القاضي والبغي رواية يكتبها محامي ليقرأها متهم

نائلة الشقراوي
2018 / 11 / 27

المقدس والمدنس في رواية القاضي والبغي للمنوبي زيّود
صدر عن دار نقوش عربية رواية للروائي منوبي زيود بعنوان القاضي والبغي .رواية يكتبها محامي وكاتب حاصل على جائزة الكومار لسنة 2005.رواية تبدأ بمفارقة منذ العتبة الاولى وتبنى على تضاد قيمي هو المقدس والمدنس.إبحار في الجوانب النفسية والاجتماعية للمجتمع التونسي وما آل إليه بعد ثورة جانفي .قيل عن الرواية انها صادمة ،ولكن كثيرا ما تكون صورنا على المرايا الصادقة مفزعة ومشروخة بحيث لابد أن لا نشعر معها بالصدمة .يذكرني البطل الرئيسي للرواية ببطل نجيب محفوظ الشحاذ ،كلاهما كان في القمة وانتهى فجأة إلى القاع باحثا عن حقيقة ما لم يجدها من قبل داخله أو حوله ،فيعود إلى القاع الى البدايات التي كثيرا ما يكون الليبيدو أحد عناصرها الهامة و المكونة. الكاتب اعترف أن الأحداث الواردة ليست مجرد حكاية تتعدد شخوصها لتبني سردا ما مشوقا أو مسليا وانما هي ذات دلالات وأبعاد متصلة بالممكن والغير ممكن ،بالسائد الذي يشرعه القانون حتى وإن خالف معتقداتنا وأخلاقياتنا .والسؤال هنا ،هل يتحول المدنس الى مقدس بمجرد أن يقنن بفصل قانوني يسمح بارتكاب الفعل تحت حماية المشرع ؟! وإذا كان كذلك لمَ الاعتراض عليه .!؟
عبد الغفار ذاك القاضي الذي حمل كتاب القانون اكثر من ثلاثين سنة وحكم بمقتضى القانون لا روحه مجبرا،(الحكم على سارق دجاحتين بسنتين سجنا ) عاد في نهاية خدمته الى محاولة البحث عن جواب لذاك السؤال ،وانطلق البحث من أكثر الأماكن قذارة والتي لا يعتبر الدخول إليها جريمة مادام القانون قد نظم الدخول والخروج منه بموجب ورقة مالية يدفعها الراغب في ارتكاب الجرم ،ومادمنا قد دفعنا الثمن للبائع والبائع نفسه قدم الجزية للحاكم فكل ما يأتي بعدها يدخل تحت خانة المسموح به .إذن فالمقدس لا يبقى على حاله والمدنس يتغير مفهومه ولا وجود لثوابت أخلاقية أو شرعية .البعد الواضح للرواية نستقيه اولا من العنوان ثم من اسماء الأبطال الرئيسيين ،عبد الغفار ،وحياة ،عبد الغفار هو العبد للغفور ،المنفذ لشرعه والذي كان وفيا للأمانة التي حملت له ،وحياة هي الجانب الحقيقي للحياة عامة ،حياة بقدر ما فيها من آمال فإنها تنتهي إلى العفونة والدنس "ربما نصنع حياتنا بأيدينا لكن في النهاية لكل فرد نصيبه المقدر له."هكذا ينتهي بنا الكاتب منوبي زيود ،الى التسليم بأن سعينا للسمو وحرصنا على البناء العمودي المتين للعمارة لن يمنعها من السقوط حتى ولو كانت الأرضية صلبة ( رمزية خيانة العائلة والابناء له ومحاولة التحجير عليه) فذاك هو قدر هذه البشرية وطبيعتها المجبولة على ترديات الجسد وتحديات الأرواح المعذبة في عالم مادي يضيق بتضارب المصالح والرغبات ويتهاوى سلمه الإجتماعي إلى الأسفل مع كل محاولة للخروج عن ما يسطره العرف والعادة أو السائد ،لأن السائد في مجتمع يخفي عيوبه بورقة توت هو النفاق الاجتماعي المغلف بالدين .ولذلك انتهت محاولة القاضي لمعرفة ذاته والكشف عن عيوب المجتمع بتسفيهه ومحاولة فاشلة لطمس وتشويه الحقيقة بحرقها محاولة (حادثة حرق بيت الدعارة الذي أسفر عن موت البطرونة حياة وهي تحاول الدفاع عن باقي النزيلات )
البعد الصادم الذي نخشاه أن لا تكون الرمزية تخص حياة وانما تونس بمختلف شرائحها وأطيافها ،تونس التي احترقت وأبنائها ولازالت بتجاذبات متعددة لاتؤدي الى دروب خلاص وانما إلى احتراق لا تنجح قوانين لا تطبق على الجميع بنفس الكفاءة في محاولات إخماده خاصة في ظل همهمات الرافضين التي تتساوى مع الصمت والخضوع .
المسكوت عنه في مجتمعنا قدمه المنوبي زيود من موقع الباحث الاستقصائي والروائي بأسلوب يغلب يتداخل فيه الرمز والايحاء حتى يترك للقارئ لذة الاكتشاف والتأويل وليجعلنا بعد الانتهاء من الرواية ندرك أن "الركن النير قد لا نجده في الموضع الذي نظن أنه يصدر عنه" وأن العهر ليس مكانه ذاك البيت المسكون بالقذارات فقط وانما الأقذر منه موجود بالفنادق والشقق والقصور الفاخرة . ويدعونا إلى ترتيب البيت من جديد عبر رحلة بحث في دواخلنا نعترف من خلالها بخطايانا التي نخفيها بإحكام ،لنتفاجأ بها في أي لحظة وقد تحولت إلى براكين معلنة يهرب معها الرائي الى أي مكان بعدما يعجز عن مكانه الطبيعي عن احتوائه ..