شيطَّانُ الديمقراطيةِ: هذه هي السياسة !!

سامي عبد العال
2018 / 11 / 8

يبدو أنَّ للديمقراطية وجهاً آخر كوجه الشبح، وهو" الأثر المقلُوب " الذي يجعلها مصدراً لرعب البعض من الحرية. فالحرية ضمن المجال العام تشكل مصدراً لقلق دائم، لدرجة أنَّ تجنُبها( إنْ لم يكن للأنا فللآخر) هو القاسم المشترك بين التيارات السياسية في الثقافة العربية الإسلامية. ولاسيما المتحدثين بفم الغيب وقد عَدُّوا الشعوب قرابين على مذبح الدين. الديمقراطية لديهم تفتح أبواباً لجدالٍّ ينبغي الاستعاذة منه، وعلى حدودها تُنصب حلبات" المصارعة غير الحُرة " مع عناصر المجتمع كافة. والصراع قديم خلف أقنعة السياسة تحت ثنائية " الشيطان والإنسان " في المدونات الدينية الإبراهيمية ( العصيان والطاعة ).

ولذلك حين يسمع المتطرفون كلمةَ الديمقراطية، يتحسسون معتقداتهم مخافةَ الفتنة. وبخاصة فكرتي الله وشريعته... وكأنَّ الديمقراطية لعنة شيطانية تُطارد البشر أينما حلُوا. والخلط هنا لا يعوزه الشرح بين رغبتهم الجامحة في الحكم والرغبات الحسية القابلة للإغواء والتي تحملها الأجساد نفسها. وهذا يفسر دموية السلطة التي تحكم بعصا الدين في عصر لم يعد بإمكاننا السيطرة عليه أو مغادرته.

فالأمر بمثابة الاستغلال الغريزي( بطريقة الاقتصاد الليبيدي Libidinal Economy عند فرانسوا ليوتار(1)) لإفرازات المجال السياسي على خلفية أبنية المعتقدات الدينية. ودون مبرر يطلق المتطرفون رماحَ التكفير، رغم امتطاء ظهر الديمقراطية قفزاً فوق الدولة( مردِدِّين دعاء ركوب الدابة ). وليس واضحاً إلى الآن: سبب المماثلة بين الأداء الديمقراطي وركوب البغال(2)إلاَّ إذا تعلقت بحفريات الصراع على السلطة!!

لكن المعنى الخفي: أنَّ ثمة مقارنةً بعيدةً بين الإله كمضمون سياسي وبين الديمقراطية. وتلك المقارنة في غير مكانِّها تماماً، لأنَّ أي اعتقاد ديني مختلف عن طرائق العيش وأفعال السياسة. وفي هذا تمثل الحدود اللاهوتية المحظورة للأفكار جدراناً تُغلَّق آلياً أمام أي جديد. فالله هو المشرِّع الأصلي، والأنظمة السياسية التي تتداول القوانين والدساتير تزجُ بنفسها في خصومة قاتلة مع الإسلاميين.

لأنَّ الخطاب الإسلامي المتشدد يضع الله في مواجهة نتائج الديمقراطية ضمناً أو صراحةً. ولكي يهزم خصومه بالضربة القاضية، يلوك صاحبه عبارات تطبيق الشريعة طوال الوقت. وقد استخدمها بطريقة " الأفيون " لتسكين اللهاث العنيف إزاء رافضي أفكاره. لنتذكر مقولة كارل ماركس( الدين أفيون الشعوب) حتى نعرف كيف يوظفون الشريعة لأهدافهم. بجانب ذلك يقول لسان الحال هات من الأخر: الله له الأمر والنهي، له أعمال المخلوقات وشؤونها... وما الديمقراطية إلاَّ أعدى أعدائه، إذ تسمح للآخرين بمشاركته تصريف أوضاع الحياة وأقدارها.

