جوادٌّ دُكْن !

عمّار المطّلبي
2018 / 11 / 21

جوادُّ دُكْن *
للقاصّ الرّوسي: إيفان بونين
ترجمة: عمّار المطّلبي
..............................................................
* عن إيفان بونين:
ولِد في 22 تشرين أوّل عام 1870 م
حائز على جائزة نوبل
يُعَدُّ تلميذ تشيخوف و خليفته في كتابة القصّة القصيرة
من أهمّ أعماله: " سيّد من سان فرانسيسكو و قصص أخرى "، و قد اخترتُ هذه القصّة من هذه المجموعة.
تُوفّي في باريس عام 1953 م.
..........................................................
* عن القصّة:
يظهرُ جليّاً في هذه القصّة تأثّر بونين بالاسلوب المسرحيّ، حتّى أنّ تلك القصّة ببطلَيها، و بالحوار تبدو كأنّها مشهدٌ من إحدى المسرحيّات التي كتبها إنطوان تشيخوف .. بستان الكرز .. الخال فانيا، أو سواهما.
تتجلّى أيضاً عناية بونين برسم أدقّ التفاصيل الخاصّة بالمكان، و تلك المتعلّقة بملامح الشخوص ..
هذه القصّة تتحدّث عن لقاء الإنسان بماضيه .. لقاء لا معنى له .. لقاء بعد فوات الأوان، لأنّ الإنسان نفسهُ يُصبحُ، بفعل الزمن جزءاً من الماضي !
سِيّان ! أفعلتَ هذا، أم اخترتَ ذاك !
فالزمنُ في نهاية المطاف يطوي كلّ شيء !
يختارُ بونين من الفصول الخريف، إطاراً لقصّة تتحدّث عن خريف العمر، و خريف الحبّ، و خريف الأحلام !
و يختارُ هذا القاصّ العبقريّ نُزلاً في الطريق مكاناً للحدث، و لا تخفى على القارئ رمزيّة هذا الاختيار، فالحياة ليستْ، بعد كلّ شيء، سوى رحلة، تتوقّف أحياناً في مأوىً عابرٍ، لتواصل المسير إلى المصير
المحتوم !!
المُترجِم
...................................................................
في أحدِ أيّام الخريف الباردة المُمطرة، اتّخذتْ مركبة ذات غطاء نصف مرفوع، تسحبُها ثلاثة من الجياد العاديّة المتراصّة، رُبِطَتْ ذيولُها إلى أعلى، لتنأى بها عن الثلج الموحِل نصف الذّائب، اتّخذتْ طريقَها، مُثيرةً رشاش الطين، عبر أحد طرق تولا العامّة، التي غسلها ماءُ المطر، مُخلِّفاً فيها خُدَداً عميقةً كثيرةً سوداً.
و لمْ تلبث الترويكة أنْ توقّفتْ أمام بناءٍ خشبيٍّ مستطيل الشّكل، اتُّخِذَ قسمٌ منهُ محطّةً لعربات السّفر، و صُيِّرَ القسمُ الآخرُ نُزلاً ذا غرفةٍ واحدة، حيثُ يستطيعُ المسافرون أنْ يستريحوا، أو يقضوا الليلَ، فيصيبوا شيئاً منْ طعامٍ، و يحصلوا على سماور مليءٍ بالشاي. **
و على مقعد العربة، جلس رجلٌ قرويٌّ قويّ، أحكم شدَّ حزامهُ فوق معطفه الثقيل، و بدا وجهُهُ جادّاً مُكفهرّاً ، يُغطّيه نُثارٌ منْ لحيةٍ فاحمة، فيُخيَّلُ أنّهُ لصٌّ من الماضي لِمَنْ يراه.
و جلسَ في داخل العربة عسكريٌّ كبيرُ السِّنّ ممشوق القوام، يضعُ على رأسهِ قُبّعةً كبيرةً مُستدقّة الطرف، و يرتدي معطفاً رماديّ اللون، ذا ياقةٍ منتصبة منْ فراء السمّور، و هو زيٌّ يعودُ لأيّام الامبراطور نيقولا الأوّل ... رجلٌ ما يزالُ حاجباهُ سوداوَين، برغم أنّ شاربهُ قد حال لونُهُ، و مَسَّ طرفاهُ المُستدقّان سَبَلَةَ خدّيه، التي حال لونُها هي الأخرى. أمّا ذقنهُ فكانَ حليقاً خالياً من الشّعر.
