الهايكو في الميزان

مقداد مسعود
2018 / 11 / 24

الهايكو في الميزان
وجيز هذه الورقة مقروء في جلسة منتدى أديبات البصرة 21/ 11/ 2018
مقداد مسعود
مثل إقبالنا على البضاعة اليابانية استعملنا الهايكو وأفرطنا حد التفريط به !!أغوتنا اسطره القليلة، ولم نتطقس بطقوسه ونتماه مع جوهره الفرد،حتى نستطيع بعدها أن نتمرد على نسخته اليابانية بماركتها المسجلة : ضفدع باشو، أقبلنا على الهايكو ونحن لم نتوغل في خلوات حكمة التاو، وحدائق الزن،ولم نكترث للمعلم يانكي حتى نتعلم أن نصغي للذي يصغي، ونكون من السالكين، فنرى بماذا تمتلىء أيادينا يوما بعد يوم، نحن لم ندخل في طقوس وكيفيات غسل الوعاء، وننتظر تلك البشارة وهي القدرة على الإنحناء لكل الأشياء، هذه القدرة وحدها ترشح الفائز منا أن يكون بوابا، وهكذا فقط نستعيد ذاتنا العادية جدا ومن العادي نتوصل الى البسيط من الكلام، وهنا ستعرف أن تتذوق الهايكو، وأن تتريض به كشيء آخر، يجعل الجديد يبدأ مع كل يوم جديد، فأنت في التريض اليومي ستمتلك قدرات مميزة، أصغ للسلف المنير، وأدخل اللغة من شطحهم وخطفهم ولمعهم والأفتتان، وإذا يممت شطر الهايكو، لاتكن لحظتئذ ذبابة في شباك عنكبوت الإفتراض، تزود بقبس من الخلوة، نعم الزاد هي خلوتك في معرفتك وعرفانيتك، ربما هكذ تتفوق على ذلك المصغي الياباني، وتكون لك (خبرات الحياة اليومية، لكن فوق الأرض بأصبعين )
في الهايكو،نلمس ونتنفس شعرية الوجود، وتحتوينا بهجة ٌ أممية ٌ من طراز خاص بشهادة الحكيم الياباني كوباياسي إسّا
(لاغرباء في هذا العالم
جميعا أخوة
تحت شجرة الكرز الزاهرة)
(*)
اكتشافنا العربي للهايكو يقظة متخلفة ولا أقول متأخرة، فالثانية ربما ستحسم سلبا وتيمم شطر جهوية جديدة.. تخلف الوعي الشعري لدى الأغلبية هو الذي تصور الهايكو كلمة قليلة وسريعة والأكثار منها وعنونت كل سطر أو نصف سطر، سيجعل المسطور ضمن إجناسية الهايكو، والتصفيق المتواصل / التحشيش الفيسبوكي، هو الذي نفخ هؤلاء (الهايكوويين) وجعل كل منهم أسطى هايكو
(*)
في التسعينات ترجم الأستاذ عدنان بغجاتي كتيبا عن الهايكو وصدر الكتاب عن دار الشؤون العراقية .وفي 1999 ترجم محمد الأسعد عن الانكليزية كتابا عنوانه (واحدة بعد الأخرى تتفتح أزهار البرقوق ) تأليف : كينيث باسودا والعنوان الذرائعي الذي وضعه الشاعر والروائي والناقد التشكيلي الأستاذ محمد الأسعد، هو كالتالي (دراسة في جماليات قصيدة الهايكو مع شواهد مختارة)..وهذا الكتاب كان قد صدر باللغة الانكليزية في 1957، ولم يكتف الأستاذ محمد الأسعد بذلك راح يتعقب الهايكو المكتوب بلغتنا العربية ويسلّط ضوءا/ حرصا نقديا لتقويم الهايكو المكتوب بالعربي ..وفي 2009قام القاص والمترجم العراقي البصري الأستاذ نجاح الجبيلي وهو من المترجمين البارعين بترجمة (قصائد هايكو) للشاعر الأمريكي ريتشارد رايت، صدر كتاب الأستاذ نجاح ضمن سلسلة أصدارات اتحاد أدباء البصرة. والأهم أن الشاعر رايت ا نتج (4000) هايكو، ثم أختار(816) هايكو فقط. وفي اختيارات الشاعر الأمريكي رايت أرى درسا ضروريا لنا جميعا .
