آرامياً تائهاً كان أبي: اللاتاريخ في التاريخ

محمود الصباغ
2018 / 11 / 19


كلما اقرأ عن تاريخ منطقتنا تحضرني عبارة قرأتها في رواية الطبل الصفيح للألماني غونتر غراس :"في أحدِ الأيامِ التي كانوا يصنعون فيها التاريخ ،وجدوا بأنَّ المدينة جديرةٌ بأن تُحرَق .."
يمتاز الصراع العربي الإسرائيلي على فلسطين"حيازة و وتاريخ "بتشعب جبهاته و أهدافه و ثوابته ومتغيراته، وتظهر الحرب الدائرة [ في أحد جوانبها] الطريقة التي يستخدم فيها الماضي لدعم و تأييد مزاعم إثنية تنتمي لجماعة معينة دون غيرها ، و كيف يمكن لتكامل الدين والسياسة و الآثار أن يساهم في التحول إلى أداة قاتلة , باعتبار أن ما سبق ذو صلة وثيقة بالنص الكتابي ,حيث الماضي هو القوة والحاضر. يقول السير مورتيمر ويلر عن فلسطين بأنها البلد "الذي ارتكبت بحقه أعظم الآثام و الخطايا باسم علم الآثار أكثر من أي مكان آخر على سطح الأرض". ويعود هذا للتحيزات الدينية و القومية لفائدة المجال المعرفي القائم على النموذج الثقافي و التاريخي التقليدي ( الذي تخلى عنه معظم الباحثين بعد الحرب العالمية الثانية إذ بات الآن من المقبول القول بأنه ليس ثمة ثقافة وجدت "منذ ماض سحيق" وليس ثمة شعب أصيل من حيث ثقافته المعاصرة مرتبط بإقليم محدد ؛ فإذا كان المنشأ الإثني يعد حقيقياً , فهذا لا يعني أن الثقافات سوف تبدي خصائص موجودة عند نشأتها إلى الأبد).ونظرا لأن معظم أو كل الباحثين في فلسطين الانتدابية كانوا أوروبيين ومتدربين بأوروبا ، فليس من المفاجئ أن يتم نقل هذه التحيزات السابقة إلى عملهم وأيديولوجيتهم السياسية .
ويتعلم الباحث المبتدأ في تاريخ الشرق القديم أول ما يتعلم أن "لغة التوراة" ليست "عبرانية"، بل هي "كنعانية" أو كما تصفها هي (لشون كنعان)،وحتى نهاية القرن التاسع عشر كانت "التوراة" الوثيقةَ المكتوبة الوحيدة المعتمدة لعدد كبير من المؤرخين و الآثاريين باعتبارها نصاً يتضمن قوائم شعوب الشرق القديم وملوكهم وحروبهم ، وهو الأمر الذي تخلى عنه العديد من أهل الاختصاص ، فالباحث اللاهوتي توماس تومسون يرى أن القصص الكتابية "يمكن أن تكون اي شيء باستثناء التاريخ " فـ "إسرائيل" الكتاب ليست سوى قصة أدبية-ابتدأ الكتاب بتكريسها كإرث .فالكتاب عبارة عن مجموعة من القصص والأناشيد والتأملات تم جمعها و التحاور بشأنها من قبل الرواة .
وحتى وقت قريب كانت معلوماتنا المتراكمة عن تاريخ المنطقة يكتنفها الغموض و التشويش و المزج الأسطوري بين ما هو تاريخي وما هو خيالي،كما كان للجانب اللغوي مساهمة واسعة في تفسير و تأويل أسماء الأماكن و الأشخاص و الآلهة وغيرها( توصل كمال الصليبي من خلال مقاربته اللغوية إلى بناء فرضية عن تاريخ المنطقة ينظر لها البعض بجدية و اهتمام..وقد تبعه في ذلك الباحث زياد منى الذي يرى أنه على الرغم من أن مادة موضوعة الصليبي هي: الحدث "التوراتي" إلا أن أبعادها أكبر بكثير، وتوظيفها في مجال البحث العملي سيبوح بكثير من أسرار ماضي جزيرة العرب. ويطرح زياد منى مثالاً على أسلوب و آلية مقاربة الصليبي حين يجتهد-أي زياد منى-بتفسير كلمة (طوى) فهو يزعم أنها لا تعني البئر المطوية، كما يقول الإخباريون العرب، بل يرى أنها مفردة مصرية قديمة تفيد معنى التسبيح و الصلاة ويرمز لها في تلك اللغة برجل جاثٍ ورافع يداه متضرع باتجاه السماء. والقرآن يصف ذلك الوادي بأنه (مقدس) ويقول إن الله أمر موسى بخلع نعليه في ذلك الوادي (وهو أمر يرد أيضًا في التوراة)، والإخباريون العرب يقولون إن النسوة كن يخلعن أحذيتهن عندما كن يسرن فيه. وعل هذا،تساعد المقاربة اللغوية في أحيان كثيرة أثناء قراءة النص التوراتي أو أقسام منها، ضمن بيئة جزيرة العرب، سيفتح مجالات واسعة لفهم محطات مجهولة من تاريخ العرب القديم.)
