التعليم للأثرياء ولمن استطاع إليه سبيلا

طلعت رضوان
2018 / 11 / 12

التعليم للأثرياء ولمن استطاع إليه سبيلا
طلعت رضوان
يبدوأنّ الحكومة المصرية قرّرتْ التخلى عن التستروراء الأقنعة..والتعامل مع جماهيرشعبنا (ذوى الدخول المحدودة..وذوى الدخول المعدومة، من فلاحين وعمال وصغارالموظفين) بلغة مباشرة..وبدون تورية، أوكلام (مزوق، مزخرف وعلى استحياء كما كان فى السنوات الماضية)
وأذكرأنّ أسلوب التورية (والكلام المدهون بأقوى أنواع الزيف والخداع) بدأ فى عهد السادات، وبصفة خاصة مع بدء (سياسية الانفتاح الاقتصادى) وعلى سبيل المثال (بعد انتفاضة شهرطوبة/ يناير1977) وتراجع السادات عن قراررفع أسعار18سلعة، تنفيذًا لتعليمات صندوق النقد الدولى،ابتدع المسئولون تعبير(تحريك الأسعار) بدلامن ارتفاع الأسعار..(وهذا التحريك) كانت نتيجته أنّ كيس الأرزالذى كان يزن كيلو، ظلّ سعره كما هو..ولكن هذا الكيس (انسخط) وصارثلاثة أرباع الكيلو، أى أنّ المواطن الذى كان يدفع جنيهـًـا (على سبيل المثال) مقابل كيس وزنه كيلوصاريدفع نفس المبلغ على كمية أقل مقدارها ربع كيلو..وهوما حدث فى باقى السلع.
استمرّأسلوب الخداع طوال عهد السادات ومبارك..ولكن يبدوأنّ الاجراءات القادمة المُـزمع اتخاذها..وسوف تمس فقراء ومتوسطى الحال من شعبنا (على كافة المستويات المعيشية) هى إجراءات أشبه بالجراحات فى العمليات الخطيرة، مثل (علاج تربنة فى المخ) أوقطع ساق مصابة بالتسمم فى الدم..إلخ..ولابد من إخطار المريض..وبناءً على ذلك اختارتْ الحكومة أنْ تبدأ (جس النبض) بقطاع التعليم.
وإذا كان البعض أبدى دهشته من جرأة وصراحة وزيرالتعليم عن (مجانية التعليم) فإننى لم أندهش..وكنتُ أتوقع الجراحة الخطيرة، منذ بدأتْ حكومات السادات ومبارك المتعاقبة فى سياسة (تخفيض ميزانية التعليم فى الموازنة العامة للدولة) بالتدريج تنفيذًا لتعليمات/ توصيات/أوامرصندوق النقد الدولى..ويبدوأنّ ضغوط الصندوق الاستعمارى الأخيرة، كانت صريحة ومؤداها أنه يجب على الحكومة المصرية، التخلص من أسلوب التدرج فى رفع كافة أشكال دعم الفقراء، والبدء فى أسلوب الالغاء الكامل..ولتكن البداية مع منظومة التعليم الحكومية.
وبناءً على ما تقـدّم صرّح وزيرالتعليم (طارق شوقى) أنّ التعليم لايجب أنْ يـُـترك بلا نقاش..وطالب بضرورة الإجابة على بعض الأسئلة مثل: مجانية التعليم لمن؟ وهل المجانية لمن يـُـنجب طفليْن..ولمن ينجب عشرة أطفال؟ (هكذا!!) الوزيرقال ذلك تحت قبة البرلمان المصرى، فى اجتماع لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، برئاسة محمد كمال مرعى..واعترف الوزيربأنّ الفصول التى بها أكثرمن مائة تلميذ (ليست كثيرة) وأنّ الوزارة تعمل على أنْ يكون أقصى عدد فى الفصل سبعين تلميذًا..وإذن فإنّ الوزيريعترف بوجود فصول بها أكثرمن100تلميذ..وهو عدد لايسمح للتلميذ بأدنى فرصة للانتباه والتركيزمع شرح المدرس (بفرض حدوث الشرح المستحيل مع هذا العدد) وحتى العدد المُـزمع أنْ يكون فى المستقبل (70تلميذًا فى الفصل) فهوعدد غيرإنسانى ولن يختلف كثيرًا عن عدد المائة.
