زهرةٌ بين منال ميخائيل و… بسملة

فاطمة ناعوت
2018 / 11 / 30



صبيةٌ مصريةٌ سمراءُ مليحةٌ. وجهُها الجميلُ منحوتٌ بإزميل مهندس الوجود الأعظم. صاغَ اللهُ جمالَها الفريدَ لتكون موديلا فاتنًا يستلهمُه الرسّامون والنحّاتون ليقدّموا للخلود قطعًا من الفنِّ العابر للزمان والمكان. الصبيّةُ الجميلة اسمُها: “بسملة علي عبد الحميد". تلميذةٌ متفوقة بالصف الثاني الإعدادي بمدرسة "الشهيد محمد جمال صابر" محافظة دمياط.
سيدةٌ مصريةٌ جميلةٌ ومثقفة على درجة محافظ. عقلُها الرفيعُ منحوتٌ بإزميل أجدادها المصريين عظماءِ الحضارة وبُناة المجد. اختارتها القيادةُ السياسية الواعية لتكون نموذجًا محترمًا راقيًا وفريدًا؛ يستلهمه المحافظون والوزراءُ وصناعُ القرار في أرجاء مصر، ليقدّموا لمصر مِشعلَ تحضُّرِها الغاربَ؛ الذي نرجوه ونحلم بعودته منذ عقود طوال، لنرفع رؤوسنا من جديد بين مصافّ دول العالم المتحضر. السيدةُ الجميلة اسمُها "منال ميخائيل عوض"، محافظ دمياط.
باقةُ زهور زاهيةٌ مشرقة، قدّمتها يدُ السيدة الجميلة، إلى يد الصبية الجميلة، في واقعة سوف يدوّنها التاريخُ في مدونات الشرف الخالدة. تلك زهورٌ تحملُ من الكلام والمعنى ما لم تكتبه القصائدُ والأغاني. تقولُ الزهرةُ: "يدٌ طيبةٌ زرعتني، ويدٌ طيبةٌ قدّمتني ليدٍ صغيرة طيبة؛ لتعطي للعالم درسًا جميلا وصعبًا.
وأما الدرسُ الصعبُ فهو موجّهٌ إلى مُعلّم تربويّ، ولكنه للأسف فقيرُ الإدراك، فقيرُ الروح، لم يتعلّم ألف باء التربية والتعليم والقيم الإنسانية الرفيعة؛ التي تعلو بمجتمع إنِ انتعشتْ، وتهبط به إنْ غابتْ.
الحكايةُ أشهرُ من أن أُعيد سردها هنا، لكنها باختصار أن ذاك المعلم، جعل تلاميذ الفصل يسخرون من لون بشرة الفتاة السمراء المتفوقة والجميلة. لكن التلاميذ ذوي الوعي المُبكّر استنكروا سلوكَ المعلم، حينما شاهدوا دموعَ "بسملة" تنهمر دون توقّف، وامتنعت عن الذهاب إلى المدرسة أيامًا طوالا.
نشر الحكايةَ شابٌّ نوبيٌّ مثقفٌ، حمدي سليمان، على السوشيال ميديا. فانزعج المجتمعُ المصريُّ المتحضر بكامله، وتحرّك المسؤولون بقيادة د. سيد سويلم وكيل وزارة التعليم في دمياط لردّ الاعتبار للصبية الجميلة "بسملة". ثم توّجتْ تلك التحركاتِ زيارةُ محافظ دمياط، د. منال ميخائيل، للمدرسة وتقديم باقة زهور إلى "بسملة" مُغلّفًا بعناق المحبة. وتمّ نقل ذلك المعلم إلى مكان آخر، وهو بالتأكيد عقابٌ مبدئي غيرُ كاف، ننتظر أن ينتهي بمجلس تأديب؛ ليكون جرسَ إنذار لأي معلّم آخر لا يدرك قيمة الثروة البشرية، التلاميذ، التي تقومُ مصرُ على تنشئتها لتغدو زادَ الغد وحاملي مشعل نهضتها.
ذلك المعلم فقير العلم بالتأكيد لم يقرأ دستور بلادنا الذي تنصُّ مادته رقم 53 على التالي: "المواطنون لدى القانون سواء. متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العِرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر. التمييز والحضّ على الكراهية جريمةٌ، يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء علي كافة أشكال التمييز، وينظم القانونُ إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.”
حكاية "بسملة" ذكّرتني برواية "الوصمة البشرية"، للأمريكي "فيليب روث"، التي ترجمتُها للعربية وصدرت في مصر عن "الهيئة العامة للكتاب" عام 2012، وفي بغداد عن دار "المدى" هذا العام 2018. أستاذٌ في إحدى الجامعات الأمريكية الرفيعة، يُدرّسُ الأدب البريطاني. تغيّب طالبان عن فصله طوال العام، فأطلق عليهما البروفيسور لقبَ Spooks بمعنى “أشباح”؛ باعتبار أنهما مختفيان لا يظهران أبدًا في الجامعة. ولسوء حظه كان هذان الطالبان من الُملوّنين، ولم يكن يدري. فرفعا ضده قضية عنصرية، لأن من حظّه العسر أن تلك الكلمة Spooks نعتٌ مُسيئ للملونين. ولن أحكي لكم ماذا حدث لذاك البروفيسور العظيم من ويلات وازدراء وتشريد وفصل من الجامعة انتهت بموته، مقابل كلمة بسيطة قالها دون قصد، عن طالبين لم يرهما في حياته. أرجو أن أرى اليوم الذي تُطبق فيه مادة الدستور 53 على كل طائفيٍّ وعنصريٍّ ولا إنسانيٍّ في مجتمعنا المصري العظيم.
د. منال ميخائيل، كم أنتِ عظيمة، أحبك كثيرًا. بسملة، أنت أجملُ صبيّة في الوجود، وقطعًا تعرفين ذلك، أحبُّكِ كثيرًا.

***