قرآنيون...ولكن...

حكمت حمزة
2018 / 11 / 19

تحياتي للجميع
لا يخفى على أحد من المطلعين، تواجد العديد من التيارات الفكرية الاسلامية على الساحة اليوم، و كل قارئ للتاريخ الاسلامي يعرف أن معظم هذه التيارات ليست وليدة العصر الحالي، بل هي قديمة قدم الاسلام نفسه، ولكن أكثر ما يلفت انتباهي هذه الفترة، هو تيار المسلمين القرآنيين، الذي لا يعترف سوى بالقرآن، ويستقي أحكامه وشريعته من القرآن، ويترك التراث والأدبيات جانبا، ويعمل على القرآن، وعلى تفسير القرآن بالقرآن.
يتزعم التيار القرآني اليوم، الأستاذ أحمد صبحي منصور، وهو أستاذ كبير وباحث ومفكر اسلامي، ومشهود له بسعة القراءة والاطلاع، بل هو أكبر من أن يحتاج شهادتي فيه وأنا الذي لم أتجاوز الثامنة والعشرين من العمر بعد، ولكن لا بد أن أذكر شيئا، وهو للأمانة العلمية، وهو أن الفرصة لو أتيحت لي للاطلاع على فكر الأستاذ احمد صبحي منصور والفكر القرآني قبل أن أتحول إلى اللادينية، لربما بقيت متشبثا بالإسلام بسببه لأربع أو خمس سنوات أخرى متبعا فكره، ولكن لحسن الحظ أني اتجهت نحو التفكير المنطقي الموضوعي بعيدا عن عواطفي تجاه معتقداتي ونشأتي، و أعتبر هذا أهم خطوة قمت بها في حياتي كلها حتى الآن.
يتميز الفكر القرآني الدارج هذا اليوم، بأنه أكثر التيارات الاسلامية ليونة وانفتاحا على الآخر، ويقدم لنا وجهة نظر جديدة تستحق الدراسة والتأمل التام، لأنها أتت بأفكار جديدة وصيغة جديدة لم نعتدها ولم نقم بالاطلاع عليها لأسباب كثيرة، ولكنها تشكل أفقا يوصف بأنه ممتاز للوضع الراهن، خصوصا مع الانتشار الواسع للتيارات الإرهابية الاسلامية الحديثة، التي تعتمد في كثير منها على القرآن والسنة، والتيار القرآني يقدم رؤيا أخرى قد تشكل حلا لهذا الموضوع، إذا استطاع التيار القرآني طبعا إقناع باقي أو معظم فئات المسلمين بالطرح الذي يقدمه، ولكن هل هناك أمل في هذا؟. شخصيا أرى الموضوع صعبا جدا، ويلامس المستحيل، لأن الباحث عن جذور المشكلة الاسلامية بواقعية ومنطقية وموضوعية، يعرف أن المشكلة ليست بإنكار السنة القولة عن محمد، أو باستهجان افعال اصحابه وخلفاءه، بل المشكلة تكمن في القرآن نفسه أيضا، لأنه يشكل نقطة انطلاق معظم التيارات الاسلامية التي تقطع بصحة القرآن، وهي الطامة الكبرى التي لم ولن نجد لها مخرجا، لأن جميع المحاولات التي قامت على الاصلاح، لم تغير هذه النقطة أبدا، إذ أنها بقيت ثابتة ولم يتم المساس بها أبدا، من هنا يجب إعادة النظر في اسباب فشل المحاولات الاصلاحية في الاسلام، وتلك المحاولات التي أعتبر أنا شخصيا، بأن التيار القرآني أقواها وأعظمها.
وسأحاول في السطور القليلة القادمة، تلخيص أهم أسباب فشل محاولات الإصلاح الاسلامي، والتي لا تبتعد عن نقطة صحة القرآن كاملا، ومن بين هذه المحاولات التيار القرآني طبعا، وأنوه إلى أن ما أكتبه هو وجهة نظر شخصية، ومن زاوية تفكير منطقي موضوعي دون التحيز إلى أي جهة أو دين أو تيار:
***أولا: كيف نتأكد من صحة القرآن نفسه:
أي أننا إذا أردنا اعتماد القرآن كمصدر وحيد للتشريع، فإن أول شك يتبادر إلى عقولنا عن مدى صحة القرآن، فكيف استطيع أن أتأكد أن القرآن الذي بين يدينا اليوم، هو نفسه قرآن محمد دون زيادة أو نقصان أو تحريف؟ خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار موضوع التنقيط وعدمه. وكيف نعرف إذا جمع القرآن بزمن محمد أم لم يجمع؟ وأن من نقل ونسخ القرآن منذ أيام ابن أبي قحافة وحتى اليوم، سواء النسخ اللفظي أو الكتابي، نسخه بأمانة تامة، ولم يزد أو ينقص أو ينسى شيئا؟ ما الدليل على أن القرآن الذي بين يدينا هو بنفس الترتيب، كسور وآيات وأجزاء؟
إذا كل تلك الأسئلة المنطقية تتهافت على رؤوسنا لتضع أولى نثرات الشك، فوق المصدر الذي يريد التيار القرآني اعتماده دون غيره، وتفسير نفسه بنفسه.