المثيرللانتباه أنّ الوزيرتكلم عن (اقتصاديات التعليم) وكأنه يتكلم عن اقتصاديات الاسمنت أوالحديد المسلح..وأعتقد أنّ أخطرجملة قالها هى: إنّ الواقع التعليمى فى مصرمُـخالف للدستور..وكان تبريره لسبب المخالفة عندما قال: كيف سنواجه التكلفة؟ (شماعة عجزالموازنة) وكان صريحـًـا عندما خالف الدعاية السائدة طوال أكثرمن60سنة عن مجانية التعليم بعد يوليو1952حيث قال: إنّ مجانية التعليم المنصوص عليها فى الدستورلم تتحقق.
وأعتقد أنّ ما يؤكد ظنى عن (جس نبض الجماهيرعن نية الحكومة نحوإلغاء المجانية، أنْ تنشرأكبرصحيفة حكومية كلام الوزير..وبصفة خاصة قوله: إنّ الأفكارالقديمة أضرّتْ بالتعليم، مثل المجانية..وأكــّـد أنّ المجانية تعمل على ((ترسيخ الظلم الاجتماعى)) وأشارإلى أنّ تكلفة التعليم200مليارجنيه كل سنة، تدفع الحكومة 89مليار..والمواطنون يدفعون بقية المبلغ على الدروس الخصوصية (أهرام11 نوفمبر2018)
وأعتقد أنّ الجزء الأخيرمن كلام الوزيركاشف وفاضح لخطوات المستقبل، لأنه أسدل الستارعلى مرحلة جاوزتْ الستين عاما (لوكان المقياس منذ يوليو52ومع استبعاد الفترة السابقة على يوليو52وبصفة خاصة فى عهد عميد الثقافة المصرية (طه حسين) وشعاره الأثير: التعليم كالماء والهواء) بعد القضاء على (العهد البائد، عهد طه حسين ومجانية التعليم) جاء الوزيرطارق شوقى ليهدم تلك المراحل من تاريخ مصرالحديث، التى وصفها (بالأفكارالقديمة التى أضرّت بالتعليم ومنها المجانية..ليس ذلك (فقط) وإنما أضاف جملة تحتاج لعلماء النفس وعلم الاجتماع لتحليل عقلية الوزيرالذى يرى أنّ المجانية ((تعمل على ترسيخ الظلم الاجتماعى)) أى أنّ سيادته عكس وقـَـلـّـبَ السائد فى كافة فروع العلوم الإنسانية عن أنّ مجانية التعليم، إحدى وسائل ((تحقيق العدالة الاجتماعية)) كما أنّ سيادته وهويذكرأرقام تكلفة التعليم، لم ينتبه لخطورة كلامه عن (تقصيركل الحكومات السابقة..وعجزها عن مكافحة (ظاهرة الدروس الخصوصية) على مدارعشرات السنين..وبصفة خاصة منذ عهد السادات..ولم يسأل الوزيرالسؤال البديهى: لماذا تقاعستْ كل الحكومات المصرية عن مجابهة فيروس الدروس الخصوصية؟ ولصالح من ساعدتْ على تكوين (مافيا) أوعصابة الدروس الخصوصية، تلك العصابة التى تجمع من جيوب الأهالى مبلغ111مليارجنيه كل سنة؟
وإذا كانت الحكومة قد قرّرتْ رفع الراية البيضاء أمام هجوم صندوق النهب الدولى الكاسح..والاستسلام والخضوع لأوامره، المُـغلــّـفة بكلمة (توصيات) وأنّ علاج عجزالموازنة يكون على حساب ملايين البسطاء/الشرفاء/المُـنتجين..والبداية بإلغاء مجانية التعليم، فى هذه الحالة يكون شعارالوزارة: التعليم لمن استطاع إليه سبيلا.
***