تأويل الجنس

الطيب عبد السلام
2018 / 11 / 14

تأويل الجنس

الح على تأمل البداية، لإنها بداية حدوث المشروعية للكائن، بداية تاريخه الشخصي، الضوء الساطع في الأفق.
إنه بحث عن أنفسنا، بحث عن قداسة الحدوث، شكر للبذرة على حلاوة ثمرها.
و شكر لجد قفز عن الشجرة و قرر المشي على قدميه، شكر لمن ضرب حجرين ببعضهما و اوجد الشرارة الاولى.
و في خضم هذا الشكر، نتوق جدا لشكر أسلافنا من الحيوات، الحيوان المنوي الذي كناه و البويضة التي كانت سكينته و مأواه.
إنها أقوى ما فينا، نرجسيتنا بوجودنا، نرجسيتنا بصورة فوتغرافية تخصنا ألتقطت لنا في زمن غابر، زمن يعتق النبيذ و يعتق الذات و يفتحها على التاؤيل و النرجسية الخفية.
لكن من نحن، ما الحيوان المنوي الذي كناه بل ما هو الجنس إبتدارا؟
و التاريخ العزيز يملك الإجابة، و الراهن يملك التاريخ، و حلاوة الثمرة تملك إسم البذرة.
إن وجودنا ما هو إلا توق مستمر للعودة! او كما قال درويش بصوته المتأمل على لسان صديقته في نصه بغيابها كونت صورتها.
نحن الحنين الأبدي لتاريخنا، نحن من نحب الموسيقى من المرة الثانية، و لا بد من مرة ثانية فإن لم يتطابق اللحن فقد إلتقى الأيقاع بإيقاع سابق، إن المعرفة هي التذكر المستمر و الغزل الأبدي في سقف التاريخ، إذ أنه لا شئ خارج التاريخ.
إذا ما هو الجنس.. ما هي تلك اللذة؟
هو الرغبة في التحقق في التاريخ، الجسد و هو يلهث ليحقق مشروعيته و يلتحق بقداسته الاولى، الإنفاس و هي تعلو لتغرق في سديم الإنتشاء، لذة الإنوجاد.
إنه الذكر يركض خلف تاريخه في الأنثى، خلف مشروعيته الاولى، خلف صورته الفوتغرافية البعيدة، و هي الأنثى تستعيد أمومتها للجسد الذي أثمرته،تستعيد إمتلاكها الاول له فهي مرعى الخيل و بركة التخثر و الإختمار.
هي مختبر الظهور و معمله و هو الإحتمالات الا متناهية لتنجو منها واحدة.
تستعيد اوليتها في الظهور و وجودها الاول في البرية حينما لم يكن يقاسمها سواها أحد.
هي لذتها، عودتها لسطوعها الباهر في السماء السطوع الذي نمت في عشبه الاحياء.
و من ثم لذة أمتدادها و تجدد ظهورها و حياتها الثانية و نسخة أخرى ستهزم الموت بدورها، إنتصار على الصمت و وفاء لإرادة الحياة و البقاء.
يلتحم كلا الباحثين عن ذواتهما الاولى في إفناء و أيجاد، أخذ و عطاء، رحلة بسيارة الزمن إلى وراء الوراء، للصورة الفوتغرافية المعلقة على جدار الفكرة، بحث عن الذات في صيروراتها المتعددة، نية في إعادة تمثل التحقق في عالم الفكرة و في عالم الماء و في عالم "كسونا العظام لحما".
العودة لعتمة الغياب، حيث سيولد الضوء، حنين الضوء للعتمه التي كانها، و الإنتظار المترقب لما سيسفر عنه هذا الصمت، و ترقب للطريق الذي ستظهر بعد قليل أقدامنا عليه.
إنه اللذة بتخيل الإنفجار العظيم، الأغوار الساحقة للكون، و دوران الشمس حول المجهول.
إنه همسها في أذنه : "أريدك كلك" و همسه في أذنها : "اريد أن اكون فيك بكلي"، تنقيبه فيها عن حضوره الاول، و أحتوائها للبذرة التي ستنمو منها و تنمو فيها، تجليها بغيرها و وجودها مجددا و هزيمتها للفناء و العدم.
إنه عيناه المشتهية للجسد الفارع الذي سيروي جوعه و يؤؤي وجوده، فما الحاضر إلا التاريخ و كأننا لم نمضي بعيدا و كأنه" هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكوارا".
و كأن ما كان و يكون هو التاريخ و كأن ما قيل و ما يقال هو الرمز و كأن الوجود سعي بين صفا التاريخ و مروة اللغة.