عمرو سعد … والصبايا الجميلات

فاطمة ناعوت
2018 / 11 / 27


"لا تُخبرني ما هي عقيدتُك، ودَعْ سلوكَك يُنبئُني عنها.” هكذا يؤمنُ الأسوياءُ ويفعلون. الإنسانُ السويُّ تتجلّى أفكارُه ومعتقداتُه وأخلاقُه في سلوكه وآدابه وطرائق تعامله مع البشر والحيوان والنبات. كلُّ إنسانٍ هو سفيرٌ جيدٌ، أو رديء، لمعتقده. لهذا، حين سُئل "دلاي لاما" زعيمُ التبت: “ما هو الدين الأفضل، من وجه نظره؟"، أجاب بما معناه: “الدينُ الذي يجعلك أرقى وأرحم وأطيب وأجمل وأنظف وأصدق وأوفر عملا وأكثر تهذّبًا وتحضُّرًا وأخلاقًا وسموًّا وبشاشةً مع الناس، هو الدين الأفضل.” ولما ضيّقوا عليه السؤالَ وطلبوا تحديد اسم تلك العقيدة؟ قال إن المعتقد الذي يجعلُ الإنسانَ كلَّ ما سبق، فعلى المرء اتّباعه دون أن يسأل عن اسمه. وجليٌّ أن الرجل الحكيم أراد أن يخبر سائليه بأن الدين وسيلة وليس غاية في ذاته. الدينُ وسيلةٌ للتحضّر والسموّ وتحسين خصال الإنسان وانتشاله من هُوّة الهمجية نحو نور الترقّي. فإن لم يفعل ذلك، فلا نفع في اعتناقه.
في أسبوع واحد جاء نموذجان راقيان من المجتمع المصري، يعطيان درسًا بليغًا يجب التوقف عنده. الفنان الموهوب المثقف "عمرو سعد"، فاز في المهرجان القومي للسينما بجائزة "أفضل ممثل" عن فيلم "مولانا" الذي كتبه الروائي والإعلامي المثقف “إبراهيم عيسى”، وأخرجه "مجدي أحمد علي”. وبالفعل، كان أداء "عمرو سعد" عظيمًا في ذلك الفيلم العظيم. كان أداؤه حقيقيًّا شأنَ المهموم بقضية ماسّة تؤرّقه، وليس وحسب شأنَ الموهوب الذي يؤدي دورًا صعبًا باحترافية بالغة. تهدّجَ الدمعُ الحقيقيُّ في صوته وهو يتساءل: "مين فينا الموجوع بجد ومين اللي جاي يعزي؟" كان إحساسُه مجروحًا ونازفًا بحقّ من ويلات التطرف والإرهاب في المجتمع المصري الراهن، وليس وحسب من سيناريو جيد وحوار بليغ يُملى عليه. كان جارحًا حارقًا لقلوبنا وهو يفضحُ زيف المشايخ الذين يُقبّلون اللحى بعدما يشحنون القلوب بالتباغض والكراهية ويحقنون العقول بالأفكار المسمومة الكؤود التي تقسم ظهرَ المجتمع إلى شطرين متناحرين يتباغضان ويقتتلان سواء بالسلاح أو بالألسن التي هي أشدّ قسوة وإيلامًا من نصال السيوف. ورغم أن تصدّيه لفيلم جسور كهذا، هو في ذاته نشاطٌ مقاومٌ للتطرّف؛ ورغم أن أداءه الجميل في ذلك الفيلم الجميل يكفيه دهرًا حاصدًا وسامَ التنوير ومكافحة التطرف والإرهاب؛ إلا أنه لم يكتفِ بهذا الشرف الرفيع. بل قرّر أن يُضيفَ إلى رصيده الغزير في مدوّنة الشرف وسامًا جديدًا، بالعمل والفعل، وليس بالكلام واللغو. بعدما فاز بالجائزة، أهداها من فوره لطفلين صغيرين كانا بالأمس هانئين في حضن أمهما، ثم صارا بين عشية وضحاها يتيمين لا يدريان ماذا يُخبئ لهما الغدُ الموحشُ تحت ظلال شجرة اليُتم اليابسة؛ التي لا تحمي من هجير ولا تقي من صقيع. الطفلان "فادي، ومينا" نجلا شهيدة مذبحة دير الأنبا صموئيل بالمنيا. عمرو سعد، كان سفيرًا راقيًا للإسلام. أما التكفيريون الذين يزرعون البغضاءَ في القلوب من أدعياء الدين الارتزاقيين فهم سُفراء الشيطان لتشويه الإسلام وإخفاض وجوهنا أمام العالم، وحسابهم عند الله.
وفي جنوب مصر كذلك ظهرت سفيراتٌ للإسلام رائعات في صورة صبايا حملن أدوات النظافة وشمّرن عن سواعدهن لينظّفن إحدى الكنائس بمحافظة المنيا. وبالطبع للكنائس مختصون يقومون بأعمال النظافة والتنسيق، وبالتالي فالكنائس ليست بحاجة إلى المساعدة في ذلك. لكنه الرمزُ الطيبُ الذي يحملُ من المعانى أرقَّها وأرقاها. تحية احترام للصبايا الجميلات، وتحيةُ احترام للكنيسة التي سمحت لهن بالقيام بذلك العمل الرمزي المبهج. والطريفُ أن قائدة فريق الفتيات الفاتن، وصاحبة الفكرة الرمزية الرقيقة، مهندسةٌ مثقفة مسلمة اسمها "هبة سعد". يبدو أن "السعد" هو القاسم المشترك اليوم بين سفراء الإسلام الذين قدموا نموذجًا طيبًا للمسلم المتحضّر؛ يُمثّل صفعةً مدوية على وجوه التكفيريين المنبطحين فوق الآرائك ينفثون سمومَهم في عقول البسطاء الغافلين، بينما يتناولون الشطائر والفاكهة والفلوذج، ويتابعون على الشاشات جداولَ الدماء تُهرق من أجساد ضحاياهم من شهداء المسيحيين الذين قتلوهم بالريموت كونترول، بعدما أوحوا لعديمي العقل بأن المسيحيين مشركون كفّار دمهم هدرٌ وقتلهم حلال.
تحية احترام لسفراء التحضر واللهم أعزّ الإسلام بالسعدين ومن سار على دربهما.


***