والموقف السابق لا يُظْهِر شيئاً قدر إظهار خلع " التألُّه " على أية آلية سياسية لإدارة المجتمعات. بعبارة أوضح: لا يعني الموقفُ خوفاً على شريعة الله إلاَّ إذا كانت الديمقراطية لوناً من الوثنية بالنسبة للإسلاميين. إضافة إلى اعتبار أنَّ الديمقراطية ليست وسيلةً حضاريةً لتنظيم التنوع بين البشر، بل صنماً شيطانياً معاصراً علينا الاحتراز من وساوسه. وأنَّ البرلمانات صوامع وأسواق لطقوس سياسية تحارب الله ورسوله(3)!!

ذلك مؤداه أنَّ شعارات الإسلام السياسي:(الإسلام هو الحل، إسلامية.. إسلامية، القرآن دستورنا، لا يصلح حال الأمة إلا بما صلح به أولها، الخلافة الراشدة) كانت تعاويذ ملقاة في المجال العام لطرد أشباح الديمقراطية. فشيطنة الآخر تعتبر من أولويات التفكير المتشدد تعاملاً مع المخالفين في الأيديولوجيا. الإسلاميون هم الكائنات الوحيدة داخل الغلاف الجيو سياسي لكوكب الأرض الذين يشخصون الديمقراطية على هيئة جنيات مخيفة. رغم قِدم دخول الديمقراطية نطاق التشغيل اليومي لحركة الحياة منذ بواكير الحضارة الأوروبية في اليونان( تحدث عنها أفلاطون وأرسطو والمشرعون اليونانيون ).

إلى أنْ استطاعت الثقافة الغربية الحالية ممارسة فكرة الإله ضمن أشكال الحرية وقبول الآخر والتسامح والاعتراف وحقوق الإنسان وانفتاح المجال العام وإدارة المصير ومستقبل الإنسانية. رغم النقد الجذري للتراث اللاهوتي الغربي والإعلان النيتشوي عن موت الإله ورغم اعتباره وهماً بعبارة ريتشارد دوكنز. أيضاً هذا لم يفتح عصوراً من العدمية على مصراعيها كما قال مراراً بعض الإسلاميين وبعض الغربيين على السواء، إنما بواسطة السياسة تحولت transform المفاهيم الكبرى macro concepts ( الإله، العلة، الوجود، الجوهر، الروح الكونية، الناموس، اللوغوس ) إلى مستويات من الممارسة على إثر غربلتها( تنقيتها ) filtering لصالح المجتمعات. وعوضاً عن كون الاعتقاد اللاهوتي رافعةً ميتافيزيقية خارج الواقع، أصبح نمطاً لرؤى الحياة والاستغراق فيها. انتقل مخزون القداسة إلى تعايش سلمي مع أطياف المجتمع، إنها عملية ترويض المتعالي عبر إجراءات يومية تكفل بناء الفضاء المشترك.

ثمة أسئلة زلقة إزاء الديمقراطية بالنسبة للإسلام السياسي: لماذا يعيق المعتقد اللاهوتي قيم الحداثة الكامنة في الديمقراطية( الحرية – العدالة – المساواة – الاختلاف - النقد)؟ ما مصير الكائن المشبع بالدجما أمام التنوع البشري اللانهائي؟ وبأي معنى يطفُو الإله داخل سردية الإسلام السياسي كمؤشر لصعوبة التعايش مع صور الحداثة الغربية؟ وهل يؤثر ذلك على ذهنيات تستعمل الديمقراطية (باسم الله ) لقمع المجال العام؟ هل ثمة فوارق بين الثقافتين الغربية والعربية الإسلامية بهذا الصدد؟

كما أنَّ نقاشاً راهناً حول دلالة الإله في السياسة ما بعد الحداثية ليس من باب اللاهوت ولا من نافذة الميتافيزيقا، إنما من باب الإنسانية اختلافاً وإدهاشاً وتجريباً. مع العلم بأنَّ قضايا النقاش– في منظورها الاعتيادي- كانت تتأرجح بين الأصولية الدينية والعلمانية. إذ تؤيد الأولى ( الأصولية ) إنشاء لاهوت سياسي يحكم قبضته على أمور الراعي والرعية. في حين ترى الثانية ( العلمانية ) أنَّ الدين لا يجب تدخله من قريب أو بعيد في أمور الحياة المشتركة.

