برقية إلى … نادية صالح

فاطمة ناعوت
2018 / 11 / 13

حبيبتي وأستاذتي الجميلة الإعلامية الكبيرة "نادية صالح".
تحية طيبة وبعد.
وصلتني برقيتُك الراقية الودودُ، بتاريخ 29 أبريل 2016. منعني أمرٌ صعبٌ من الردّ عليكِ آنذاك. فقد كنتُ أقفُ خلف شجرة أرقبُ السجّانين وهم يجدلون أسياخَ الحديد ليضفروا قضبانَ السجن الذي قرّروا وقدّروا أن أُلقى في عتمته سنواتٍ حتى أكفَّ عن الرحمة. واليومَ، حانَ وقتُ أن أردَّ على برقيتك بعد عامين ونصف من تسلّمي إياها. لا أعلم العنوانَ الذي سوف أرسلُ إليه برقيتي إليكِ. فأنتِ الآن في مكان عالٍ وسامٍ لا تصل إليه البرقياتُ ولا تطالُه أيادي سُعاة البريد. لهذا؛ سوف أخطُّ برقيتي على ورقة ثم أنثرُ قُصاصاتِها في الهواء؛ حتى يحملَها النسيمُ إليكِ... حيث تكونين.
أكتبُ برقيتي إليكِ في عتمة الليلة التي تركتِنا فيها وطارت روحُك إلى السماء. أكتبُ إليكِ رسالتي قبل أن يواروا جسدَك الكريم عند الصباح في ضريحكِ، الذي بالتأكيد سوف يكون حانيًا عليكِ؛ مثلما كنتِ أنتِ حانيةً عليَّ، وعلى الجميع.
لماذا ظللتُ أؤجل، وتؤجلين، وأؤجل، وتؤجلين، لقاء لم يتم أبدًا في بيتي؛ لكي تتفقدي مكتبتي؛ من أجل أن تحظى بالخلود في حلقة من برنامجك الخالد: "زيارة لمكتبة فلان"؟! علّك من حيثُ عُلاكِ الآن تنظرين إلى مكتبتي لتعرفي ما فوق أرففِها من أسرار وأخطارٍ وكنوزٍ وأصدقاءَ وطلاسمَ وألغازٍ وأُحجياتٍ وفرائدَ صنعتْ عقلي الذي أتعبني وأجهدني ورسم لي دربيَ الشاقّ العسير.
الدموعُ تغلبني الآن وأنا أكتبُ إليكِ. ولستُ أدري هل ستقرأين كلماتي هذه غدًا أم بعد عام، أم لن تقرأيها أبدًا. فربما شغلك الفردوسُ عن كتاباتنا الأرضية التعسة. ففيمَ ولمَ يُضيّعُ المرءُ وقتَه في قراءة تباريح الأرضيين؛ بينما بوسعه أن يُغمضَ عينيه ويستلقي على ضفاف نهر الجنّة، ثم ينعمُ بزقزقات وشقشقات أغاريد طيور الله وهي تحطُّ على أغصان السِّدرة التي تشرب ماءها من نهر عدن؟!
كانت ليلتي عصيّةً وقاسيةً يا حبيبتي. ضرب الوجعُ قلبي وتعثّرت قدمي فسقطتُ وجُرحت ساقي. لكنكِ لم تكوني هناك لتحضني جُرحي؛ مثلما حضنتني قبل عامين في منزل السفيرة "مشيرة خطّاب". هل تذكرين؟ عانقتني بحبٍّ وجمعتِ بين راحتيكِ الحانيتن نُثارَ قلبي المصدوع وأنت تهمسين لي: "لا تخافي يا فاطمة، كلّنا معكِ. واللهُ معكِ من قبلنا ومن بعدنا."
لن أنساكِ ما حييتُ يا أستاذتي. ولن أنسى كلماتِ الودّ والحبّ والتشجيعّ التي كنتِ تدعمينني بها وقتَ أزمتي وبعدها.
ارقدي في سلام أيتها الغالية. ونامي ملءَ جفونكِ عن شواردِها، فقد أورثتِنا جبلاً هائلاً من التاريخ الإذاعي الرفيع؛ سنعيش عليه آمادًا طوالا من بعد رحيلك عنا.
فاطمة ناعوت
***
برقية "نادية صالح" إلى "فاطمة ناعوت" بتاريخ 29 أبريل 2016

إلى الزهرة البريّة المصرية "فاطمة ناعوت"

إلى مَن يحملُ اسمَها بكلّ الإيمان والتسليم اسمَ بنت النبى. إلى المهندسة والشاعرة أو الشاعرة أولا والمهندسة ثانيًا.. إليك (فاطمة ناعوت). أصدق دعواتى أن تختتم قضيتك بالبراءة إن شاء الله. ولعل صمودك وشجاعتك ثم عودتك من كندا والإمارات دون خوف من السجن، لكلمات كتبتها ثبرقة قلب رآها البعض تجاوزا -وياللهول- وازدراء للدين، رغم تقديمك بيانًا يشرح مقصدك، أقولُ لعلّ ذلك يكون سندًا لتبرئتك وبراءتك من هذه القضية.
عزيزتى الشاعرة الحرّة والمسلمة الحانية، التى هزها كما كتبت مؤخرًا دعاءُ أحدهم أو بعضهم على ظالميهم بالهلاك فى أنفسهم وأهلهم وأموالهم وأولادهم وبيوتهم فى انتقام عاجل غير آجل، كما قالوا وكتبوا فى دعائهم. ولكن قلبك لم يطاوعك على تقبّل هذا، وحرصت على أن تُذكّريهم بأنه: "لاتزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى"، كما قال لنا الحق سبحانه وتعالى. وأدعوكم أيها السادة إلى قراءة كلمات الشاعرة "فاطمة ناعوت"، وانتقادها الدعاء على الظالمين بالويل فى مقالها: (كيف ندعو على ظالمينا؟) بعمودها جريدة (المصرى اليوم) بتاريخ 25 أبريل 2016، لتعرفوا جيدًا من هي فاطمة، وحقيقة إسلامها السمح والطيب.
ياعزيزتى فاطمة.. هذه برقية سريعة إلى مسلمة طيبة سمحة الخلق طيبة القلب، كادت أن تدعو بالخير حتى على ظالميها. وبإذن الله هو ناصرك ومخرجك من هذه الضائقة بإذنه ومشيئته.
نادية صالح



***