(*)
بين بغجاتي والأسعد : أحتضنت المجلة العراقية الفصلية (الثقافة الأجنبية) تنويعات من الأدب الياباني ومن ضمنها الهايكو.. يومها لم نقرأ هايكو من شاعرة عربية أو شاعر، والوجيز الكتابي في كتب الشاعرات والشعراء متوفر شعريا آنذاك، لكن لم يجنس لا هايكو ولا ومضة، ربما لأن الجميع كان يمتلك قدرا من الوعي النقدي بخصوص الاجناسيات .وهذا الوجيز الشعري كان جميلا بكل المقايس .لكن للأسف لم يصدر بكتاب، أما مخطوطتي (برق شعري) التي سلمتها للأخت الشاعرة زهور دكسن في 1997 لتسلمها إلى دار الشؤون الثقافية... بعد اشهر حين التقيتها في بغداد عرفتُ منها ان مجموعتي فقدتها في غابة مكتبتها وهي من الصادقات اللواتي أثق بهن مطلق الثقة .. وقد نشرت قسما جديدا من هذا البرق الشعري في صحف : الجمهورية، والعراق، والقادسية، ومجلة الرافدين ومازالت احتفظ بنسخ لدي منها.. ولكن للأسف ليس لدي نسخة من (برق شعري)، التي لم تعثر عليها أختنا الشاعرة العراقية الكبيرة زهور دكسن .
(*)
لماذا الهايكو أصبح له رواجا عربيا شاسعا واسعا؟ لماذا الهايكو وحده ولم يرافقه مسرح نو الياباني، أو الرواية اليابانية ..خصوصا والروائيون اليابانيون العمالقة ومنهم من نال جائزة نوبل، قد ترجمت اعمالهم الى معظم اللغات ومنها لغتنا العربية : كنزا يور أوي، كازوو إيشيغور، ياسوناري كاوابتا، هاروكي موراكي. ولم أقرأ تأثير لحكمة التاو إلاّ عند العلاّمة هادي العلوي، والمثقف العضوي عبد الكبير الخطيبي

(*)
هل ما نقرأه الآن ينتسب للهايكو ؟ أم لثقافة الإعلام بلغة التوصيل الأفقية؟ معظم ما ينشر تحت تجنيس هايكو: أكتفى بالقليل من الكلام، وهبت عاصفة من التصفيق: له/ لها :في قبائل الفيسبوك، وانتقلت الكلمات الى مجلدات وأقيمت ما يسمى (مهرجانات هايكو).. !! ولنقرأ ما يقوله مؤسس ومدير مجموعة الهايكو في سوريا الأستاذ سامر زكريا بهذا السياق :(..الهايكو العربي، حتى وقت قريب جدا: عبارة عن مزيج من قصائد قصيرة يُطلق عليها ظلماً تسمية هايكو) ثم يشخص الاستاذ زكريا الأسباب منها : (العقلية العربية التي يسمها غياب المقاربات النقدية الحقيقية التي لابد منها لتأسيس أطر مقبولة يجمع عليها كتّاب الهايكو العرب وقراؤه ومحبيه وبدلا من هذا تسود المجاملات) وهو يشكو من (نقص المواكبات النقدية للأعمال المنشورة) ويعزو السبب إلى المجاملات وتجنب النقد البنّاء الصريح) ويؤكد ثالثة على النقد (أدى غياب النقد الى التقصير في التأسيس لتعريفات وأطر مرجعية مناسبة للهايكو العربي )
(*)
في كتابه( سادة الهايكو) أكتشف المترجم الليبي قرابة إجناسية بين الهايكو الياباني ..و (شكلان شعريان يماثلانه قصرا،معروفان في النواحي الشرقية من ليبيا) والشكلان هما (غناوي العلم والشتاوة)/موقع ثقافات / خلود الفلاح: أشعار الهايكو : ماالسر وراء انتشارها عالميا) وفي مقدمة كتابها (بقية شمعة قمري/ هايكو عراقي) أكتشفت الشاعرة العراقية بلقيس خالد : قرابة إجناسية بين الهايكو والدرامي وكذلك بين الهايكو والنعاوى( النعاوى : مراثي شعبية على لسان نساء الجنوب/ بلقيس خالد/ بقية شمعة قمري / هايكو عراقي / ط1/ دار الينابيع/ دمشق / 2011 تقول الشاعرة بلقيس في مقدمة كتابها..(رأيت ثمة تقارب بين الهايكو الياباني،والدارمي العراقي، من حيث الرقة،العذوبة، كثافة الصورة الشعرية، سعيت ُ لتفعيل استفادتي من المنجزين الشعريين: الهايكو والدرامي، لكتابة هايكو عراقي، أعني(هايكومي) : هايكو+ دارمي..)