وتتواصل الأسئلة: إذا كان أمر الإسلاميين كذلك، كيف سيحكم اللاهوت مجالاً متغيراً كالسياسة؟ وكيف سيوفق المؤمنون بين معتقداتهم وبين تداول شؤون الحياة؟ هل ستكون المواقف الدينية حائلة بين أصحابها ومخالفيهم في الاعتقاد؟ بالمقابل هناك أسئلة أخرى لا تنفصل عن السابقة: وهل تستطيع الديمقراطية هضم فكرة الإله في جوفها لصالح الإنسان؟ كيف سيتم نزع القداسة عن العالم؟ وهل انتهت السرديات الكبرى بعبارة ليوتار وبدأ عصر جديد أكثر التصاقاً بالأرض؟

هكذا فمسألة الإله قابلة للجدال تاريخياً بحسب المناخ السائد، لكنها إذا أُثيرت الآن بنفس الطريقة، فهي داخل المكان الخطأ وبالنقاش الخطأ، على هامش حدود الصراع المراوغ بين الدين والدولة. حقيقي كون الأسئلة التي مرت أثارتها الديمقراطية ضمن سياسات الدين، غير أن نتاج الحداثة وما بعدهاpost modernism الذي (أفرز وانتقد ) العقلانية والتكنولوجيا والدولة والمؤسسة لم يتعامل مع الإله كفضاءٍ متعالٍ.

لئن كانت مفاهيم الحداثة المذكورة هي مقبرة الماهيات الميتافيزيقية ( أو الأنطو ثولوجيا ontotheology فيما يرى هيدجر)، فلم تستطع التهامها تماماً. لقد تحللت جوانب الميتافيزيقا لصالح دلالتها الإنسانية عبر أفعال أدنى شفافية، وأخذت وجودها الحياتي الرحب كما نوهت باعتبار الإله والإيمان والآخر والتعالي أنشطة لا تخلو سياسياً من فائدة للبشرية.

والآن ريثما نضع المسألة وضعاً آخر كما سنوضح، يجب قلب التساؤل مجدداً: كيف أسهمت تصوارتنا عن الله في طهي فكرة الديمقراطية وتنقية أجوائها ؟ وهل تخضع المفاهيم اللاهوتية إلى قطيعة أم إلى تغير إبستيمولوجي epistemological shift أثرى قدرة السياسة على تصحيح مسيرتها( التصحيح الذاتي self correcting برأي كارل بوبر)؟ ولاسيما أن الدولة الراهنة هي المصفاة العمومية التي لا تحول دون تسلل الأصوليات فقط، بل تستثمر قدراتها لأهداف اجتماعية عامة(4).

بصيغةٍ أخرى: يمكن إعادة النظر في تلك العلاقة عندما تنصهر أفكارنا الدينية في السياسة العلمانية وتشكل على المدى التاريخي رصيداً إنسانياً( غير واعٍ ) في حركة الحياة. بحيث يختلف مجتمع عن سواه من تلك الزاوية. إنَّ ثنائية الدين والدولة تفككت لا على حساب الاثنين، بل لدفع المشكلة في طريق مغاير، طريق تفريغ الثنائية من تحارب الطرفين( الدين والدولة) بلا طائل. وبالتالي تظهر هناك الفوارق بين دلالة الإله في الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية بالمقابل. فلنتابع هذا الخط المزدوج بين الطرفين.

