حسقيل قوجمان .. يهودي وشيوعي عراقي .

محمد السعدي
2018 / 11 / 9

منذ ربع قرن ولم أترك مقالاً وقع تحت عينيه سواء كان صدفةً أو متعنياً , الأ وقرأته بعناية . كان يكتب ويطرح أفكاره ويدافع عنها بسلاسة وتسلسل تاريخي ناصع وبإيمان عميق نابع من أنتمائه الحقيقي للشيوعية وفهم دورها التاريخي . وفي مواقع أخرى . يرد بقوة من يحاول أن يمس عطر رائحة الماركسية وفلسفتها المادية التاريخية في بناء الاوطان والشعوب . كنت أراه مختلفاً ونجماً ساطعاً في التحليق في سماء الماركسية في زمن أنهارت به فلسفات وأيدلوجيات على يد معتنقيها السابقين . حسقيل قوجمان في أرائه أراد أن يقول ويثبت قوة أعمدة الفكر الشيوعي منذ بيانه الاول عام ١٨٤٨ على يد صناعه كارل ماركس وفردريك أنجلس .
أنتمى للحزب الشيوعي العراقي في مطلع الاربعينيات من خلال لقائه برفيقه الشهيد ساسون دلال . الذي أعدم وهو في ريعان شبابه عام ١٩٤٩بعد أن قاد تنظيمات الحزب الشيوعي في غياب الرفيق فهد ورفاقه في سجن بغداد المركزي . أعتقل حسقيل بعد أنتفاضة الجسر عام ١٩٤٨ على أثر معاهدة ( بورتسموث ) . وظل سنوات طويلة قابعاً في السجون العراقية . وتحرر من السجن مع العديد من رفاقه بعد ثورة تموز ١٩٥٨ . وأعيد أعتقاله مرة أخرى كغيره من الرفاق الشيوعيين عام ١٩٥٩ ولم يطلق سراحه الا عام ١٩٦١ ليترك العراق تماما كجسد , لكنه بقيت روحه في العراق مدافعاً عنه بأصعب الظروف وظل متمسكا بقيمه الثورية في معاداته للامبريالية ودورها في تخريب الشعوب . في أنتفاضة الجسر سقط بجانبه مضرجاً بالدماء الشهيد قيس الألوسي . كان ماسكاً بيده حين أخترقت الرصاصة جسده وخره صريعاً. بعد تحرره من السجن عام ١٩٦١ والذي قبع به وبدون أي محاكمة في زمن الزعيم عبد الكريم قاسم هاجر الى أيران في طريق تسفيره الى أسرائيل عن طريق منظمة صهيونية تعمل في أيران في تسفير اليهود الى أسرائيل مع عائلته باعتباره يهودياً وشيوعياً . في السنوات الأولى من وصوله الى أرض فلسطين المحتلة أدان الكيان الصهيوني في سياسته التوسعية رافضاً الاحتلال والتقسيم ومطالبة بدولة فلسطين حق شرعي . مما ضيق عليه . فاضطر الرحيل الى لندن , الذي ودعها قبل أيام الى عالمه الأبدي تاركاً تراثاً وتاريخ ومواقف وطنية ملئت صفحات المواقع الاجتماعية والاعلامية والصحافة تشييد بمواقفه ومناقبه وسجاياه الوطنية في الدفاع عن أنتمائه الوطني والشيوعي . روى الراحل حسقيل قوجمان في أحدى مطارحاته بتألم وفي مشهد تراجيدي عندما ألتقى في سوق قديم بفلسطين المحتلة الموسيقيان الكبيران صالح وداوود الكويتي اللذان أنشدا أجمل الالحان والطرب العراقي يبيعان ( خردة ) في ذلك السوق العتيق .
لم يذهب بعيداً في تقديراته عن ما تعرض له العراق بعد ٢٠٠٣ من دمار شامل في كيان العراق ومؤسساته . حسقيل لم يكن مفكراً ماركسياً بل كان عازفاً موسيقياً وعواد متميز , حيث صنع العود من الخشب في السجن بأوتار مهربة عن طريق سجان من أهالي الكاظمية ليلهم رفاقه بالاغاني الثورية نحو غد أجمل . لم ينسى أستشهاد رفاقه ومنهم ( شاؤل طويق ) في تصدره للمظاهرات في شوارع بغداد ضد المعاهدات والاحلاف التي تكبل سيادة العراق الوطنية .
كان يتسأل دائماً عن الاسباب في كتاباته وهو الذي رأى بعينيه عندما سيق فهد ورفاقه الى المقصلة , كان معهم رفيقه ( يهودا صديق ) . الذي أعدم معهم حجم النكران والتغاضي , الذي لحق به . ظل حتى في الايام الاخيرة من حياته مدافعاً أميناً عن الفكر الماركسي والتجربة الاشتراكية رافضاً كل الحلول والتبريرات في النكوص من تلك التجارب التاريخية معرياً الامبريالية كنظام جشع وأستغلال وقمع لحركات الشعوب في التحرر والانعتاق .