لم يكن مظهرَهُ، عموماً، بمختلفٍ عن هيئة الكسندر الثاني، التي كانتْ سائدة بين العسكريّين إبّان مدّة حكمه، و امتلكتْ عيناهُ النّظرةَ نفسها .. عينانِ متسائلتان قاسيتان، و في الوقتِ نفسهِ، مُكتئبتان.
و إذْ توقّفت العربة، قذف ذلك الرجل بساقٍ غطّتها جزمةٌ عسكريّةٌ مُحكمة، ثمّ لمْ يلبث، و قد أمسكَ أطرافَ معطفه بيدَيه المكسوَّتَين بقفّازَين من الشموا، أنْ راح يرتقي ركضاً درجات سلّم الرواق.
و نادى الحوذيُّ بصوتٍ أجشّ من مقعده:" عنْ يساركَ .. يا صاحب السّعادة ".
أمّا الرجلُ، فقد انحنى قليلاً عند المدخلِ، ثمّ لمْ يلبث أنْ خطا نحو الدّاخل، منحرفاً يساراً نحو مخادع النزل.
و ألفى المكان دافئاً جافّاً و مُرتباً، و ثمّة أيقونة ذهبيّة، في الزاوية اليُسرى، انتصبتْ تحتها منضدة غُطِّيَتْ بِغطاءٍ قطنيٍّ نظيف لمْ يحلْ لونُهُ بعد، حفّتْ بها مقاعدُ طويلة نُظِّفَتْ جيّداً.
أمّا الموقد، الذي شغلَ الزّاوية اليُمنى من الغرفة، فقد بدا أبيض اللون، إذْ غُسِل حديثاً بماءالنّورة. و بالقرب قام شيءٌ يُشبه أريكةً تركيّةً غُطِّيَتْ بِبُسطٍ مُرقّشة، و استقرّ طرفُها القابل للطَيّ على جانب الموقد.
و فاحتْ منْ وراء باب الفرن رائحةُ حساءٍ ناضجٍ من الكرنب و لحم البقر و أوراق الغار.
رمى القادمُ الجديدُ مِعطفَهُ فوق المقعد الطويل، فبدا أكثرَ مَشَقاً ، ببِزّتهِ

، بجزمتهِ المدبوغة الطويلة، و لمْ يلبثْ أنْ خلعَ قفّازَيهِ و قُبّعتَهُ، ثمّ مرّر، بإيماءةٍ قلقةٍ، يدَهُ النحيفةَ الشّاحبةَ فوق شَعرهِ الأشهب ذي العقصةِ الخفيفة، مُبتدئاً منْ صدغَيه، و مُنتهياً عند زاويتَي عينَيه، و تناثرتْ في وجههِ الطويل الوسيم ذي العينَين السّوداوَين آثارٌ صغيرة جدّاً منْ بثور الجدريّ .
لمْ يكنْ هناك أحدٌ في الغرفة .. و صاحَ برِماً، و هو يدفعُ البابَ المواربَ قليلاً: " هَي .. أهناكَ أحد ؟!"
فظهرَتْ عندذاكَ امرأةٌ سوداء الشّعر، ذات حاجبَينِ أسودَين، و مثلهُ كانتْ ما تزالُ تحتفظُ بمسحة جمالٍ لا تُناسبُ عمرها.. و بدَتْ، و هيَ تقفُ أمامهُ شبيهة بغجريّةٍ مكتهلة، ظَلّلَ شفتها العليا و خدَّيها زغبٌ ناعم، و كانتْ خفيفة الحركة، لكنّها بادِنٌ، بثديَين كبيرَين تحت بلوزتها الحمراء، و بطنٍ مثلّثة الشكل، كبطن أوزّةٍ تحت تنّورتِها الصوفيّةِ السّوداء.