الحاكم المتألِّه

كان التراث الإسلامي يتمحور ميتافيزيقياً حول التوحيد. والتوحيد يؤخذ بمعناه الكلي على مستوى الاعتقاد، ولكنه سياسياً أصبح شيئاً آخر بالممارسة الفعلية لأمور الاجتماع والسياسة والحياة. فالحاكم الذي يسييس الإيمان ( أمير المؤمنين - خليفة المسلمين- أمير الجماعة – قائد التنظيم - المرشد ) لا يجد حلاً من إسقاط صورة الله على نفسه. أي يفتح الباب لظهور شيطان السياسة في عباءة الحاكم الذي يدعي توحيداً بينما أفعاله غير أقواله .

يخطب أبو جعفر المنصور وهو نموذج قابل للتكرار: " أيها الناس: إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه، وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلًا، إنْ شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم، فإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني، فارغبوا إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما أعلمكم به إذ يقول: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً } أن يوفقني للرشاد والصواب، وأن يلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم"(5).

أولاً: ثمة تبادل بين الحاكم ( السلطان ) وبين الإله. إنه ينتزع سلطان الله علانية، حتى يظلِّل المتابع تلقائياً المناطق الرمادية التي يختبئ فيها الحاكم المتأله. وقد وضع الرعية في عملية إكراه وإخضاع متواصلين لما يريد.

ثانياً: تماهي الإرادة الإلهية داخل إرادة الحاكم. ففعل السياسة داخل معجم الحياة العربية: ساس، يسوس، سائس، مسوس...، ليس فعلاً مفرغاً من صدى مقدس. وهو ما أعلنه المنصور صراحةً بأكثر من كلمة. فالتسديد من الله، التوفيق، الحراسة، العطاء، القدرة، إنما هي دوال رمزية معبرة عن امتلاك المقدس.

ثالثاً: الحاكم في الثقافة العربية الإسلامية ليس شخصية عادية ولا اعتبارية، لكنه يرتد إلى الوراء حيث التقديس البدائي للرموز الكونية والطبيعية. جميع ثقافات العالم وجدت حلاً لتفتيت قداسة رجال السلطة بإجراءات يومية حرة إلاَّ الثقافة العربية الإسلامية، مازالت رموز السلطة هي ظل السماء على الأرض. وإذا كان أصحابها يعيشون في العصور الراهنة، فهم كائنات سياسية منقرضة منذ أزمنة سحيقة.

رابعاً: في كل طغيان لحاكم باسم الدين يخطف إرادة الله لأجل مآربه الخاصة. ولعلَّ الجماعات الإرهابية تنظيمات خاصة بهذا الشأن، لدرجة أنَّها تختزل التاريخ والحقيقة والمعنى والمجتمع في أفعالها. وأبو جعفر المنصور لم يأتِ بمشيئة من خارج هذا السياق لكنه سار مبكراً عبر الطريق نفسه.

خامساً: حين يمارس السلطان إرادته، فهي إرادة الله (من أعلى إلى أسفل)، لكن حين يُراد لها الانفتاح( العطاء – قبول الآخر) تبقى معلقةً ( من أسفل إلى أعلى )، أي كما ورد بالخطاب تتوقف على دعاء الرعية.

سادساً: تتوقف رأفة الحاكم على عملية إلهام بينه وبين الله. متى ستحدث، وكيف، وإلى أي مدى ستكون رأفة، ومن هؤلاء الذين سينالونها؟ كل ذلك سكت عنه الخطاب لإثارة الهواجس واستدراراً لمزيد من الخوف تجاه السلطة.

سابعاً: الاستغفار عملية محو مزيف لمساواة مزيفة بين الحاكم ورعيته. أي هو يسرق إرادة الله في إخضاع الرعية ولكن عندما يأتي إلى ذنوبه يندس وسط الناس العاديين لينال المغفرة. وهذا دليل كاف على كذب ما يدعيه.

