هل ستوافق إيران على العودة إلى مائدة المفاوضات

جعفر المظفر
2018 / 11 / 10

هل ستوافق إيران على العودة إلى مائدة المفاوضات
جعفر المظفر
هناك عدة مستويات للحديث عن العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران, غير ان أهمها في إعتقادي المستوى الذي يتعلق بإمكانات نجاحها في الوصول إلى الهدف الذي نوت تحقيقه. عودة سريعة إلى تعريف هذا الهدف ربما ستكون كفيلة بتوضيح ما إذا كان بإمكان تلك العقوبات النجاح أم لا. بداية أجد أن الكثيرين يرتكبون خطأ, وأي خطأ, حينما يساوون بين هذا الحصار وسابقه الذي كان قد فرض على العراق في أعقاب غزوه للكويت. بهذا التهليل أزعم إني سأدخل من خلال البوابة الصحيحة دون أن تجعلني كثرة النوافذ وسعتها أخطأ طريق الدخول, مع أملي أن تجري إقتراباتنا من هذه الموضوعة بعيدا عن عين الود أو عين الكراهية.
لنتذكر أولا أن الحصار الإقتصادي ضد العراق كان قد إرتبط بهدف محدد هو إزاحة نظام صدام حسين, أي أنه كان وسيلة لتحقيق هدف إستراتيجي هو إسقاط النظام ولم يقف فقط في مساحة الضغوطات على ذلك النظام لغرض تراجعه عن خطأ كان إرتكبه.
إن حكومة بوش الأب كانت تمتلك لوحدها إمكانية إستعادة الكويت من النظام العراقي ولكنها فضلت الوصول إلى ذلك من خلال إقامة تحالف دولي واسع شاركت فيه أغلب دول العالم , ومن ضمنها الدول العربية نفسها دن إستثناء, حتى تلك التي كانت ترفع عاليا شعارات العداء لأمريكا كنظام حافظ الأسد في سوريا. إقامة النظام العالمي الجديد كان هو الهدف الإستراتجي وراء إقامة ذلك التحالف الواسع بعد أن تراكمت مشاهد زوال الإتحاد السوفيتي ودخول العالم في مرحلة هيمنة القطب الواحد.
وحتى الإتحاد السوفيتي الذي كان يعيش زمن إنهياره فهو, وإن لم يوافق على الدخول في التحالف العسكري الذي قادته أمريكا, إلا أنه لم يقف ولا حتى سياسيا مع العراق بل فضل القيام بدور الوسيط وبطلب من العراق نفسه الذي كان قد ثخنت جراحه وما عاد يطمع حينها إلا بوساطة سوفيتية تخفف عنه الجراح وتضمن لنظامه البقاء بعد أن لاحت نذر زواله وليس نذر خروجه من الكويت فحسب.
خلاصة القول أن العالم كله وقف ضد العراق في إحتلاله للكويت وأن صدام, الذي كان إختار التوقيت الأسوء لتنفيذ هدفه الإنتحاري, كان قد خسر المعركة سياسيا قبل ان يخسرها عسكريا.
وإلى حتى هذه اللحظة ما زالت أسرار تلك الحرب لم تنكشف بعد وصولا إلى فهم حقيقي للدوافع التي جعلت صدام يقدم على خطوته الإنتحارية دون القبول بإفتراض أن الرجل كان مجنونا أو أحمقا أو متهورا.
وحتى تسهل علينا العودة إلى أصل الموضوع سنؤجل الخوض المفصل والمتشعب في حوارمن هذا النوع, مع أن ذلك لن يمنعنا من الظن أن صدام لم يجد وسيلة أخرى لدفاعه عن بقاء نظامه غير إختطاف الكويت والمساومة على إعادتها بشرط أن تتراجع أمريكا عن هدفها الإستراتيجي بإزالة نظامه. والذين يعرفون صدام يعلمون تماما أن مساحة الحكمة لدية ضيقة تماما وأنه يعمل في الغالب بعرض كتفيه لا برجاحة عقله.
وكانت الفأس قد وقعت في الرأس حينما ظن صدام أن بإمكانه تسويق نصره السياسي ضد إيران لغرض إدامة دوره الزعامي على مستوى دول الخليج العربية على الأقل. وإذ ليس من الحق نسيان دور الهواجس والتوجسات الخليجية التي بدات تسقط مشاهدها على العلاقات مع العراق والتي لم تبتعد في اي يوم من الايام عن ميل خليجي بقيادة السعودية للحد من دور العراق وحتى إبعاده عن محيطه الخليجي بل وإعتباره دولة غير خليجية فإن من الحق وصف ردة الفعل الصدامية بإحتلال الكويت كعمل أحمق تماما ولا يصدر من مسؤول بكامل قواه العقلية, إذ ما دامت الحجة أن السلوك الكويتي العدائي ضد العراق كان جزءا من مؤامرة (أمريكية إسرائيلية) فإن إحتلال الكويت كان بمثابة السير بثبات للوقوع في شباك تلك المؤامرة.