(*)
شعراء الأحواز، سيغترفون الهايكومن مغرسين : الهايكو المترجم للعربية والهايكو العربي / الهايكو المكتوب بلغة الفارسية وخصوصية الهايكو الأحوازي تنبثق من
(النخلة والساقية ولبطة الشبوط في الهور وقفزة الهامور في البحر ونقيق الضفادع) بشهادة الأستاذ سالم الكعبي / مجلة الفيصل/ تجربة الهايكو في الأحواز)
(*)
إذن لكل بلد هايكو خاص به يحتضن محليته، وهذه هي حرية الإبداع أما ضفدع باشو في الهايكو ومعطف غوغول بالنسبة للرواية الروسية وحذاء همنغواي للقصة القصيرة جدا فهي نماذج عظيمة لكنها ليست أوثانا ولسنا من العابدين لها لذا يحق لنا التمرد عليها وعلى سواها من المصدات ونجترح طريقتنا المحلية في الاستفادة من المنجز الياباني الجميل وهكذا يكون البحث عن أقواس جديدة للأبداع
(*)
الأستاذ مصطفى قلوشي، يؤكد (منذ مطلع ستينيات القرن الماضي: تعرف القارىء على ابداعات بعض الشعراء العرب الذين خاضوا تجربة الهايكو، ولعل أبرزهم الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة/ موقع مغرس/ مصطفى قلوشي/ الهايكو العربي من التجريب نحو التأصيل،، نماذج للقراءة والتحليل)..للأسف أن الاستاذ قلوشي لم يثبّت لنا شاهد عدل هايكوي بخصوص الشاعر المناصرة، فهو في 1968 أصدر(ياعنب الخليل)..وقبلها على ذمة ذاكرتي تشارك مع شاعرين مصريين في كتاب طبعته القاهرة (الدم في الحدائق)...أما مشاركته في المربد الشعري الأول فكانت (قصائد مجروحة إلى السيدة ميجنا) وعلى ذمة ذاكرتي وكنت جالسا يوما في الصف الثالث من الطابق الثاني سمعته ورأيته يقرأ لنا في مدينتي البصرة، في بهو الإدارة المحلية:
(مات صديقي مات
لكن الشرطة تبحث عنه في الازمات
أأنا مجنون أم أنت ؟
أم شرطة مولانا السلطان )
(قلبي من بلد وحبيبي من بلد أخرى
لكنا نتقابل في بحر الأيام
شنقوني ياحبي الأسمى
ماسألوني شيئا في ساحة الإعدام)
وتوالت قصائد القصار الجميلة جدا للشاعر عزالدين المناصرة، وقرأنا له بعد سنوات (قمر جرش كان حزينا) وقرأنا له ديوانه النثري الجميل (جفرا) وتوالت دواوينه
(*)
هل تحول الهايكو إلى تنافس تجاري عربي؟ ماذا سيبقى من هذه الصرعة بعد سنوات قليلة ؟! ومن المسؤول عن هذا التلوث المزدوج؟ تلويث الهايكو/ تلويث بيئتنا الثقافية؟ لستُ ضد التعايش السلمي بين الثقافات.. ولدي مطلق الإيمان ليس بالعولمة بطبعتها الأمريكية، بل أقول مع غوته (روح واحدة تسري في العالم)
(*)
لمحمد عضيمة فضيلة مميزة، فهو نقل ألف هايكو وهايكو/ دارالتكوين/ دمشق/ ط1/ 2016: مباشرة من اللغة اليابانية، وثبّت النص الياباني وأسفل منه يتموضع النص المترجم للعربية، وقبل كل شيء هناك المقدمة بفيوضاتها الضرورية للقارىء العربي، وتحاوري مع المقدمة لايقلل من اعترافي بأهميتها لنا نحن المصابين بلوثة الشعر ..لكني ومن خلال اطلاعي الدؤوب على التاو الصيني والزن والهايكو وبوذا وكونفوشيوس أرى أن الهايكو لايخلو من نكهة الزن ورائحته ومذاقه أيضا . كم نسبة الهايكو في هذه المختارات من الزن ؟!:
(لقد أطلِق السّهم
ومضى
ثم
سقط
وعاد إلى الأرض مجددا)
أو هذا القول الزنّي :
(العالم كلّه دواء
ماهو الدّاء)
