كيف نجعل من النقد الديني أكثر فعالية وفائدة

حكمت حمزة
2018 / 11 / 12

خلال أواخر القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، انتشرت المجموعات الاسلامية المتطرفة والمتشددة بشكل كبير في دول عدة، وسقط العديد من القتلى والضحايا نتيجة الصراع مع هذه التنظيمات، ترافق ظهور الفكر المتشدد الحديث، مع ظهور عدة مفكرين في العالم العربي والاسلامي، ممن وقف في وجه هذا التيار المتطرف، وبدأت الدعوات تنتشر تحت عدة مسميات، منها العودة إلى الاسلام الصحيح المعتدل، ومنها الدعوة إلى علمنة الدولة...الخ، وجميع هذه العناوين تتشارك بنقطة واحدة، وهي نقد الفكر الاسلامي الأصولي، طبعا مع اختلاف حدة ونوع النقد، وهو ما أريد التحدث عنه في السطور القادمة، مع التنويه إلى أني لست بوارد نقاش صحة الدين من عدمه، و إنما أريد فقط أن أناقش نقد الدين ونتائجه على ضوء المستجدات الأخيرة.
ومع دخول الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على الخط، تزامنا مع ازدياد وتعدد الجماعات الاسلامية المتطرفة، لجأ الكثيرون إلى التخلي عن دينه الاسلامي، متوجها إلى أديان أخرى (المسيحية بشكل خاص، مع نسبة نادرة ممن تحول إلى شهود يهوه)، أو توجه للإلحاد أو الربوبية أو اللاأدرية، بغض النظر طبعا عن كون هذا التحول نابعا عن قناعة وقراءة وتبحر، أم عن ردة فعل نتيجة لكل ما شهدناه، خصوصا أن وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت، قادرة على نقل الفظائع والجرائم لنا في الحال.
لا شك أن وضعنا السابق المزري، كان نتيجة لما نحن عليه الآن، فلا أحد يستطيع إنكار السيطرة الاسلامية على منابع الثقافة ومصادر التاريخ والعلم والأدب، وممارستها لدور الرقيب على ما ينشر وما يتم تداوله في الأسواق وبين أروقة القراء، ومما لا شك فيه أيضا أن تحرر القانون والانسان من التسلط الدينية عليه أصبح مطلبا ضروريا كخطوة أولى، في سبيل معيشة أفضل، وحياة أكثر أمنا واستقرارا لكافة المواطنين على الصعيدين المحلي والاقليمي.
توجه دعاة التحرر والعلمانية (سواء كانوا دعاة حقيقيين أم شكليين)، إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لسهولة استخدامها وسعة انتشارها، وكما قلنا سابقا بأن نقد الاديان (وخصوصا الاسلام كونه السبب الرئيسي لما نحن فيه الآن)، هو المرتكز الأساسي المعتمد في هذا النوع من الطروحات الفكرية، وبناء على ما شاهدته من خلال تجربتي الطويلة نوعا ما، يمكن أن يصنف ناقدوا الأديان(سواء كان نقدا فكريا أو فلسفيا أو علمياً) تحت عدة تصنيفات:
i. ناقد من أجل النقد فقط: هذا النوع يطرح أفكاره التي يتبناها من أجل أن ينتقد الأديان فقط، سواء كانت مرفقة بأدلة قاطعة أم لا، أو كانت مشروحة بشكل وافٍ أم لا، فهو يكتفي بطرح أفكاره التي تحمل طابعا هجوميا على الآخرين، والبعض من هؤلاء لا يقبل أن ينقده من هو في نفس تفكيره، هو مهتم بفكرة واحدة هو نقد الأديان فقط وإظهار بطلانها، دون أن يكون له هدف محدد لما يقوم به، أو ربما يكون لديه ولكنه لا يستطيع أو لا يعرف أن يعبر عن ذلك.
ii. الناقد الناقم الكاره: هذا النوع الذي يبث في نقده خطاب كراهية الآخر، يمكنك بكل سهولة أن تستشف من تصريحاته وكلماته، صورة الكراهية، و أن تشتم رائحتها المميزة. ببساطة، هذا النوع يكره الطرف الآخر الذي ينقده، ولا يستطيع أن يتعايش معهم، وهذه الظاهرة منتشرة بين بعض الملحدين تجاه المسلمين (طبعا هناك الكثير من المسلمين الذين يكرهون الملحدين ويريدون قتلهم أيضا).
iii. الناقد الهادف إلى الاصلاح: هذا النوع يقوم بما يقوم به بهدف المساهمة في التحول نحو الأفضل، قد يهدف إلى نشر الوعي الفكري بهدف التعايش السلمي ونشر المحبة بين الجميع أو نشر العلمانية، ومنهم من يقوم بذلك بهدف إيصال فكرة الدين الحقيقية و إفهام الجموع بأن الأديان ليست تشريعا للحكم، أو مصدرا للمعرفة. وحقيقة هذا التصنيف ليس حكرا على اللادينيين، بل يحتوي أسماء مشهورة وعقولا مشهودا لها، ذات خلفية دينية، من هذه الأسماء، أحمد القبانجي، إياد جمال الدين، سيد القمني.