فهل يمكن لهذه المنهجية ان تساهم في استخراج التاريخي من قلب الأسطوري؟
"آرامياً تائهاً كان أبي" هي الترجمة المعروفة لجملة אֲרַמִּי אֹבֵד אָבִי (أرامي أبد أبي) التي وردت في الإصحاح 26 من سفر التثنية " ثُمَّ تُصَرِّحُ وَتَقُولُ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ: أَرَامِيًّا تَائِهًا كَانَ أَبِي، فَانْحَدَرَ إِلَى مِصْرَ وَتَغَرَّبَ هُنَاكَ فِي نَفَرٍ قَلِيل، فَصَارَ هُنَاكَ أُمَّةً كَبِيرَةً وَعَظِيمَةً وَكَثِيرَةً. "(سفر التثنية 5:26)
يرى البعض ان هذه العبارة/الصرخة تشير إلى الآباء المؤسسين حسب الرواية الكتابية أي إبراهيم وإسحق ويعقوب، ويعلل البعض اقترانها بيعقوب أكثر من غيره بسبب قصته مع خاله لابان وزواجه من بنات خاله هذا. فجميع أبنائه(ما عدا بنيامين) ولدوا في آرام ، والإشارة بالقول هنا تعني أنه كان يرتحل و يتغرب من مكان لآخر. ومثل هذا الربط بين هذه الجملة و الآباء الثلاثة لايعود إلى معنى الجملة الحقيقي كما يمكن أن تفهم من سياق الإصحاح بل تم الاعتماد على هذا التأويل من خلال الإدعاء بوجود أرض أو إقليم أو شعب يدعى آرام وأن لهؤلاء الآباء علاقة ما بهم ،كما هو حال قصة يعقوب السالفة الذكر كما يخبرنا سفر التكوين في الإصحاح 28"قُمِ اذْهَبْ إِلَى فَدَّانِ أَرَامَ، إِلَى بَيْتِ بَتُوئِيلَ أَبِي أُمِّكَ، وَخُذْ لِنَفْسِكَ زَوْجَةً مِنْ هُنَاكَ، مِنْ بَنَاتِ لاَبَانَ أَخِي أُمِّكَ. " ..الملفت في الأمر أن هذا السفر يتحدث عن موسى،فهل موسى من صرخ بهذه العبارة،ثم ماذا تعني كلمة آرامي هنا،؟هل هي اسم علم لبلد ما أو إقليم أو لشعب يسكن أرضاً ما ،أم هي صفة؟ ومن الواضح ان الالتباس في التفسير يعود للترجمة الخاطئة لكلمة"أبد" في النص الأصلي"ع اساس شو؟إنه بقية الجملة مفهومة قال".
