دراسة نقدية في رواية ليت شهدا

نائلة الشقراوي
2018 / 11 / 25

دراسة نقدية في رواية ليت شهدا للكاتبة

صافية قم بن عبد الجليل

__
ليت شهدا أنجزت ما وعدت
__
إعداد الناقدة :نائلة الشقراوي

الرواية الواقعية لا ينضب معين أحداثها لأن الواقع الإجتماعي الذي تستقي منه مضامينها متغير متجدد ،ونظرا لارتباط ليت شهدا بالأسلوب الروائي الواقعي فمن الطبيعي أن تقدم الكاتبة في روايتها حقائق سيسيوبسيوكولوجية مستخدمة الخيال السردي ،كما يقول سارتر :
"آن الأوان أخيرا لأن أقول الحقيقة , ولكن لا يمكن أن أقولها إلا في عمل خيالي ( أي روائي).‏"
___
تعالج الكاتبة قضايا اجتماعية شديدة الارتباط بالواقع المعاصر في علاقته بالمرأة المثقفة والتي رغم ما يقال عن حصولها على حريتها فإن أمر القبول اولا بإنسانيتها مشكوك فيه من خلال النظر إليها اولا كجسد قابل للإستنزاف سواء بالعمل المضاعف داخل المنزل وخارجه أو بتقديم المتعة للرجل . القضايا المطروحة هي قضايا قديمة متجددة وأخرى عصرية كالتعاون الأسري بين زوجين عاملين ،الفيسبوك وتأثيراته، الخيانة ذاك السلوك الذي تختلف أسبابه لكن غالبا ما تكون نتائجه واحدة طلاق أو انفصال دونه .ولكن في كلتا الحالتين لا يتواصل شكل الحياة داخل الأسرة كما كان عليه قبل اكتشاف الخيانة بعدما يحدث من تقويض كلي للعلاقات بحكم انعدام الثقة أو الشعور بفداحة الفعل .

__
وبما أن المقصد الأساسي من الرواية الواقعية هو تعرية مساوئ المجتمع ثم التذكير بالقيم الأخلاقية بقصد الإصلاح و تقديم البديل فإنه يكون من الضروري الانتصار لتلك القيم ومحاولة تركيزها في الأحداث عامة بأسلوب بعيد عن التقرير وهو ما عمدت إليه الكاتبة التي نجحت في إخفاء ضمير الأخلاق ولم تفرد له ابدا شخصية واضحة تقوم بذك الدور فلا هي اعتلت كساردة، منبر الوعاظ ولا احد من شخوص روايتها ، و لكنها تركت أسلوبها الفني في السرد يقوم بتلك المهمة فوردت القيم التي أرادت بثها في شكل تلميحات لا تصريحات. مقتدية بتعريف سارتر للأسلوب حين يقول «الأسلوب هو قبل كل شيء الاقتصاد، ويعني ذلك أن نكتب جملا حيث تتعايش معان متعددة مع بعضها البعض، وحيث الكلمات تؤخذ بالأحرى كتلميحات".
__
الراوي : هناك تداخل وتناوب ما بين الراوي المحايد الذي يروي كل الاحداث دون أن يظهر وينقل تفاصيل انفعالاتهم ، وبين الراوي الذي يروي نفسه وحينها يتغير اسلوب الكاتبة ليعتمد اكثر على الشعرية وهذا منطقي جدا وضرورة فنية يقتضيها تصوير الانفعلات بأسلوب يؤثر في القارئ فيجعله متعاطفا مع الشخصية ومتماهيا أكثر مع الأحداث .وهذه الخاصية الأسلوبية تعطي قيمة فنية اكثر للعمل الروائي وتبتعد به عن الأسلوب التقريري والتوصيفي البسيط .وعديدة هي الحالات التي تحول فيها الحوار الداخلي للبطلة الى صور شعرية حية .