وهذا شرح مختصر عن نقاد الدين، كما نشاهدهم، أو أشاهدهم أنا، عبر الواقع الحقيقي أو الافتراضي.
بالنسبة للطرف الآخر، أي المتدينون، وبطبيعة الحال في بلادنا هم المسلمون كونهم أغلبية، يختلفون أيضا اختلافا شديدا في ردة فعلهم وطريقة تعاطيهم مع النقد المطروح، وهذا من ناحية طبيعي، بسبب اختلاف شكل ومضمون الطرح النقدي المقدم لهم، و فيه شيء من اللامنطق من ناحية أخرى، كونهم غير مستعدين للتعاطي مع النقد على أنه أمر يجب مناقشته ويحتمل الخطأ والصواب، بل أكثرهم اعتدالا ينظر إليه، على أنه خاطئ وأن المعتقد الديني صحيح، وأن هذا ناجم عن خطأ أو قصور في الفهم لدى الناقد.
إذا نحن أمام جملة مكونة من نقد بعدة أشكال، ومستقبلي نقد أيضا بعدة أشكل، ونتيجة التباين والتمايز بين الفئتين معا، وبين كل فئة على حدة، لا بد أن نواجه العديد من المشاكل والعقبات، والتي قد تكون عائقا أما عجلة التطور والنهضة التي تدور وتجري للحاق بركب الدول المتحضرة والمتطورة، ولهذا وجب علينا محاولة إصلاح الفكر النقدي بنفس القدر الذي نهتم فيه بإصلاح الفكر الديني، للحصول على أقل نتائج ممكنة، بالتزامن طبعا مع العمل على إحداث تغيير فكري وثقافي لدي المتدينين البسيطين، وإتاحة الموارد والمصادر بين يديهم، لفهم الفكرة بشكل صحيح واستيعاب الفكرة النهضوية الحداثوية التي يدعو لها المفكرون التنويريون الحقيقيون.
ووفق رؤيتي الشخصية، أرى أن دعوات التحرر ستصبح أكثر فعالية إذا اتبعنا الخطوات التالية:
1- تحويل مجرى النقد من إظهار بطلان الدين، إلى الدعوة للإصلاح:
وهذا عامل ضروري جدا إذا ما أردنا استثمار الجهود المبذولة في النقد، وعدم جعلها هباءً منثورا، لأن صيغة النقد الحالية المستخدمة توحي بأنها تهاجم الأديان، وتهدف إلى إثبات بطلانها، أي أن النقد يظهر للمتلقي وكأنه يهدف إلى إثبات أن الأديان مجرد كذبة أو خرافة، وهذا ما قد يشكل انعكاسات وارتدادات خطيرة، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الدين ليس فقط مجرد ايديولوجيا عاش عليها الانسان منذ طفولته، بل هي تشكل للكثيرين انتماء وهوية شأنها شأن الوطن، وهي جزء لا يتجزأ من ذات المتدين، وعندما يحس بأنك تستهدفها، ستكون كأنك تستهدفه وتريد احتلال ذاته واقتلاع جزء منها، وبالتالي سيدافع عنها بكل شراسة وضراوة، مع الأخذ بعين الاعتبار أيضا قدسيتها ومصدرها السماوي بالنسبة له.
2- توضيح الصورة الحقيقية للحرية والديموقراطية والعلمانية بالنسبة للمتدين العربي:
لأن أغلب رجال الدين (المسلمين تحديدا) يصورون العلمانية والديموقراطية بأنها الشيطان الأكبر، و يقومون بتشويه صورتها عبر عدة وسائل وطرق، ففي الشمال السوري مثلا، في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم القاعدة، لا تكاد شارعا يخلو من لافتة كتب عليها( العلمانية كفر) أو (الديموقراطية شرك) أو (الديموقراطية دين الغرب)، أما في الأوساط المعتدلة نوعا ما، تصور العلمانية والديموقراطية على أنها محو لهوية الفرد، وقانون سيسن لإجباره على الابتعاد عن دينه، وتصور لهم الحرية على أنها مكونة من شقين فقط، الأول انتشار الخمور في الشوارع، والثاني تعري وتبرج النساء وممارسة الزنا في الشوارع والطرقات. بينما واقع العلمانية والديموقراطية والحرية يقول بأنه الضامن الأول لحرية الاعتقاد بالنسبة لكل فرد، و حرية ممارسة الطقوس واللباس والتصرفات طالما أنها لا تؤذي غيره.
