العرقنة

جعفر المظفر
2018 / 11 / 18

مفهوم العرقنة لا يأتي هنا فقط كحل لمشكلة الأكراد مع العراق أو العراق مع الأكراد, لأن هؤلاء في الحقيقة ليسوا وحدهم من يعيش أزمة الإندماج في مفهوم الوطن العراقي, رغم أنهم اليوم, ومن الناحية السياسية, الأعلى صوتا في التعبير عن هذه الأزمة.
الواقع أن مفهوم الدولة الوطنية كان قد عاش أزمته حتى مع الأحزاب الماركسية منها والقومية التي قد تجد فيه, خاصة من الناحية الفكرية, حالة نقيضة للعقيدة التي تؤمن بها.
أما على الصعيد الإجتماعي فإن الدين أيضا إذا ما تسيس فهو سينتهي إلى حالة التناقض مع مفهوم الدولة الوطنية التي لا يمر تعريفها دون الوقوف أمام عمق ترابطه مع مفهوم السيادة. المفهوم الأخير يتقاطع دون أدنى شك ومفهوم الدول الدينية التي لا تجد صعوبة تذكر لتفسير تبعيتها المرجعية بشكل يتخاصم بالنتيجة وحاجات السيادة الوطنية.
لقد كنت أنا بالذات منتميا ومؤمنا بفكر قومي عروبي لو أحسنا وأخلصنا قراءة تجاربه السياسية عبر المراحل المختلفة السابقة لوجدنا كم كانت حركته السياسية مخطئة في تصريف علاقتها مع الحكم الوطني لعبد الكريم قاسم يوم توجهت منذ اليوم الأول الذي أعقب إنهيار الحكم الملكي لـ (إلغاء) حالة الدولة الوطنية العراقية من خلال المطالبة بالوحدة الفورية مع نظام الزعيم القومي العروبي جمال عبدالناصر.
وكان ذلك التقاطع قد أدخل العراق في الفوضى السياسية المعروفة التي أدت إلى إنهيار جمهوريته الأولى والتأسيس لحالة الخصومات السياسية التي ظلت تتفاعل لكي تنتج أشكالها المزمنة على الأقل بين القوميين من جهة والماركسيين والوطنيين من جهة أخرى.
أما الماركسية ممثلة سياسيا بالشيوعيين فرغم انها كانت الأنضج سياسيا على التعاطي مع قضية المراحل, غير ان ذلك لم يكن قد حال بينها وبين القفز على حاجات الإلتزام الحقيقي بمفهوم الدولة الوطنية من حلال تبعيتها للمركز الأممي.
إنها أزمة عاشتها الأحزاب - القديمة - وهي اليوم تعبر عن نفسها بمستويين, الأول خاص بالأكراد أنفسهم الذي يتقاطعون قوميا مع حالة الدولة الوطنية العراقية من خلال حلم إقامة دولتهم المستقلة الخاصة بهم. والمستوى الثاني خاص بأحزاب الدين السياسي الذين ما إن تقدر لها إستلام الحكم بعد الإحتلال حتى دخلت في مرحلة سياسية ذات طابع أزموي بين دولة وطنية يكنون لها العداء السياسي والفكري وبين وظيفتهم الجديدة كقيادة لها, اي أنهم صاروا في وضع الخصومة والحكومة في ذات الوقت فراحوا على المستوى الإجتماعي يقطعون الدولة الوطنية بسكين المكونات الطائفية والقومية.
أما على المستوى السياسي فصار واضحا أنهم يفتقدون إلى مقومات الحالة الوطنية السيادية التي يسبب غيابها تحولهم إلى تَبَعٍ إقليمي وأما على الصعيد الأخلاقي والفكري فهم لن يجدوا صعوبة في تصريف عملية نهبهم الإقتصاد الوطني وفق مفهوم غنائم الحرب ضد خصم إنتصروا عليه ولم ينتصروا له.
وهكذا نجد أن الأكراد لم يكونوا وحدهم الذين تقاطعوا مع مفهوم الدولة الوطنية, ولإن جاء تمظهر هذا التقاطع بشكل مختلف.
ويوم نقول أن علينا جميعا أن نعيد بناء عمق إرتباطنا مع مفهوم الدولة الوطنية العراقية من خلال مفهموم العرقنة فلم يكن ذلك قد عنى أن يتخلى الجميع عن تنوعاتهم القومية والدينية, وإنما إلى إعادة تأصيل علاقتهم بمفهوم الدولة الوطنية العراقية.
خلال العقد والنصف الأخير والمؤرخ مع بداية الإحتلال الأمريكي للعراق ومرورا بأزمات ما سمي وقتها بالربيع العربي ووصولا إلى الماساة الدامية التي تعرضت لها سوريا الوطن والشعب فإن هناك ثمة دروس أساسية علينا إستيعابها.
في سوريا والعراق على وجه الخصوص ونتيجة للثنائيات العرقية (مصر تعيش إزدواجية الدين أكثر مما تعيش إزدواجية الأعراق السورية والعراقية) فإن العقد والنصف الأخير تسيدته فوضى إعادة التكوين. بالنسبة لنا على الأقل .. هذا النوع من الفوضى هو الذي كان خلاّقا, وليس ذلك الذي جاءت به كوندليسا رايس.
فوضانا الخلاقة أطاحت نهائيا بالأصولية القومية والدينية لتفسح الطريق أمام تقدم (أصولية وطنية عراقية) علينا جميعا أن نلتزم بها, لا كحالة نقف عندها ولها, وإنما كبوابة ندخل منها أقوياء موحدين إلى رحاب عالم إنساني أوسع.
ولنتذكر أن التاريخ بالاصل كان قد دخل من هذه البوابة, أي بوابة العراق, أو أوروك, أو بلاد ما بين النهرين, أو الميزوبوتاميا. حيث تعددت الأسماء والبيت واحد. وحيث لا يملك دين لوحده أو قومية لوحدها الإدعاء أن البيت كان له وحده.
فلماذا لا ندخل من هذه البوابة نحن أيضا ؟ وقد كنا جميعا قد دخلنا منها على دفعات