السمات السبع لا تلتصق باسم معين، لكنها تحدد نمطاً من الحكم يغتصب مكانة الإله حتى وقتنا الراهن. ويعيد إنتاج جذوره وطرائق هيمنته على العقول وال حياة السياسية. وليست الديمقراطية إلا غلالة شفافة لإظهار دلالاته مستحضرة مفهوم الإله الذي يستغله الحاكم لتأكيد هيمنته على الشعب. والنمط يتجاوز كافة التيارات السياسية في البيئات العربية، سواء أكانت إسلامية أم قومية أم غيرهما. وينبغي تدمير أسسه المتصورة والتي تستدعي نفسها. فالحاكم حين يخطب لا يكون إلاَّ قناعاً لتأله يمتلئ برغبات السيطرة والاستحواذ.

كما أنَّ العلاقة بين الحاكم والشعوب علاقة رأسية ساقطة من فوق. تتدرج عليها صور: الأب والمسئول ورئيس المخفر ومختار المحلة ورئيس البرلمان والأستاذ والبائع والإعلامي. جميعهم يضعون أنفسهم عمودياً فوق رؤوس الرعية. حيث يتم تزييف التوحيد الإسلامي( الإبراهيمي ) ومسخه ليرتدي جسداً سياسياً.

الحاكم المتجسِّد

في الثقافة المسيحية خضعت العلاقة " تاريخياً " بين الناس والله إلى حالة أفقية. أي ترسخ مفهوم الإله المتجسد الذي يكون إنساناً، وهو أقرب مثال على شيوع الإحساس بالمشاركة. وليس السياق سياق المفاضلة بين مفاهيم الإله على ضفتي الغرب والشرق، لكن الوضعين يظهران الفوارق بين الأصداء السياسية لكليهما.

ربما أكبر تصور أثر على تحولات الديمقراطية الغربية هو فكرة الإله المتجسد. لأنه جعل العلاقة فضاء متاحاً بين الأفراد والجماعات في المجتمع الأوروبي. وقد أسست عليه أوروبا مدونات حقوق الإنسان والعقد الاجتماعي والقوانين والدساتير والاعتراف. إنَّ صُور المجال العام في الغرب متماهية بشكل تماسك مع فكرة الإله المسيحي المتجسد، لدرجة التسامي المدني لوجوده اللاهوتي وتوسيع دلالته.

لم يتجسد الإله في صورة صنم، لكن في أسرار سرعان ما توزعت بالتساوي بين المؤمنين. تحديداً داخل المؤمنين جميعاً بلا تفرقة. جاء بإنجيل يوحنا..." الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية. أنا هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المن في البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت. أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إنْ أكلَّ أحدٌ من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم"(6).

الاستعارات الحسية تعبر عن التصاق الإله بأنفاس البشر. والجسد حين يكون خبزاً، يبذر وضعاً لجسدٍ اجتماعي سياسي صالحاً للجميع. والإيمان ليس قابلاً للتسييس، لكون إفرازه الحي هو الجانب الإنساني الأفقي. إن التنظير للسياسة في التراث الغربي كان آخذا بهذا النزوع بعدما أزاح عنه التمركز إلى أعلى.

ولا يعني ذلك امتيازاً على لغة التوحيد في اليهودية والإسلام، لكن الحادث أن الديمقراطية تشتبك مع أرضية كهذه بإجراءات تصحيحية متواصلة. وبدلاً من كون السلطة ميتافيزيقا للهيمنة على الأفراد، أصبحت تداولاً بينهم. فمن يأكل من خبز الحياة فقد نال قيمة الحياة لأن الإله ليس خارج الناس.

وهذا الوضع السياسي أخذ مسارين:

1- المسار الفردي: أي غدا كل إنسان مقدساً في ذاته بموجب كونه حاملاً لبعض من جسد الإله. ولا يوجد فضل لأحد على آخر، لأن مفهوم النعمة المسيحية غطي تلك مساحة التمايز وفوارقه، يل هدمها وجعلها تنوعاً إنسانياً. هو ثراء أفقي للمجموع دون نزعات شمولية.