***ثانيا: إذا أخذنا القرآن، وتجاهلنا الموروثات كلها أو معظمها، ماذا يتبقى لنا؟
في الحقيقة لن يبقى لنا سوى الشيء اليسير جدا، ستسقط الكثير من التفاسير والأحكام والأحوال إن اعتمدنا على القرآن فقط، وأما إذا كنا انتقائيين في القبول بشيء ورفض آخر، فهذا غير منطقي البتة، لأن هذا غير محكوم لا بالعقل ولا بالمنطق، بل محكوم بالأهواء التي تفرضها علينا الثوابت الفكرية المسبقة، والمتواجدة في رؤوسنا، والتي سأتحدث عنها في الفقرة التالية، ومن أهم الأمور التي سنفقد أثرها هو ما تحدثت عنه في الفقرة السابقة، عن كيفية وصول القرآن إلى شكله الحالي المتعارف عليه، وكيفية معرفة تفسير الكثير من السور مثل سورة المزمل، المدثر، المسد، العلق...الخ، وكيف سنتأكد من أصل حكم جواز الزواج من أربعة؟ وتفصيل قصة (فلما قضى زيد منها وطرا)؟ وتفسير الآيات 33-34 من سورة المائدة؟
***ثالثا: ما هو الاساس العقلي المنطقي الذي ينطلق منه القرآنيون في وجهة نظرهم؟
دائما ما يحاول القرآنيون ربط بحوثهم واستنتاجاتهم بالعقل والمنطق، ولكن ما مدى صحة ذلك؟ إذا قررنا النظر للموضوع من ناحية أكاديمية، نجد أن القرآنيين ينطلقون من مسلمة هي أن الاسلام دين سلام، والقرآن دين رحمة، وهي في الواقع ليست مسلمة أصلا، بسبب اختلاف الزوايا التي يمكن أن نرى بها القرآن والاسلام، واختلاف هذه الزوايا بين المسلمين أنفسهم لا بين المسلمين وغيرهم، بسبب احتواء القرآن على الكثير من الآيات التي تثبت وجهة نظر عدة أطراف، و كل ما يقوم به القرآنيون للأسف، هو التخلي عن التراث، واعتبار الاسلام دين رحمة وسلام، ثم الانطلاق في لي عنق الآيات وايجاد تفاسير لآيات وكلمات بعيدة كل البعد عن العقل والمنطق المجرد، في سبيل إثبات وجهة نظرهم فقط، لا لأن وجهة نظرهم مطابقة للعقل والمنطق، وهو عمل مشابه لما يقوم به من يريدون إثبات الإعجاز العلمي في القرآن، الاستدلال بالنتيجة لا إثباتها.
*** رابعا: ما وجهة نظر القرآنيين في التخلي عن الموروث الاسلامي؟؟
طبعا شيء جيد أن تتخلى عن الموروث الاسلامي لأن ذلك يؤدي إلى حل الكثير من المشاكل، ولكن السؤال هنا، ما الشيء المقنع الذي جعل القرآنيين يتخلون عن الموروث الاسلامي؟
الجواب أيضا هنا متعلق بالنتيجة السابقة، أي الاستدلال بالنتيجة، للتأكيد على أن القرآن ومحمد رحمة وسلام، ومما لفت نظري في أحد لقاءات الأستاذ أحمد صبحي منصور، قوله بأن التراث الاسلامي مزيف، أو مشكوك بمعظمه، حتى أول السير التي كتبت عن محمد، وأن المصادر المعتمدة لم تلتقي ب ابن شهاب الزهري (إن لم تخني الذاكرة)، خصوصا موضوع غزوات محمد وحرب بني قريظة وسبايا أوطاس التي يشكك فيها كثيرا الأستاذ أحمد صبحي منصور.
وأقول هنا حسب وجهة نظري، صحيح أن أول سيرة كتبت عن محمد كانت متأخرة عنه ولم تكن في حياته، ولكن ما الذي يدفع المصادر والأشخاص الذين نقلوا عن محمد ما نقلوه، إلى هذا النقل الذي تراه لا يليق بمحمد؟، والسؤال الأهم هو أنه هل كان أولئك الناس يرون ما فعله محمد سيئا كما نراه نحن الآن؟
لو كان ما فعله محمد سيئا في تلك الفترة، من سبايا وقتل وغير ذلك، مستهجنا لدى المسلمين آنذاك، كان لا بد لهم أن يمحوه ويزوروه ويستبدلوه بالأفضل، فليس من المعقول أن يرى الناس شيئا سيئا على شخص يدعي النبوة مثل محمد، وبالعظمة التي يتمتع بها محمد كما يصوره الاسلام، ويتركوه في الكتب والتراث والأدبيات، خاصة إذا سلمنا أن التاريخ يكتبه المنتصرون، حتى لو أنهم أرادوا تبرير أفعالهم بنسبتها إلى محمد، هذا سيؤدي إلى تناقض كبير أيضا، لأن الناس في تلك الفترة، لا بد وأنها سمعت عن محمد من غير ابن اسحق، عبر آبائهم وأجدادهم، وإتيان ابن اسحق وغيره لأحداث مغايرة سيحدث بلبلة وضجة كبيرة، وهذا لا يمكن أن يتم تمريره إلا إذا كانت نسبة كبيرة مما ورد عن سيرة محمد صحيحة، أما قلب وعكس وتأليف سيرة جديدة غير سيرة وأحداث وأوصاف حقبة تاريخية محمدية امتدت لثلاثٍ وعشرين سنة، خلال مئتي سنة، فهذا ضرب من الاستخفاف بالعقل والمنطق.