غير أن تفحص دقيق للجملة يضعنا أمام مأزق تحديد معنى "آرامياً"الواردة في النص ،وبالعودة إلى جذر "أرم" في العربية نجد ان أحد معانيه "الهلاك و القطع"،فيقال أرم القوم إذا هلكوا ،وأما جذر أبد في العربية فيعني التوحش و التأبد ومنها أتت الأوابد أي الوحوش البرية التي تسكن بعيداً عن البشر ،والتأبد يفيد معنى التوحش و الانقطاع، ‏وهذا ما قد يتوافق مع فكرة القاتل الهارب: "أرامي أبد أبي" قاتل هارب او شارد أبي ،وبالتالي لا يتحدث السفر عن شعب آرامي و إقليم لهذا الشعب ، بل عن شخص يصف معاناته كقاتل او استحضار لأب أسطوري قاتل"قابيل مثلا" أو موسى اوقصته المعروفة في الإصحاح الثاني من سفر الخروج ،حين قتل رجلاً مصرياً وطمره في الرمل،ثم خاف ان يفتضح امره ففر هارباً إلى بادية مدين " 11وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ، فَرَأَى رَجُلاً مِصْرِيًّا يَضْرِبُ رَجُلاً عِبْرَانِيًّا مِنْ إِخْوَتِهِ،12 فَالْتَفَتَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ، فَقَتَلَ الْمِصْرِيَّ وَطَمَرَهُ فِي الرَّمْلِ. 13 ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَإِذَا رَجُلاَنِ عِبْرَانِيَّانِ يَتَخَاصَمَانِ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: «لِمَاذَا تَضْرِبُ صَاحِبَكَ؟» 14 فَقَالَ: «مَنْ جَعَلَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟ أَمُفْتَكِرٌ أَنْتَ بِقَتْلِي كَمَا قَتَلْتَ الْمِصْرِيَّ؟». فَخَافَ مُوسَى وَقَالَ: «حَقًّا قَدْ عُرِفَ الأَمْرُ». 15 فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ هذَا الأَمْرَ، فَطَلَبَ أَنْ يَقْتُلَ مُوسَى. فَهَرَبَ مُوسَى مِنْ وَجْهِ فِرْعَوْنَ وَسَكَنَ فِي أَرْضِ مِدْيَانَ، وَجَلَسَ عِنْدَ الْبِئْرِ."
"آرامياً تائهاً كان أبي " نداء مجازي لاستدعاء أسطوري تناقله المؤمنون بقصة موسى وظلوا يرددوه (باعتباره أبيهم الديني،كما هو حال إبراهيم "أبو الأنبياء" وآدم"أبو "البشر"،فإن كان الأمر كذلك فهذا يعني فتح أفاق جديدة في فهمنا لمعنى مقولة"قتل الأب"الاوديبية التي قال بها فرويد، ولمقولات عديدة لها علاقة بمعاني التحريم و القداسة،قد لايتحول الأب الأسطوري إلى أب مقدس ما لم يكون قبلها قاتل طقسي بطريقة ما والجملة السابقة قد تؤدي مثل هذا المعنى والإقرار بكل من حالة القتل الطقسية و القداسة في آن معاً.وربما ظهر هذا النسق الكقسي في مرحلة ما مع بداية المجتمع"الذكوري" الذي أضعف-دون أن ينهي-طقس الأم الكبرى (الآلهة الأم التي عبدت في العصور الحجرية المتأخرة حيث كان المجتمع أنثوياً بكل تفاصيله, باعتبارها أصل الكون والمركز الذي خرج منه العالم وخلقت منه الآله . ومع بداية الزراعة وتحول المجتمع إلى مجتمع ذكوري لم تفقد هذه العقيدة أهميتها بل استمرت متجسدة في عقيدة الخصب تحت أسماء عديدة ومفاهيم دينية أكثر تعقيداً تتمحور حول الإله المخصب الذي ولد من أم عذراء, فيما بعد أصبح ابنها وعشيقها وزوجها إلا أنه مات فقامت خليلته أو أمه بالنزول إلى العالم السفلي لتعيده إلى الحياة مرة أخرى وقد اتفقت الآلهة على أن يقضي أخيرا نصف السنة معها و نصفها الآخر بعيدا في العالم السفلي. تعتبر عقيدة الخصب تمثيلا رمزياً لدورة الأرض في فصولها الأربعة, بما أنه الإله المخصب فإن موته وذهابه إلى العالم السفلي سيفقر الأرض ويغير ملامحها - ومن هنا تأتي رمزية فصلي الخريف والشتاء-, ثم مع قيامته من جديد تنعش الأرض و تكتسي بلونها الأخضر وبعشبها - ومن هنا تأتي رمزية فصلي الربيع والصيف- وتتكر موتيفة ولادة هذا الإله المخصب بتنويعاته المحلية المختلفة مثل قصص ولادة أوزيريس و أتيس و بوذا و كريشنا و ديونيسوس و ميثرا ...و يسوع المسيح وغيرهم
الملفت للنظر أن هؤلاء جميعاً ولدوا يوم 25 كانون أول*.