كان لهذا المعنى إسهام في شيوع إنسانية الإنسان داخل المجتمعات المسيحية. ومنها إلى مفاهيم الديمقراطية التي تدافع عن تعميمها. أي أن الإنسان كفرد يعكس معالم الإنسانية في وجوده المحدود، يجسدها في حياته. مع وجود حث ضمني على الاقتراب من دائرة المشاركة مع الآخرين. وهو ما يعنى أنَّ الفرد لا يجب خضوعه للقهر السياسي ولا للتهميش لأنه يحمل بعضاً من النعمة الإلهية بصيغة دنيوية.

2- مسار الحُكم: حيث لا يكون الحاكم بمنأى عن المجتمع ولا عن صلاحيته لأي مواطن. فالانتخاب المدني المؤدي لتلك الوظيفة هو الشكل القريب للنقطة السابقة. الديمقراطية تعتني بالمساواة وإتاحة الفرص لجميع أفراد المجتمع بوصفهم مواطنين لدولة واحدة.

إنَّ المسؤولية السياسية هي التجلي الأبرز لروح الإله المتجسد في جميع البشر بالتساوي. ويصعب ضمن السياق الغربي أنْ يمارس الحاكم ديكتاتورية معلنة لكونه ليس إلاَّ فرداً مثله مثل الآخرين. لدرجة أنَّ تداول السلطة هو وليد عضوي لتلك الفكرة. بينما لا يوجد في الثقافة العربية الإسلامية أي شيء دال على تداول السلطة، فالموت هو الإعلان العاجل لوراثة أية سلطة. وجرى القول: إنَّه لا حكم إلا لله من قبل ومن بعد. الموت هو الذي يعزل السلطان، لم لتجدي ديمقراطية ولا أحزاب ولا برلمانات ولا شعوب.

ولذلك في مواضع النصح للملوك والسلاطين يتم تذكيرهم بالموت فقط. أما التنازل عن السلطة ( طوعاً ) لأجل خطط مستقبلية تتلافى سلبيات الحكم السابق، فهذه فكرة مجنونة بقدر يكفي لجعل الدولة العربية فوضى لا حدود لها!!

الديمقراطية- الحب

لأنَّ الله - سواء كان مفهوماً رأسياً أو أفقياً - يعكس وجوده داخل المجتمعات، فالظلال الواسعة لآثاره غير مادية، أي تأخذ فضاءها المعكوس من التحرر الرحب. وليست هناك قدرات مثل قدرة " الحب غير الشخصي" على ترسيخ التعامل الإنساني في المجال العام. بالتأكيد هو حب غير شخصي impersonal لكونه بصيغة الجمع. والجمع ليس شمولياً ولا وهمياً، لكنه كامن في أسس عمومية. الحب الشخصي قائم على الرغبة في السيطرة والتواجد السلبي لإدارة شؤون الحياة.

أما الحب غير الشخصي، فيتجسد بالقيم الكبرى منحازاً إلى المبادئ بخلاف المواقف الجزئية. فالمبادئ جزء من إنسانية العالم الذي يعيش فيه الأفراد بخلاف انتماءاتهم وأعراقهم ودياناتهم. يقول كانط: شيئان يأخذان بلُبي ويلقيان رهبةً في روعي... النجوم المتلألئة في السماء والقانون الأخلاقي داخلي!! ولذلك كان على الإنسان حين يفعل فعلاً أنْ يفعل كأنَّه يشرِّع للإنسانية في شخصه المفرد.

