن كتاباته، لكن لا ضير إن أشرنا إلى نتف مما يُثار حوله، باعتباره ذلك الألماني المتشائم في المحيط الألماني له، والذي صرح في أكثر من مناسبة أنه يشعر بوجوده وكينونته داخل المجتمع الفرنسي والإنجليزي، وهما مجتمعان –في وقته- نعرف عن تاريخهما الكثير والكثير باعتبارهما "قطب مؤسس" في نشر فكرة الاستعمار الحديث في العالم كله، كما لن يُخفى على المتتبع لحياته غرابة مواقفه والتي من أشهرها موقفه من معلمه –إن جاز الوصف- جوته، والذي كان صديقًا لأمه التي تربطه بها علاقة معقدة للغاية، جعلتها ترفض كتاباته، حتى قيل أنه أقسم لها أن كتاباته سوف تغزو العالم في يوم ما، وقد كان للرجل تلك النبوءة، بعد كثير من الجهد والتسويق الذي قام به على مدار ثلاثين عامًا يسوق لنفسه ولما يكتبه من أفكار ومقالات وفلسفة، إلى درجة الإيمان الخالص بنفسه كفيلسوف من طراز خاص، فصرح مرة بأن بعض الفقرات مما كتب كان يمليها عليه مباشرة الروح القدس، وربما ذلك دفع "برتراند راسل" في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية، أن يصفه بأنه واحد من أغرب فلاسفة عصره، بل والعصر الحديث كله.
دعوة إلى قراءة جديدة لشوبنهاور:
أعود إلى فكرة الانبهار التي قدمت بها المقال، وأدعو الباحثين معي إلى إعادة التأمل في حياة شوبنهاور وفلسفته، وكتاباته خاصة حول مفهوم الإرادة التي جعلت الإرادة هي الشيء ذاته، وهي فكرة التقطها الرجل من ثقافات متعددة ما بين أقصى الشرق وكتابات إنجيلية في العقيدة المسيحية، وهي في ظني اقتربت كثيرًا من أفكار المتصوفة المسلمين بشكل خاص، وفكرة التصوف بشكل عام، وهو أثر واضح الدلالة إذا أمعنا في قراءة شوبنهاور بشكل عام، دون أن نقع في أسر وصفه بالفيلسوف المتشائم، إذ سنعرف أنه بالفعل ربما متشائمًا لكنه تشاؤم ميتافيزيقي يُشبه ما قدمته الأديان بشكل عام والتصوف بشكل خاص، لكنه سيكشف لنا أن هذا التشاؤم بالفعل هو المفتاح نحو فهم أرصن وراحة بال تامة، فيصبح هذا التشاؤم الميتافيزيقي شفرة التفاؤل في حقيقته.
أكد شوبنهاور على ضرورة التأمل وممارسته كفعل باطني للوصول إلى حقائق الأشياء ومنها حقيقة الإنسان، وهو ما سيمكن الإنسان من التفريق بين مفهومين مختلفين هما مفهومي الاختيار والإرادة، أو بتعبير آخر مفهومي "الجبر والاختيار". والحقيقة أن كلامه في تلك القضية يتشابه إلى حد كبير مع الفلسفة الإسلامية وكتابات عمدة التصوف الإسلامي، حول قضية الجبر والاختيار، وهذا ظني وحدي الذي قادني إلى تلك الملاحظة التي وبعدها قفز سؤال عجيب إلى ذهني، لكن قبل أن أطرحه بشكل مباشر، سأحاول تتبع كيف تكون السؤال في ذهني، ولأبدأ بالقول، لمَّا بدا للمتأمل لحياة شوبنهاور أنها حياة غير مستقرة نفسيًا خاصة فيما يتعلق بالجانب العاطفي بينه وبين يوحنا تروزينر والدته وكذلك أخته؟! ألم يتعلق الرجل بأفكار بعيدة جاءت من الهند وغيرها من الأفكار كأفكار المايا والفيلسوف المتصوف بوهمة؟ ضع ذلك على جانب لنعود إليه ثم نسأل؟ هل أدرك شوبنهاور بأن الإنسان منذ وجوده وهو يراكم المعارف جيلاً وراء جيل، حتى تصل أقصى المعرفة إلى الإنسان محسوبة بقدر معارف زمانه، أي أن كل هؤلاء الذين تأثر بهم وبفلسفاتهم لم يكونوا زرعًا شيطانيًا ظهر فجأة، إنما هناك تكوين بعيد هو المعارف والعلوم الإنسانية على مدار تاريخ الإنسانية؟ ثم ألم يكن من ضمن هؤلاء الإنسانية مدرسة الفلسفة الإسلامية "المعتزلة" بما قدمته من أفكار حول قضية الجبر والاختيار، ثم من بعدها ابن رشد الذي تدرس كتاباته إلى الآن في جامعات أوربا؟ هل يمكن أن نقول بأن المعرفة التي كونت ذهن شوبنهاور لها اتصال بكتابات المعتزلة وبكتابات ابن رشد حول الجبر والاختيار حين كان يقوم بتعريف مفهوم الإرادة، وهذا التشاؤم الميتافيزيقي الديني بالأساس؟
يبقى الآن أن نسأل؟ لماذا كان يتعمد شوبنهاور أن يتناسى الفلسفة الإسلامية؟ وهو في ظني كباحث يطرح سؤلاً بحثيًا حول أسباب ذلك، ربما يعود إلى نشأة الرجل المسيحية الكولونيالية التي رأت في كل ما هو إسلامي عدوًا لها؟ هل يمكن البحث حول ذلك في ضوء نشأته الاجتماعية؟
هل يمكننا أن نبحث الآن في أسباب ذلك التهميش المتعمد، بل والذي يصل إلى حد ما اعتبره بعض الملاحظين بالدراسة لحياته بأنه عن سابق عمد وترصد دون أن يُعرف لذلك سببًا، وكيف يمكن أن نعتمد على كتابات الآخرين حول الفترة الزمنية التي تكونت فيها شخصية شوبنهاور وذهنيته وفلسفته بشكل عام؟ هل يمكننا أن نقدم تفسيرًا منطقيًا لهذا التجاهل؟ الحقيقة أنني لا أنكر أنني مدفوع هنا في بعض داخلي باعتباري المسلم العربي الذي يؤمن بأن للعرب المسلمين يدًا بل أياد بيضاء في هذه المعرفة العالمية الإنسانية لعب في تكوينها وتراكمها العرب المسلمون دورًا هامًا قبل أن يتخلوا عن ذلك الدور أو قبل أن يناموا نومهم الآني العميق. وهل يمكن أن يخرج علينا أحد الباحثين بإجابات عن ذلك "العداء" للجنس العربي والمسلمين الذي لم يصرح به إنما يُفهم من هذا الإهمال المتعمد لواحدة من أهم مدارس الفلسفة في تاريخ الإنسانية وهي الفلسفة الإسلامية؟ هل يمكن؟ ربما.
مختار سعد شحاته
جامعة UNEB/ سالفادور؛ باهيا
البرازيل في نوفمبر 2018م.