"جبال الود قُدي من قميصي ثغرا للسؤال، وارتقي بحبالي ما
تبدى في المدى من سراب أو تشظّ أو أضغاث أحلام... فأنا
المسكونة دوما بنار الوجد وشغف التحدي واستشراف المآل...
ها أنا أحثّ الخطو، يسبقني شوقي ويدفعني الحنين إليك، أيها
الآتي ولا أرى غير وجه صغته من محض خيالي... آه مني ومنك،
يا شهد ومن لظى السؤال! "(ص 216)
__

العنوان :ليت شهدا يذكرنا بليت هندا لعمر ابن أبي ربيعة ،ليت ذاك الفعل الذي يفيد المستحيل مقترنا باسم البطلة الرئيسية ،دلالة على أن ما سيأتي يدخل تحت خانة المستحيلات سواء أخذنا الشهد كرمز لما هو حلو او كرمز لماض كان شبيها بأيام ليلة وليلة حيث الحكايات لا تكتمل والفعل لا ينجز .وحيث السعي متجددا كل يوم للبلوغ الى نهايات مرضية.
__
المكان :محدد سلفا والزمان حدد في آخر الرواية وهذا الاختيار موظف اساسا كعنصر تستعين به الكاتبة لإعلان نهاية القصة و ترك المجال لمخيلة القارئ حتى يصل ما بين الثورة الخارجية والثورة الداخلية للبطلة هنا بالذات تقف على معطى دلالي بارز وهو أن الرواية بنيت على مبدأ الرفض والركود . فمنذ بدايتها الرواية وقفنا على تمرد البطلة على وضع أسري سائد بدءا بالزواج بمن رفضته العائلة الى حالة التملل من سلوكات زوجها إلى الثورة عليه لننتهي بثورة أكبر لشعب كامل والأسباب قد تكون مشتركة في بعضها ،(الاستقرار يولد الاستعمار )
__
فنية الرواية: كون الرواية طويلة نسبيا 345 فإن الكاتبة لم تسقط في الوصف التفصيلي للشخصيات و للأمكنة ولا للانفعلات فأحدثت موازنة من شأنها أن تمنع الملل أن يتسرب للقارئ وقد يعود طول الرواية الى اعتماد صافية قم في عنصر الحبكة على الحبكة المركبة لا النمطية،حيث لا ترد الأحداث على تسلسل زمني كرونولوجي محدظ وانما هناك استطرادات ورجوع بالذاكرة يستدعي تفسير الأحداث وتوضيح العلاقات المتداخلة .وأحيانا كثيرة يتوه القارئ ويعجز في مسايرة تلك الاستطرادات لكن في ليت شهدا استطاعت الكاتبة أن تشد تركيز القارئ مع الأحداث عبر التحكم في حجم الاستطرادات أو التركيز فقط على المدى العلائقي القريب من الشخصيات الرئيسة.
___
لابد بالأخير من الإشارة أن الرواية بدأت بلقاء البطلة بأحد الشخصيات التي كانت بماضيها وقد التقتها في لحظة شرود وضجيج أسئلة بروحها وعقلها وبحث عن حلول هذه الرمزية قد تفيد بأن تلك الفترة الزمنية كانت فيها البطلة الجامعية الواعية والتي استطاعت تحدي أهلها وحققت بعض أمانيها ،الماضي ذاك فيه اشارات لبعض القوة استندت عليه مع احد شخوصه (فوزية )لتحقيق الخلاص ،"خلاصنا في أن نجتاز كلّ هذا المدى وأن
نعبر كلّ هذه الأزمنة، فهل نحن قادرون؟! (ص: 342) ،مسألة التغيير عند الكاتبة تخضع الى الاستناد إلى ماهو إيجابي في ماضينا أو تاريخنا لتجاوز كل ماهو سلبي في واقعنا ،ولن نقول من لا ماضي له لا مستقبل له وانما من له ماضيا مشرفا سيكون له حاضر اكثر شرفا .
وككل عمل واقعي ،لم تنتهي الرواية بحدث سعيد واضح بقدر ما كانت النهاية قابلة للتأويل وللبحث وتاركة الآفاق مفتوحة على ما ستأتي به الأيام القادمة ،.
وليت هندا (شهدا )أنجزتنا ما تعد /
كُلَّما قُلتُ مَتى ميعادُنا ضَحِكَت هِندٌ وَقالَت بَعدَ غَد...