وإذا ما نظرنا إلى مدى سهولة الطعن في المرويات الكتابية"التاريخية" بسبب التمازج المعرفي المعاصر للأصولية المسيحية و النزعة القومية و واللاهوت والسياسة الاستعمارية فثمة من يرى أن نصوص العهد القديم هي في الأساس منتج خيالي حديث يتضمن محتوى تاريخي افتراضي غير روائي, مما يدفعنا إلى تفكيك الأساطير المتضمنة فيه من أجل تبني عن إطار تاريخي بديل "غير كتابي" يكون له شأن في اتجاهات البحوث الأكاديمية المنخرطة في التاريخ، وهذا ما ليس تمرين ذهني وبحثي سهل ،فمن الواضح أنه يصعب تجنب الرموز الحساسة التي تعود لماضٍ سحيق أصبحت مرتبطة بقضايا السياسة و أساطير التأسيس القومي للأمم و الشعوب.
........
*-أتيس ولدته العذراء نانا 25 كانون أول. وكان أبوه إله أيضاً وسمي الفادي او المنقذ لأنه مات مصلوباً على شجرة للحفاظ على الجنس البشري ،كما أنه قام من موته في اليوم الثالث حيث وجد الكهنة تابوته فارغاً وكانت عبادته تقضي القيام بطقس العمادة كتعبير عن " الولادة من جديد "وغسل ذنوبهم كما كان لديهم طقس سنوي يأكلون فيه الخبز ويشربون الخمر كمكاز لجسد ودم أتيس و كان يلقب باسماء وصفات مختلفة مثل: " الراعي الصالح ", " الإله العالي ", " ابن الإله ", " المنقذ ".
-بوذا ابن العذراء مايا ولد في 25 كانون أول وقد أظهرت النجوم بشارة مولده وغنت الملائكة في هذا اليوم العظيم الذي حضره حكماء ورجال أتوا محملين بالهدايا ليشهدوا مولد بوذا .تعمد بوذا في الماء وصار معلماً وهو في الثانية عشر من عمره وله العديد من الأعمال الإعجازية كما تروى (منها سيره فوق الماء).ومن ألقابه :" حامل النور ", " المعلم ", " نور العالم "،"ملك الملوك"،"النجار"،"حامل الآثام". يقال انه مات على الصليب! ولكنه عاد للحياة ورجع الى السماء وسيعود يوماً ليقاضي الناس.
- ديونيسوس المولود من عذراء يوم 25 كانون أول هو الذي حوّل الماء إلى نبيذ ،وكان يعرف بالقاب " ملك الملوك ", " الابن الوحيد للإله ", " الفادي ", " المنقذ ", حامل كل الخطايا ", " الممسوح بالزيت أو المسيح ".كانت النساء الإغريقيات يغنون بصوت عالٍ في يوم ميلاده : "يولد لنا ابن هذا اليوم!"
-كريشنا الهندوسي ولدته العذراء ديافكي في منتصف ليلة الخامس والعشرين من شهر سرافانا الموافق 25 كانون أول داخل كهف ،فشعت المغارة بنوره الساطع ،كما أعلنت النجوم عن ميلاده وأحبه الرعاة منذ ساعة مولده، ولد كريشنا في عصر الملك كانسا الذي أمر بذبح الأطفال الذين ولدوا في ذلك اليوم على أمل التخلص من كريشنا دون جدوى.مات كريشنا مصلوباً لكنه صعد الى الجحيم ثم نهض ثانية في اليوم الثالث وصعد الى الجنة.
- ولد الإله ميثرا يوم 25 كانون أول. زاره يوم مولده ثلاثة من الحكماء و جلبوا معهم هدايا ومصوغات ذهبية وقدموها الى ام الوليد تبركاً بقدومه الى العالم. وكان له 12 تلميذا (يمثلون الأبراج) كما تعرض لغواية الشيطان .وكان اتباعه يتعمدون بالماء .سجد له عظماء المجوس و هو طفل، و قد صلبوه على خشبة و دفنوه في تابوت صخري و قام في فصل الربيع في اليوم الذي يتساوى فيه الليل مع النهار(يوافق موعد عيد الفصح المعاصر) .
- أوزيريس: مولود من العذراء ايزيس – ميري في 25 كانون أول.أعلنت النحوم عن ميعاد مولده احتفل المصريون القدماء بموته وقيامه كل عام في يوم الانقلاب الشتوي.