الحقيقة الكردية أقوى من الكمالية

صالح بوزان
2006 / 4 / 11

في السنوات الأخيرة بدأ يظهر في الساحة السياسية للشرق أوسطية صوت الأكراد بقوة، صوت يرتبط بأعمال كبيرة وجريئة من خلال جملة من المظاهرات التي تدل على حيوية هذا الشعب وعدم رضوخه للتآمر الإقليمي والدولي التاريخي. فكانت انتفاضة آذار الكبيرة لعام 2004 في سوريا، وكان المقتل الملحمي للشيخ معشوق الخزنوي، البطل الكردي السوري في القرن الواحد والعشرين، وكانت انتفاضات الأكراد الأخيرة في سنندج ومهاباد، وكان قبل ذلك كله التغيير المزلزل في العراق، بغض النظر عن الاحتلال الذي سيزول عاجلاً أم آجلاً، وأخيراً وليس آخراً هذه الانتفاضات الكردية الجديدة في كردستان تركيا.
إنه الزمن الكردي رغم كل تاريخه المأساوي، زمن النهوض الذي يتماها مع السمة الجديدة للعصر، هذه السمة التي لا يريد ساسة تركيا وإيران وسوريا( وما زال بعض الساسة العراقيين) إدراكها، بل يسعون للهروب منها إلى التراث الاستبدادي المتخلف الذي ساد قروناً وقروناً في الشرق، وخصوصاً في القرن العشرين.
لقد كشفت هذه الانتفاضات حقيقة بسيطة، وهي أن كل السياسات السابقة للحكام العرب والترك والفرس، سواء تحت لواء الإسلام أو في التوجه الرأسمالي أو الاشتراكي، قد انهارت أمام الكينونة الكردية التي لفتت أنظار العالم بأن هناك شعباً يملك إرادة قوية للبقاء والعيش مثل غيره في ظل الحرية والسلام والمودة مع الجيران والعالم.
يتضح من الهمجية التركية ضد المنتفضين الكرد إن قادة تركيا مازالوا يقبعون في ذاكرة تاريخهم الإمبراطوري المقيت، وكأن كل التغييرات العالمية لا علاقة لهم بها. إنهم لا يريدون أن يعترفوا بأن الواقع الداخلي والخارجي يبين أن التراث الآتاتوركي أصبح حاجزاً يعرقل تطور تركيا الراهنة.
فإذا كان مصطفي كمال قد أخرج تركيا من العقلية العثمانية، ووضعها في الطريق "المعصرن"، بغض النظر عن العنصرية والفاشية التي مارسها ضد الأكراد، فإن تراث آتاتورك أصبح اليوم معتقلاً لذهنية الشعب التركي والكردي معاً.
كان قادة تركيا منذ وفاة مصطفى كمال يتبارون في تقليده ، وصاغوا على ضوء أفكاره منظومة فكرية وسياسية وعسكرية ذات محتوى ديكتاتوري ومظهر ديمقراطي. هذه المنظومة التي عاشت وانتعشت في ظل تناقضات الحرب الباردة، حيث خلق الولاء لأحد القطبين العالميين، أو الانتقال من قطب لآخر، أنظمة ديكتاتورية في "العالم الثالث" سواء بالمظهر الرأسمالي أو الاشتراكي.
لقد كان النظام السياسي العسكري التركي أكثر أنظمة العالم الثالث يستخدم الخداع في التعامل مع العالم ومع شعبه. لقد خاض حكام تركيا الكماليون حروباً بالوكالة، تحت شعار الدفاع عن الإسلام في الحرب الكورية، بل كان الجيش التركي عبارة عن كتائب من المرتزقة لدى الدول الرأسمالية الغربية. لقد خلق هذا النظام مع الزمن نوعاً من عبودية غريبة، عبودية الشعب لتراث مصطفى كمال، هذا التراث الذي أصبح فوق المنطق وفوق قوانين التطور وفوق العصر. فالديمقراطية في هذا التراث هي الولاء لآتاتورك، والمساواة هي التمجيد المشترك بالدكتاتور، وأعلى درجة من الشرف هي أن تردد مقولة آتاتورك" كم أنا سعيد بأنني تركي"
ولكن حان الوقت لأن تنفض الحقيقة عن نفسها غبار الفاشية، وتبين للشعب التركي قبل الكردي أن المحتوى الديكتاتوري لهذا النظام الكمالي قد اهترى، فهو لم يعد مقبولاً، لا من الداخل ولا من الخارج. بل لم يعد العصر يعطي المجال لتجديد الدكتاتوريات بأسماء أخرى. كما تمزق المظهر الديمقراطي التركي أمام القضية الكردية التي لم تمت، وصمدت أمام جبروت الفاشية الكمالية التي كان أحفاد آتاتورك يؤججونها بشكل متواصل. والأهم من ذلك كله فقد تبين أن المنظومة الفكرية والسياسية والعسكرية الكمالية غير قابلة للانسجام مع الذات التركية الجديدة التي تسعى للارتقاء إلى الاتحاد الأوروبي، والعيش على المفاهيم الإنسانية والحضارية الجديدة.