3- فتح أقنية تواصل فكري، وتوحيد الغايات:
دوما ما يبرز الاختلاف بين الطرفين شيئا مهما، إذ تظهر النقاشات والأفعال وردودها وكأن المتدين في وادٍ، والمتحرر في وادٍ آخر، طبعا لا شك و أن أسلوب ومنابع التفكير مختلفة بين الطرفين، ولكن لا بد من محاولة السير معا في طريق واحد، وهو الحرية والعدالة والمساواة للجميع، مهما كانت طريقة التفكير والأسلوب المتبع، يجب أن تكون النتيجة هي المنفعة الكبرى والمشتركة للجميع.
4- نشر الثقافة والوعي أولا، والحصول على حرية التعبير عن الرأي على دفعات:
من المؤكد أن حرية التعبير حق طبيعي لكل فرد، ولا يستطيع أحد لا أنا ولا غيري المساومة على هذا، بل هي مطلوب مشروع للجميع كما هي مطلب لي، ولكن الحصول على هذا الحق في حالة العالم الاسلامي يجب أن يكون على دفعات لا دفعة واحدة، لأننا نعيش في الكبت منذ زمن طويل، وحرية التعبير شيء جديد على المجتمع ولا يمكن تقبله بهذه السهولة، خصوصا موضوع حرية نقد الأديان بشقيه النقد الجدي والنقد الساخر، وللأسف فإن الكثير من المتنورين الجدد يطالبون بحرية التعبير دفعة واحدة، وهذا ما لا يمكن حدوثه دون سجالات دموية، خصوصا مع امتلاك الكثير من المواطنين ثقافة متدنية، ووجود نسبة كبيرة ممن لا يجيدون القراءة والكتابة، وهؤلاء يمكن استخدامهم لوأد كل منبر حر، لذلك وكخطوة أولى يجب أن نسعى إلى نشر الثقافة والوعي بين جميع فئات الشعب، و نقوم بنقد الدين تدريجيا، بهدف إبقاءه خاصا بكل إنسان لا بهدف شطبه، وعدم رفع سقف حرية التعبير إلى النيل م المقدسات مباشرة، فهذه حسب رأيي تأتي آخر المطاف وبالتدريج، وهذا يساعد في تخصيب الأرضية الاجتماعية لاستقبال الفكر الحر، ويساعد على التخفيف من ردود الفعل، مما يقلل من المجهودات المطلوبة للتنوير.
5- الاقتداء بالتجربة الأوروبية في نشر العلمانية:
مما هو معلوم للجميع أن العلمانية الحديثة بدأت في أوربا، في الأوساط المسيحية المتنورة التي انتفضت ضد الكنيسة، والتي ابتدأت بضرورة الانفصال بين الكنيسة والملك، وكانت فكرتها ببساطة أن الكنيسة سلطتها دينية، ولا يجب أن تتدخل في إدارة البلاد، إذ أن الإدارة السياسية لا بد و أن تكون منفصلة عن الدين، لأن لكل منها اختصاصا تعمل به، ويعتبر فولتير وجون لوك و سبيبنوزا من أهم وأشهر دعاة العلمانية في أوروبا.
6- دعم الحركات التجديدية الاسلامية التي تدعو إلى الاعتدال:
أعرف أن الكثيرين سيختلفون معي في هذه النقطة، ولكن لمن يحملون أفكارا اسلامية متطورة فائدة مهمة، ولو مرحلية في الطريق نحو التحرر والتعايش، لسبب بسيط جدا وهو أنه كونهم مسلمون، سيكون صوتهم مسموعا أكثر بكثير من أي ملحد أو لاديني، إذ أنه يستفيد من ميزة كونه مسلما في بث نوع من الطمأنينة داخل نفوس المستمعين، بأنه لا يهدف إلى قتل الدين، كما أنه يسهم في ترسيخ فكرة أن يهتم كل امرئ بعلاقته مع ربه دون النظر للآخرين، طبعا دورهم هذا مرحلي، ومهم فقط لتهيئة المناخ أمام المسلمين لقبول التعددية الفكرية، وهي مرحلة مهمة في طريق النهضة والحداثة التي نحلم بالوصول إليها.
وأخيرا، أعترف أنني أحيانا في كتاباتي لا أطبق كل ما كتبته، لأن تطبيق ذلك كله وبدقة هو أمر شبه مستحيل، ولكني أحاول الالتزام قدر الإمكان بذلك، لعل الصوت يكون مسموعا لدى عدد أكبر، كما أني أعرف أن تطبيق هذا من الغير صعب جدا، ومن الممكن ألا يتفق معي الآخرون جزئيا أو كليا في ما قلته في مقالي هذا، ولكن غايتنا في النهاية هي الوصول إلى أقصى درجة من المحبة والتعايش بين الجميع، وأنا مستعد لاتباع أي طريقة أخرى تثبت نجاعتها في هذا المجال.
ودمتم بخير