الحب ليس صورياً إنما هو فائض إنسانية الإنسان، حيث وجه الآخر بدرجاته وأطيافه وتبعاته وشروطه. فطالما تكون إنساناً، لابد من اتساع الأفق دون حدود. ومن ثم َّفالوقوع في شرك المفاهيم الميتافيزيقية المغلقة لا يعني أقل من تسييس الفتك بالآخر. بينما الآخر برأي ايمانويل ليفيناس هو انفتاح يتيح للإنسان أنْ يقول مجرد: "أنا ". لأن الآخر هو الحياة الفعلية للالتقاء بتنوعها، فأنا وأنت وهم وغيرهم يعيشون لأجله. الديمقراطية هي تمارين إنسانية على قبول الآخرية otherness بشكل عملي وحذري. هي استعادة الكلي في شكل جزئيٍّ حُر خلال قواعد وإجراءات متاحة للجميع. ثم سرعان ما تحيي القواعد ما هو إنساني على الأصالة.

إنَّ فهم الديمقراطية في جانبها الإنساني يُتاح عندما تٌزال قبضة الهيمنة العنيفة على مساحة الله في المجتمعات، وعندما تختفي أشكال الترجمة السياسية لثنائية الإله والشيطان وملحقاتها. ولذلك كانت المجتمعات متدرجة تاريخياً بحسب القدرة على تطهيرها. كان الاستبداد حريصاً على احتلال فراغ الألوهية غير المتعين حتى يجُر النظر إلى الحاكم المفارق.

الديمقراطية هي الشكل غير المباشر لقداسة الإنسان في إطار عالمه بعدما كان مستعبداً من السلطات المتعاقبة. والقبول العام لنتائجها سواء أكانت تحولات أم قوانين لا يعني أقل من إفساح " وجودنا الآخر". أي ليس الأنا في الديمقراطية وجوداً جزئياً ولا عاماً بمعناه الأحادي، بل كلما استطاع الأنا خروجاً من نفسه استطاع مقابلة وجوده الثري. ودوماً هناك ما يجعل الإنسان قيد العطاء ويظهر ذلك في الأعمال الخيرية ومساعدة الآخرين.

ربما يقال إنَّ الحب ليس وارداً في المضمار السياسي، غير أنَّه يوجد بمسميات أخري في الأنظمة السياسية. فالمساواة والحرية والعدالة والاختيار الحر وتبادل الآراء والتفاوض الحواري أشياء لا تتحقق إلاَّ بتحقق نقلة نوعية نحو الإنسان العمومي. وتبدو عملية الحب ضرورة في شكل قانون موضوعي يخص كل الناس.

ولفظة الفلسفة كمحبةٍ للحكمة تعلم الكائنات الإنسانية القدرة على التمسك باللائق والحيوي للمجموع في الوقت ذاته. فيثاغورث عندما قال: " العالم عدد ونغم "... فيبدو أنَّ قوله لا ينسحب على معطيات العالم المادي وحسب. إنَّ عالم الإنسان وانجازاته الجمعية عدد ونغم بالتبعية. قد يسميه فلاسفة الاجتماع بالعقد الاجتماعي، الاعتراف بالآخر، الإرادة العامة، غير أنَّ النغم ( الانسجام – التلاحم – التماسك ) هو وضعية انعكاس الآخر داخلنا بما هو كذلك.

ودائرة المجتمع تحتمل باستمرار هذا الانعكاس المتنوع بتجلياته الجمعية. فليس يكفي وجود أحجار على رقعة سياسية هم فرقاء لا رابط بينهم، لكن الاتفاق المرغوب هو أنْ يفعل الفرد ما يفعله المجموع وما يتطلع إليه. هذا الطريق يعني أنَّ الفرد- حاكما ومحكوماً- سيخلع عن كاهله ما يجعله لصيقاً بنزواته الضيقة كي يحيا بأسلوب جديدٍ. لكن على نطاق واسع لا يأتي الأخير من الرغبة فقط، إنما لكونه يأخذ توجه الإنسانية نحو مستقبلها الأفضل...هنالك حيث الأمل في مجتمعٍ إنسانيٍّ مفتوح بملء الكلمةِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-Williams, James, Jean - François Lyotard, in: Key Contemporary Social Theorists by Anthony Elliot and Larry Ray, Oxford Blackwell Publishers, 2002, pp 210 - 214.