و قالتْ:- " مرحباً، يا صاحب السّعادة .. هلْ لي أنْ أعرض عليكَ شيئاً منْ طعام، أم أنّكَ تفضّل سماور الشاي ؟"
ألقى القادمُ الجديدُ نظرةً عجلى على كتفَيها المدوّرتين، و قدمَيها النحيفَتَين المُنتعلتَينِ خفَّين تتريّين رثَّينِ حمراوَي اللون، ثمّ أجاب بفظاظة، و من غير اهتمام:
" بل سماور ... هل أنتِ صاحبة النزل أم الخادم ؟ "
" صاحبة النزل يا صاحب السّعادة ".
" أتعنينَ أنّكِ تديرين المكان بنفسك "
" ذلك صحيح "
" كيف ذلك ؟! هل أنتِ أرملة، أم ثمّة أمر آخر يضطرّكِ للعمل وحدكِ؟!"
" لستُ أرملةً يا صاحب السّعادة .. غير أنّه كان عليّ أن أكسب لقمة العيش، و أُحبُّ أنْ أتولّى الأمر بنفسي "
" واضح .. واضح .. ذلك جيّد .. إنّ غرفتكَ نظيفة جدّاً و مريحة ".
و كانت المرأةُ، طول الوقت، تحدجهُ بعينَين ضاقتا قليلاً، ثمّ أنشأتْ تقول:
" أنا أحبّ النظافة أيضاً .. لقد نشأتُ في خدمة النبلاء ..فكيف أخفقُ في معرفة السبيل لأبقى جديرةً بالاحترام يا نيكولاي الكسييفتش؟!!".
فلمّا سمع الرّجلُ ذلك، شدّ جسمهُ فجأةً، و قال بسرعةٍ، و قد جحظتْ عيناه، و احمرّ وجهُه:
" ناديشدا، أهيَ أنتِ ؟!"
أجابتْ : " أنا هيَ يا نيكولاي الكسييفتش ! "
فتمتمَ، و هو يتهاوى على المقعد، و يُحدِّق إليها بقوّة:
" يا إلهي ! يا إلهي !
مَنْ كان يظنّ ذلك ؟! .. كمْ منَ السّنين مرّتْ على آخر لقاءٍ لنا ؟!
أعتقد أنّ ذلك كان قبل خمسة و ثلاثين عاماً تقريباً !" .
" إنّها ثلاثون يا نيكولاي الكسييفتش .. أنا اليوم في الثامنة و الأربعين، و أنتَ قد قاربتَ الستّين، كما أظنّ " .
" شيء شبيه بهذا .. يا إلهي ! أيّ أمر غريب ! "
" ما الغريب يا سيّدي ؟! "
" لمَ كلّ شيء .. كلّ شيء .. إنّكِ تفهمين لا ريب ! "
و فجأةً تلاشى تعبهُ و شرودُ ذهنه ، فقام و شرع، خافضاً عينَيه، يذرع الغرفة بخطواتٍ حازمة ثابتة، و لمْ يلبث أنْ وقف، ثمّ أنشأ يقول، و قد زحفتْ حمرةٌ تحتَ شعره الذي وخطهُ الشيب:
" لمْ أسمع عنكِ شيئاً منذ ذلك الحين .. كيف جئتِ إلى هنا؟ و لمَ لمْ تمكثي مع أسيادك ؟"
" لقدْ منحوني حريّتي بُعيد رحيلك " .
" و إلى أين ذهبتِ حينذاك ؟"
" إنّها قصّة طويلة يا سيّدي "
" و تقولين إنّكِ لمْ تتزوّجي قطّ ؟ "
" كلّا .. قطّ "
" لكنْ لماذا ؟! فتاة بمثل جمالكِ يومذاك ؟! "
" ما كنتُ أستطيع فعل ذلك !"
" لمَ لا ؟! ماذا تريدين قوله ؟"
" أيّ شيءٍ بقيَ لأوضّحه؟! لعلّكَ تتذكّر كمْ كنتُ أحبّك ! "
فاحمرّ وجههُ ، و غمغم عابساً، و هو يستأنفُ ذرعهُ للغرفة:
" كلّ شيءٍ انقضى يا صديقتي: الحبّ .. الشّباب .. كلُّ شيء .. إنّها قصّة عاديّة مُبتذَلة .. كلُّ شيءٍ انقضى مع الوقت .. ما الذي قيلَ في سِفرِ أيّوب ؟
لسوفَ تتذكّر الأمر كماءٍ اندلقَ و ساح !!"