أما إذا قلنا أن الأحداث تلك وقعت فعلا، ولم تكن تلك التصرفات والأفعال مستهجنة في ذلك الوقت، فلا معنى لقيام التيار القرآني بربط الماضي بالحاضر، لأن القرآن سيكون صالحا لتلك الفترة وفقط وليس لعصرنا.
وأما القول بأن معظم الأحداث المنقولة في هذه السير غير صحيحة، فهو يحتاج إلى دليل غير أن المصادر لم تلتقي بالزهري، لأنه لا يشكل دليلا أصلا، فنحن لم نلتق بالأخوين رايت الذين اخترعا الطائرة، ولم نلتق بنيوتن مكتشف الجاذبية، ولم نلتقي بدالتون، ولا كوبرنيكوس، ولم نلتقِ بأفلاطون أو اقليدس أو فيثاغورس...الخ، ولم نلتقِ بمن التقى بهم أيضا، ولم نلتق بمن التقى بمن التقى بهم.
***خامسا: مشكلة القرآن هو لغته العربية.
هناك مشكلة حقيقية في القرآن، وهذه المشكلة هي انه باللغة العربية، وكما هو معروف للجميع بأن اللغة العربية تتميز بسعة معاني مفرداتها، ولو فرضنا أننا سننظر إلى القرآن دون غيره، لا يمكن أن نصل إلى أن القرآن رحمة والاسلام رحمة وسلام كما يدعي القرآنيون، وليس الاسلام من خلال القرآن فقط هو أكثر شيء مشابه لوثيقة حقوق الانسان كما يقول الدكتور أحمد صبحي منصور، سنجد وفق اللغة العربية، شيئا رحيما وشيئا أليما، وأي حركة لتعميم صفة الرحمة، أو تعميم صفة الارهاب على الاسلام القرآني، هو ضرب من الاستخفاف بعقول البشر، لأنه لا مقياس منطقي يمكن الاعتماد عليه أبدا من كلا الطرفين، وما يتحكم في ذلك هو الأهواء الشخصية لأحد الأطراف، ومحاولة اظهار الاسلام القرآني بأنه عصري ومتحضر ومتفق مع حقوق الانسان من الطرف الآخر، وتفسير القرآن بالقرآن الذي يعتمده التيار القرآني لا أساس عقلي ومنطقي له سوى الأهواء، فتفسير القتال برد الاعتداء فقط، هو تفسير جيد صحيح، ولكن كيف نتأكد من أن كل آيات القتال في القرآن تندرج تحت هذا الحكم؟.
في النهاية، أود التنويه إلى أني مع أي محاولة للتنوير والاصلاح وأشجع عليها، طالما أن غايتها المحبة والتآخي بين الجميع، ولكن القرآنيين لا يزالون يتشبثون بفكرة أن القرآن كله صحيح، و طالما أن هذا الثابت لا زال قائما، فإن ذلك لن يلغي التطرف والإرهاب الاسلامي، بل سيجعله في سبات مؤقت، لأن الناظر إلى القرآن فقط دون الموروث، ولكن من زاوية أخرى غير التيار الذي يقوده الدكتور أحمد صبحي منصور، سيرتكب الفظائع، لذا لا بد لنا من تغيير الفهم الديني، ونقله إلى ساحة أعم وأِشمل، وهي ساحة الابتعاد عن الثوابت الشكلية، والالتزام بالمضمون، ويعجبني جدا في هذا لامجال، النهج الذي يتبعه المفكر العراقي السيد أحمد القبانجي، الذي يدعو للابتعاد عن كل الثوابت الشكلية والفكرية التقليدية، ويرسخ في الفكر البشري أن أي دي، يجب أن يبنى على المحبة والسلام والتآخي، وعلى علاقة محبة بين الإله والعبد، محبة لأجل المحبة، لا طمعا بجزاء ولا خوفا من النار، فلا دين يتزعمه إله يحرق من يعصيه بالنار، ولا نصوص تقيد الفكر الديني بأوامر ونواهي، الدين باختصار، يجب أن يكون محبة وتآخيا وتسامحاً، لإله لا يحرق خلقه لأسباب تافهة.
ودمتم بخير