لقد أشاع الأتراك طيلة القرن العشرين دعاية ملفقة عن الأكراد، بأنهم مجرد قبائل متخلفة يقفون حجر عثرة أمام تحديث تركيا وتقدمها وديمقراطيتها" الأوروبية". لكن هذه الكذبة هي الأخرى قد سقطت اليوم عندما أخذ الشعب الكردي يسير هو بخطوات ثابتة نحو الديمقراطية ويتمسك بالأساليب العصرية للحصول على حقه. بل نجد أن الشعب الكردي في كردستان تركيا متحمس لدخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أكثر من الشعب التركي نفسه.
إن الساسة والعسكر في تركيا( وكذلك في سوريا وإيران) لا يفهمون بأن مصلحة الشعب الكردي أصبحت مرتبطة ارتباطاً حيوياً بالتغيير والديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب،. فإذا كان ماركس قد قال في منتصف القرن التاسع عشر أن ليس للعمال ما يفقدونه في الثورة سوى قيودهم، وكان مصيباً عندئذ، فإن الأكراد في التغيير وتطبيق الديمقراطية لن يفقدوا سوى الاستبداد الرازح على كاهلهم منذ قرون. ولذلك أصبح ذلك الكردي الذي أشاع عنه المستبدون بأنه "متخلف" أصبح هذا الكردي أكثر تمسكاً بالقيم الحضارية ، وهو منسجم مع ذاته ومع عصره، بينما هؤلاء الساسة والعسكر "الأشاوس" هم المغتربون عن كل قيم هذا العصر. ولذلك عبثاً يتكاتفون في وجه رياح التغيير التي يرتعبون من هبوبها.
نعم..، لقد كشفت القضية الكردية في السنوات الأخيرة أن قادة تركيا النجباء لتراث مصطفى كمال، هم الذين يقفون ضد الديمقراطية والتطور ومفاهيم العصر وليس الأكراد. لأنهم أصبحوا يدركون أن الديمقراطية الحقيقية سوف تقوم بتفكيك البنية الفكرية والسياسية والعسكرية للتراث الكمالي( وكل التراث الاستبدادي في الشرق الأوسط)، هذا التراث الذي تحول إلى سجن لشعب تركيا كله.
يريد قادة تركيا اليوم إعادة مسرحية آتاتورك القديمة تجاه الحقوق الكردية وتجاه الديمقراطية( تلك المسرحية التي قضى بواسطتها على اتفاقية لوزان)، وذلك من خلال بعض المظاهر الشكلية في التغيير، لتأمين الدخول إلى الاتحاد الأوروبي. إنهم لا يدركون أن تركيا لن تدخل الاتحاد الأوروبي وهي تحتضن التراث الكمالي العنصري. إنهم يريدون التحايل على أوروبا(كما تحايلوا على الأكراد سابقاً) بإخفاء عنصريتهم وتخلفهم الاقتصادي والفساد الإداري واللاسلم الأهلي من أجل المرور إلى رحم أوربا التي تمثل الحضارة المعاصرة رغم كل انتقاداتنا لبعض مظاهرها. لكن الحقيقة الكردية كشفت كذبة العلمانية التركية وكذبة الإسلام التركي، وكذبة التغييرات التركية الأخيرة
لقد كشفت المجازر الأخيرة للدولة التركية العنصرية تجاه الأكراد المنتفضين، كم هي صعبة ولادة تركيا الجدية، هذه الولادة المكبلة بتراث الكمالية المقيت، هذا التراث الذي ينتعش على الدم الكردي. أنه تراث الذهنية الإمبراطورية الزائفة، هذه الذهنية التي لا تريد الاعتراف بأنه ولى ذلك العهد الذي كان حكام تركيا الكماليون يضعون الأكراد بين خيارين: إما الانصهار في بوتقة القومية التركية الفاشية، وإما التشريد والموت.
لكن ظلت الحقيقة الكردية أقوى من خياراتهم، هذه الحقيقة التي أصبحت منسجمة مع مفاهيم العصر، بعكس المنظومة الفكرية والسياسية والعسكرية لقادة تركيا اليوم، هذه المنظومة التي تتناقض بشكل صارخ مع روح العصر، وأصبحت جزء من الماضي.
لقد وصف أحدهم الأكراد بأنهم فرسان الشرق، وكان يقصد بذلك شجاعتهم في الحروب وتضحياتهم التي لا مثيل لها. ونستطيع القول اليوم أن الأكراد هم الذين سيلعبون دوراً فاعلاً في حركة التغيير المطلوبة في الشرق الأوسط، والتي ستخرج شعوب المنطقة من المأزق التاريخي الذي يكاد أن يخنقها، ولاسيما الشعب العربي والفارسي والتركي، قبل الكردي. ومن كان يريد فعلاً أن يخرج شعبه من هذا المأزق فعليه التحالف مع الأكراد، والسير معاً إلى غد مشرق، يصبح فيه التآخي القيمة العليا بين هذه الشعوب.