على الجهة المقابلة, الإيرانيون من جانبهم لا يعتقدون أن الأمر معهم يجري بنفس المنوال, إذ لا بد وأنهم يعرفون أن الهدف الحقيقي من وراء الحصار الأمريكي ليس إزاحة نظامهم بل إعادة التفاوض الذي سيشمل ملف الصواريخ البالستية.
الحكاية مع صدام إختلفت حدتها. هنا كان قرار إزاحة النظام قد أتخذ, أما الحصار فقد أشارت مجرياته بشكل واضح إلى أنه كان وسيلة لهدف إزاحة النظام نفسه وليس لغرض التخلص من أسلحة الدمار الشامل التي لم يكن قد تبقى منها شيئا يذكر.
مع الإيرانيين الطريق أوضح والهدف أخف بكثير وهو إعادة التفاوض حول مستويات التسلح الإيراني وقد أعلن ترامب نفسه عدة مرات, ومثله وزير خارجيته, أن المواجهة لا تستهدف تغيير النظام وإنما إرغامه على القبول بالجلوس على مائة المفاوضات وبدون شروط مسبقة. فإذا ما قيل أن الإيرانيين يدركون أن المسألة لن تقف عند الصواريخ البالستية وغيرها وإنما من المتوقع أنها ستمتد لتشمل دور إيران في المنطقة فإن من حق المعارضين من الإيرانيين ان يتساءلوا عن الضير في التراجع عن تنفيذ مخطط وأحلام توسعية ربما ستؤدي إلى تحميل إيران ما لا يمكن لها أن تتحمله.
إن الخطر الحقيقي الذي يواجه إيران سيظهر حينما لا تحتاط إيران من خطر تحويل ما هو سياسي إلى ما هو عقائدي. وهي ستفعل ذلك حينما تخضع إلى إرادة جناح الصقور الذين قد يرون أن الرضوخ المرحلي هو في حقيقته رضوخ تاريخي, بمعنى أن القبول بإتفاق جديد ستكون له تداعياته الخطيرة على الدور الذي تقوم به إيران في عموم المنطقة العربية مستظلة بعباءة العداء لإسرائيل. وهنا فإن إيران ستكون في مواجهة تحدي قد ينتهي بها إلى صناعة (كُوّيْتَها) الخاصة التي سيقودها هذه المرة الجنرال (دولار) بدلا من تلك التي قادها الجنرال (شوارزكوف) في نسختها العراقية.
وإن ما قد يدفعها إلى إرتكاب هفوة كهذه هي المراهنة الخاطئة على إمكانية ان تقف أوروبا وروسيا معها إلى آخر الشوط من خلال مقارنات شكلية بين عالم صدام حسين وعالم الملالي. وهنا الظن بأن الممانعة الأوروبية والروسية ستمنحها قوة تحدي كبيرة لم تكن توفرت لصدام الذي ارغمت قراراته المبهمة العالم كله للتحالف مع أمريكا.
ولعل المراهنة الإيرانية على وجود فرق بين العالمين قد تدفع إيران إلى الظن بوهم إستمرار الموقف الأوروبي والروسي على نفس الهدف ونفس الأداء إستنادا إلى افتراض يقول أن أوروبا وروسيا والصين وغيرها ستتبنى الموقف الإيراني ليس حبا بإيران وإنما دفاعا عن مستقبلها أيضا لأن الرضوخ للإرادة الأمريكية معناه القبول بهيمنة أمريكية على مستقبل العالم. هذا الإفتراض لا شك معناه أن إيران ستكون مستعدة لأن تكون ضحية حرب عالمية ثالثة تدخلها بالنيابة عن دول لو أنها كسبت الحرب فستكسبها على جثة إيران, أي أن العملية هنا ستنجح ولكن المريض سيموت .
إن من المتوقع أن أوروبا وروسيا واليابان والصين هي ذاتها التي ستطلب من إيران القبول بالعودة إلى مائدة المفاوضات, إن لم تكن قد بأت بإتصالات سرية في هذا الأتجاه, وذلك تقديرا من تلك الدول لحقيقة أن ليس من الحكمة تشجيع إيران على الإستمرار في موقفها الرافض للقبول بإتفاق جديد بالإتجاه الذي يضعها وجهها لوجه أمام رئيس أمريكي لا تقبل إدارته بغير إعادة التفاوض.
إن هناك من يؤكد على أن النظام الإيراني هو أكثر براغماتية من صدام حسين وأكثر تعقلا منه, وهو تأكيد يتغنى بحكمة الإيرانيين التي لا تقوم على صلابة الموقف وإنما على تطويعه لكي يكون جاهزة للمناورة, وهو امر كان قد إفتقده صدام في مواجهته لأمريكا أثناء محاولات حثه للخروج من الكويت.
أما أولئك الذين يعتقدون أن إيران قادرة على الدخول في مواجهة من هذا النوع إنطلاقا من المراهنة على العناد الإيراني المعروف فإن عليهم أن يتذكروا أن الخميني نفسه قد شرع فقه جواز شرب السم تجاوزا للمحنة في المواجهة مع صدام حسين الذي كان قد أطلقوا عليه لقب (الشيطان الصغير) وإن خامنئي لن يتردد من إجتراع كأس أخف سمية عند مواجهته (الشيطان الأكبر) أمريكا.