2- كان ركوب البغال في الثقافة العربية الإسلامية رمزاً للشرف والسلطة والجاه والثراء. فقد كان بعضها مقصوراً على السلاطين والأمراء وكبار القوم وطبقة الأثرياء. ومع ذلك تنطوي أحوال البغال على مماثلة خفية بينها وبين السلطة من جهة كونها متقلبة ولا تبقى على حال ثابت وكثيرة النفور والتململ. والإسلاميون يمارسون ذلك معتبرين أن السلطة هي الأهم ولابد من ترويضها بالدين حتى تطيل ملكهم وتقودهم إلى حيث يريدون. وقد أظهر الجاحظ هذه الإشارات الثقافية في كتاب نادر الدلالة والرؤية بنفس العنوان.
أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ،، القول في البغال، حقق الكتاب وعلق عليه ووضع فهارسه شارل يلا، مطبعة مصطفى البابي الحلبي– القاهرة 1955.

3- في التجارب التي وصل الإسلاميون فيها إلى البرلمان كانت كاشفة لممارستهم السياسية. هم يدخلون البرلمانات على مضض غير مقتنعين بإجراءات الديمقراطية ولا بالحوارات التي تتم. ففي البرلمان المصري كانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير أمام أية مناقشة. كأن الاستفسارات البرلمانية ومشروعات القوانين غزوات حربية يستدعي المؤمن على خلفيتها أصوات الجهاد. هناك من لم يلتزم منهم بالزي الحديث أثناء حضور الجلسات البرلمانية مرتدياً الزي العربي الفضفاض فقط. في تذكير خاص بماض الحياة العربية الإسلامية. إن الإسلاميين يخوضون الأدوار السياسية الحداثية ( أدوار المسئولين والموظفين العموميين وحتى منصب الرئاسة ) وهم عاقدون العزم على تقويض أسس الديمقراطية معتبرين إياها خطوة مرحلية للتخلص منها نهائياً لإحلال الدولة الدينية. وهناك منهم من يرى في الديمقراطية بعض الايجابيات وينبغي أسلمتها وقطع العلاقة بينها وبين الفلسفات الغربية.

4- فلسفياً قطعت الإنسانية أشواطاً كثيرة في الاستفادة من التراث الميتافيزيقي. فليس هو وهماً أحدث سلبيات عديدة، لكنه أسهم في كشف المناطق المعتمة في تاريخ العقل البشري. والمغزى هنا أن المفاهيم الميتافيزيقية قد تركت فراغاً مع تطور الحياة بفضل التقدم المعرفي والعلمي والتكنولوجي. ولم يواز ذلك تقدمٌ في الجوانب السياسية إلا بالقدر الذي يحول المفاهيم المذكورة إلى سردية بشرية. فليس يكفي تقويض الميتافيزيقا، لأنها ستأتي على هيئة أنماط أخرى في مجالات بعيدة عن تأثيرها التقليدي. والسبب أن السياسة مهما قيل عن تنظيمها الاجتماعي وأساسها القانوني إلا أنها مفتوحة على سراديب اللاوعي الجمعي إن صح هذا الاصطلاح. هي الباب الخلفي الذي تطل علينا منه أحداث ونماذج غابرة في هذه السراديب والدهاليز. وإلاَّ لماذا هناك استبداد وديكتاتورية واستعمال لاهوتي للسلطة.

5- ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، الجزء الرابع، تحقيق عبد الرحيم الرحيني، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1983. ص 186.

6- الكتاب المقدس، إنجيل يوحنا( الإصحاح السادس، الآيات 47 – 51)، طبعة صادرة عن دار الكتاب المقدس في العالم العربي 1976.