" الناسُ ليسوا سواسية عند الربّ يا نيكولاي الكسييفتش .. يذوي شباب كلّ واحدٍ فينا، أمّا الحبّ، فأمرهُ مُختلف !".
فتوقّف، و رفع رأسهُ، و قد ارتسمتْ على مُحيّاه ابتسامة ألم :
" لكنّ ما أعنيه، أنّهُ لا يمكنُ لكِ أنْ تكوني احتفظتِ بحبّكِ لي طول تلك المدّة ؟! "
" قد فعلتُ ! لقد بقيتُ أعيشُ لأمرٍ واحد، مهمّا كرّ الزمن ..
أعرفُ أنّ الذي كنتَه قد مضى منذ وقتٍ بعيد .. و كان الأمرُ لك، كما لو أنّه لم يكن هناك شيء قطّ ..
فات الآن أوان اللوم .. لكنّكَ تعرف أنّكَ قدْ هجرتَني بلا رحمة أو شفقة يومذاك ..كم مرّة أردتُ أن أضع فيها حدّاً لحياتي منْ شدّة الألم، دعْ عنكَ أيّ شيءٍ آخر "
أضافتْ، و هي تبتسمُ ابتسامةً ليس فيها ودّ:
" أتعرف يانيكولاي الكسييفتش أنّهُ أتى علينا زمنٌ كنتُ أدعوكَ بهِ: نيكولينكا ! و تناديني أنتَ .. ألا تذكر بمَ ؟! و كنتَ منَ البراعة أنّكَ كنتَ تواضب على قراءة الأشعار لي عن ( الجوادُّ الدُّكْن ) ! ". **
قال، و هو يهزّ رأسه :
" أوه ! كم كنتِ أنيقةً ! كمْ كنتِ مُترعة بالعاطفة ! كمْ كنتِ جميلة ! أيّ قوام ! و أيّ عينَين ! أتذكرين كيف كان يرمقكِ الجميع ؟!"
" أذكرُ ذلكَ يا سيدي .. لقد كنتَ وسيماً أنتَ أيضاً .. و أنت تعرف أنّه أنتَ مَنْ منحتُهُ جَمالي و همتُ بهِ حُبّاً .. كيف لشيءٍ كهذا أن يُنسى يا تُرى؟!"
" آه .. كلُّ شيءٍ ينقضي، كلّ شيءٍ يُنسى !"
" كلُّ شيءٍ ينقضي .. لكنْ ليس كلُّ شيءٍ يُنسى !"
قال، و هو يستدير و يتّجهُ نحو النّافذة :" إمضي .. إمضي رجاءً ".
و أضافَ بسرعة، و هو يُخرجُ منديلَهُ، و يضغطهُ على عينَيه:
" لا أملَ إلّا أنْ يسامحني الإله .. لقد سامحتِني أنتِ .. كما أرى "
فلمْ تلبث أن اتّجهتْ نحو الباب، ثمّ وقفتْ هناكَ، و قالتْ :
" كلّا يانيكولاي الكسييفتش .. لمْ أسامحْكَ .. و مادان حديثنا قد تطرّق إلى مشاعرنا، فلِأكُنْ صريحةً معك .. إنّني لمْ أستطعْ أنْ أعفو عنكَ قطّ .. و مثلما لم يكنْ هناك شيء يومئذٍ أحبُّ إليَّ منك، ما كان بعدئذٍ أيضاً .. و لهذا، فليسَ بمقدوري أنْ أسامحك .. حسَن .. ما فائدةُ التذكّر؟! إنّ الموتى لا يعودون منَ المقبرة ! ".
قال، و هو يبتعد عن النافذة:
" أجل .. أجل .. ما يُغني التذكّر عن المرء شيئاً .. أخبريهم أنْ يُهيّئوا الجياد " .
ثمّ أضاف، و قد أضحى وجهه الآن قاسياً:
" سأخبركِ بأمر واحدٍ حسب .. إنّي لمْ أكن سعيداً في حياتي .. أرجوكِ ألّا تظنّي ذلك .. سامحيني .. قدْ أجرحُ كبرياءكِ، لكنْ سأكون صريحاً معك ..