(سنوات
وأنا أفتش
عن حافة الجبل
والآن
ضحكة ٌ عظيمة ٌ
عند
سفح البحيرة)
/ نقلا عن كتاب د. بريندا شوشانا/ معجزات الزن/ اكتشاف السلام في عالم مجنون/ ترجمة سلام خير بك/ دار الحوار/ اللاذقية/ ط1/ 2012
(*)
لكل ثقافة سماتها ولا يجهل المثقف الاستاذ محمد عضيمة ذلك، وإذاكان المعري حكيما والمتنبي مفاخرا بذاته، فأن الشاعر بجمالياته التوصيفية هو بحق البحتري
ولايمكن اعتبار توصيفاته لأيوان كسرى أو بركة المتوكل منقصة مقارنة ، بتناول الشاعر الياباني باشو للبركة في نص الهايكوي التالي:
(ياللبركة العتيقة
يقفز ضفدع ٌ
ويتردد صوت )
لكن هذا الضفدع الياباني، لم يبق التاج على رأسه للأبد، وبشهادة محمد عضيمة، نقلا عن شاعر ياباني، يكتب الشعر الحديث: (لا أستطيع أن أعيش على ضفدعة باشو طوال حياتي) لكن الاستاذ عضيمة يصر على الدفاع عن ضفدع باشو في قوله (لا أعتقد أن الشاعر العربي سيقول هذا إذا ما وجد أمام بركة أو حفرة أو مستنقع صغير من الماء وسط الطبيعة، وعلى الأغلب لن يشاهد الضفدعة وهي تقفز الى الماء/ ص15) عجيب قول الأستاذ عضيمة، كأنه أمام كاميرات مراقبة رصدت وترصد غياب الشاعر العربي، حتى من رؤية ضفدعة تقفز في الماء!! الذي سيحدث مع الشاعر العربي وهو أمام بركة يكون كالتالي بالنسبة للأستاذ محمد عضيمة
(ربما تخطر له ذكريات لا علاقة لها بكل ما يحيط به،أو ربما يجد في البركة بعض آثار الأحبة، وفي الماء ما يسقي به من يريد، يعني لن تكون البركة هي بركة، بل رمزا لشيء آخر، والماء لن يكون ماء، والصوت لن يكون صوتا) !! لماذا هذا القسر الذي يشهره الاستاذ عظيمة؟ لماذا هذا القسر ضد المخيال العربي ؟ ولماذا هذا الدوكاتزم، الذي يريده منا الاستاذ أن تتطابق أخيلتنا مع الشاعر باشو الذي يريد الشعراء الشباب اليابانيون التحرر منه.. ثم يعيب على البحتري شعريته (عندما وقف البحتري على بركة المتوكل الاصطناعية، في قصيدته المشهورة، تحول الماء الوافد الى خيول والأسماك الى طيور، ودجلة يغار منها. يعني أن خيال البحتري جعل َ من البركة قضية أكثر مما هي بركة، وبركة فقط، يعني لم يشاهدها بعينيه وحسه، لذلك غابت بصفتها بركة عن القصيدة، وحضر كل شيء ماعداها ..) بأختصار الاستاذ يريد من البحتري أن يتعامل مع البركة تعامل الشاعر باشو!! ليس هناك حق التنويع في الابداع، علينا جمعيا أن ننظر للأشياء فقط بعيون الشاعر باشو، لنكرر تجربته في قصائدنا، ونخسر حرية التعديد في الابداع .. هل قرأ المترجم الأستاذ قصيدة الجواهري وهو يصف جماليات عين الضفدع ؟
(*)
نحن نقول : سنستفيد من الهايكو الياباني ونتعلم من الكثير، بشرط عدم التطابق معه وهذه ال(عدم) وعياً منا بضرورة الاختلاف الإبداعي. أما بخصوص الصفدع فيمكن للأستاذ محمد عضيمة يرجع لما كتبه شاعر العرب الأكبر الجواهري بهذا الخصوص..
(*)
دخلنا الهايكو بنقصنا في الوعي الشعري الجماعي، وتم الترويج للهايكو من خلال هذا النقص الذي انتهك الهايكو ولوثَ لغتنا العربية،بهذا الكلام الذي لايشبه الهايكو ولا غير الهايكو ولا يمكن اعتبار ضمن أي خانة إجناسية .. ربما هو ينتسب للتحشيش الفيسبوكي.