لقد جُنِنْتُ حُبّاً بالمرأة التي تزوّجتُها، و برغم ذلك خدعتْني و هجرتْني أسوأ ممّا فعلتُ أنا بكِ .. و همْتُ حُبّاً بولدي الصّغير .. أيّ أملٍ لمْ أضعهُ فيه ! لكنّهُ كبرَ ليُصبحَ وغداً خليعاً، و نذلاً بلا قلب .. بلا شرف، أو ضمير!
ذلكَ أيضاً لا غرابة فيه، على أيّة حال.. قصّة مُبتذلة أيضاً .. كوني بخير صديقتي العزيزة .. أنا أيضاً أرى أنّي فقدتُ فيكِ أعزّ شيءٍ كان لي في حياتي "
فلمّا سمعتْ ذلك، قامتْ فقبّلَتْ يدهُ، و قبّل هو يدها .
" جهّزي الخيول .. ".
...
و إذ ابتعدتْ به المركبة، أنشأ يُفكّرُ مُتجهّماً:
" ما أشدّ ما كانتْ عذوبتها .. ساحرة الجَمال ! "
و تذكّر خجلاً كلمات الوداع التي قالها، و القبلة التي طبعها على يدها، و فجأة شعر بالخجلِ منْ خجله " أأنكرُ أنّها مَنْ منحتني أفضل لحظات حياتي !"
ظهرت الشّمسُ شاحبةً منْ جهة الغرب، و أبقى الحوذيّ جيادَه تعدو خبباً، مُغيّراً مسارهُ منْ جهةٍ لأخرى، منتقياً السبلَ القليلةَ الوحل .
و كان هو، أي الحوذيّ، غارقاً في أفكاره أيضاً، ثمّ انبرى أخيراً يقولُ برصانةٍ فظّة:
" لقد ظلّتْ تتطلّع من النافذة يا صاحب السّعادة .. أظنّكَ كنتَ تعرفها ؟"
" وقتاً طويلاً أجل يا كليم "
" إنّها امرأة مشهورة بالحصافة، و هم يقولون إنّها تزدادُ غنىً يوماً بعد يوم .. إنّها تقرض النّاس بالربا "
" ذلكَ لا يعني شيئاً "
" لا يعني ؟! ألسنا كلّنا نسعى لأنْ نكون أفضل حالاُ ؟!
و هم يقولون أيضاً إنّها مُنصفة في ذلك، لكنّها صارمة أيضاً، فإنْ لم تُسدّد ما عليكَ منْ دَين في الوقت المناسب، فلا تلومنّ إلّا نفسك !"
" أجل .. لا تلومنَّ إلّا نفسك.. أسرعْ منْ فضلك، فأنا أخشى ألّا نلحق بالقطار !"
راحت الشّمسُ، و هي تنحدرُ نحو المغيب، تُلقي بضوءٍ أصفر على الحقول المهجورة، و ما فتئت الجيادُ تخوضُ بثباتٍ خلال بُرك المياه الموحلة.
و قطّبَ ما بينَ حاجبَيه، و استغرق ذاهلاً في تأمّل حدوات الجياد المضطربة:
" أجل .. لا تلومنَّ إلّا نفسك .. أجل .. حقّاً .. أفضل لحظات حياتي .. (حولنا تفتّح زهر النسرين القرمزيّ اللون، و دروب أشجار الزيزفون الدُكْن
انتصَبَتْ .. ) ***
لكنْ .. يا للسماء ! ما الذي كان يحدث بعدها ؟!
لنفترض أنّي لم أتركها .. يا للسماء ! أيّ هراء !
هذه المرأة ناديشدا ليستْ صاحبة نُزل عند أحد الطُرق .. بل زوجي ! سيّدة بيتي في بطرسبرج .. أمّ أطفالي !!
و مغمض العينَينِ، راح يهزّ الرّأس !
...................................................................................
* الجوادُّ الدُّكْن ( جمع جادّة )
أُخِذت من بيتَين في قصيدة للشاعر و السياسيّ الروسيّ نيكولاي أوغاريوف:
( تحفُّ بنا أزهار برية قرمزية، و جَوادٍّ دُكْنٍ تكتنفها أشجار الزيزفون )
** الترويكة: عربة تجرّها الخيول