الناقد الساخر مارون عبود شذرات من سيرته والتماعات من آرائه النقدية

شكيب كاظم
2018 / 11 / 8

الأديب اللبناني الفكه مارون عبود، ابن قرية عين كفاح اللبنانية، أحد رواد النقد الأدبي الحديث في النصف الأول من القرن العشرين، وقد كتب الكثير في هذا الباب، إلا أنه ومنذ أن ودع الحياة في الثالث من حزيران عام 1962، بعد أن استشعر قبل هذا التأريخ بسنتين دوارا في رأسه، نصحه الأطباء على إثره بترك القراءة والكتابة، عادين ما أصابه جزءا من حياة الشيخوخة التي تزيدها الأمراض وطأة وقساوة واضعين في الحسبان معاناته مع مرض السكري، أقول منذ أن غادر الحياة، بدأ نجم مارون عبود يخفت، ولا يكاد يذكره الذاكرون إذا ما ذكر النقاد والدارسون وبقيت الإشارة إلى الناقد المصري الراحل محمد مندور (توفي في مايس 1965) بوصفه من رواد النقد، ويرجع الكثير إلى دراساته وكتبه.
لقد قرأت العديد من كتب الناقد اللبناني الراحل مارون عبود في مجال النقد أو القصة أو المقالة مثل: (على الطائر) و(من الجراب) و(وجوه وحكايات) و(في المختبر) وهو تحليل ونقد لآثار الكتاب المعاصرين، وكان آخر ما قرأت من كتبه، كتابه النقدي الجميل (مجددون ومجترون) وفيه يتناول هذا الناقد الجاد حين يجد الجد، والفكه إذا احتاج الموقف لمزحة وطرفة، يتناول عددا من الموضوعات منها قصيدة بشارة الخوري في رثاء أحمد شوقي، فضلا عن قصيدة أمين نخلة في رثاء شوقي ومن سياق المقال نفهم أنَّ هذه المقالات كتبت بعد عام 1931، سنة وفاة شوقي، وكنت أحبذ لو أشار المؤلف إلى سنة نشر مقالته ومكان نشرها لزيادة التوثيق، كما لم يشر إلى تأريخ طبع الدواوين أو الكتب التي تحدث عنها ودار النشر، كما تحدث عن دواوين يوسف غصوب الشاعر اللبناني الثلاثة: القفص المهجور والعوسجة الملتهبة وقارورة الطيب، ووقف طويلا عند الشاعر اللبناني الشهير إلياس أبو شبكة و ديوانه المدوي (أفاعي الفردوس)، ولم يقتصر حديثه على أبو شبكة الشاعر بل تحدث عن أبو شبكة الناثر الكاتب فضلا على أمين تقي الدين، وقد عرفت هذه الأسرة بإنجابها للعديد من الأدباء والشعراء والباحثين فهذا ابن عمه الشاعر أحمد تقي الدين، وهذا أخوه رشيد تقي الدين، وهذان ابنا أخيه خليل تقي الدين وسعيد تقي الدين، كما وقف طويلا عند فلكس فارس، الذي قرأت ترجمته لكتاب (هكذا تكلم زرادشت) للفيلسوف الألماني نيتشه) سنة 1967.
لم يقف مارون عبود في كتابه النقدي الممتع هذا، والصادر عن دار مارون عبود ودار الثقافة في بيروت بطبعته الخامسة عام 1979، عند أدباء لبنان، بل امتد للحديث عن أدباء العراق وشعرائه، فيتحدث بكل احترام عن ديوان شاعر العراق الكبير المرحوم محمد رضا الشبيبي، لكنه يقف موقفا سلبيا إزاء أشعار أحمد الصافي النجفي، وقد عرف عن الصافي عدم اعتنائه بشعره بل يطلقه كيفما اتّفق ومارون عبود، الذي أوقف قلمه الصادق على قول الحقيقة، ولا قول عنده غيرها ما كان مجاملاً ومحابياً، سواء مع الصافي النجفي، أم بعض من سبقوه، مثل بشارة الخوري أم بعض أشعار يوسف غصوب، فهو يرى أن المثّال لا يستطيع أن يَصَيِّر الصخرة من الروائع بضربة واحدة، كذلك لا يقدر الشاعر أن يبدع في أسلوب ما لم يتأنَّ كثيراً، إلى هذا أعزو ضعف التركيب في شعر الصافي، فالأسلوب القصصي الذي يتعمده تعوزه تعابير جديدة وأنماط حديثة وقوالب طريفة، يصوغها من معدن الكلمة فهو لا يحتاج فقط إلى كلمات يبحث عنها الشاعر ويضعها حيث استرخى شعره فيشتد بل يحتاج أيضا إلى ألفاظ سائرة لا يغني عنها غيرها، ولا يتم المعنى إلا بها (...) ليس يضير الصافي قولنا إن أغراضه غير جديدة، فأمثاله كثيرون، وحَسبُه هذا التوسع لولا الذي فيه من رخاوة، فالفكرة لا تنمو في الزاوية التي ولدت فيها، بل تتجاوز حدود القرية وتخوم البلدان وتهاجر كالناس، ولكن بلا جواز.. فدولة الأدب لا قناصل فيها ولا سفراء للتأشير.. تراجع ص180.
ولكن الصافي بدل أن يتقبل آراء مارون عبود النقدية النزيهة التي يطلقها بعيدا عن الغرض الشخصي، بل لوجه الله والحقيقة، فإنّه زاد في عنجهيته، حتى وصل الأمر به إلى التنديد- لكن بشكل خفي ورمزي- بمارون عبود.
بنقاد القريض برمت لما رأيتهم وقوفا في طريقي
فلم أرحيلة لي غير أنــي أسير ولا أبالي بالنقيــق
أو قوله:
سأشكر نقادي اللئام لأنني ركبت عليهم في طريقي إلى المجد
ويتحدث عن ديوان عمر أبو ريشة ابن مدينة حلب الشهباء، حاضرة ملك سيف الدولة الحمداني، ديوانه الموسوم بـ (شعر) فيرى أن في ديوان أبو ريشة شعراً طالما تمنينا أن نقرأه ونسمعه، فشاعرنا يحدو الكلام ويزجيه على هواه، تراجع ص200.
(هذه خنساء جديدة - ولكنها مثقفة - تطلع علينا في القرن العشرين بديوان شعر يدور حول موضوع واحد، كديوان خنساء الزمن الغابر، تلك ذوبت شعرها دموعا على أخويها، وهذه استحالت عواطفها شعرا حزينا كئيبا يصح فيه ما قاله ألفريد دي موسه- إذا لم تخني الذاكرة: اضرب القلب فهناك الشعر الذي لا يموت لو صح بي أن أتمثل بالنابغة لقلت لنازك الملائكة: اذهبي فأنت أشعر من كل ذات ثديين، ولولا ذلك البصير عمر أبو ريشة، لفضلتك على شعراء المواسم، وليغضب علي ألف حسان، فلا يخلق النقد غير الأعداء.
مارون عبود ناقد مثقف، قارئ جاد، كثير الاطلاع على الآداب والفنون، قديمها وحديثها، لذا يطلق القولة أو الإشارة، وعلى القارئ اللبيب فهم فحواها ومغزاها. هو يشير وعليك أنت أيّها القارئ، أن تلاحقه لفهم مراميه ومغازيه في هذه القولة، ولولا ذلك البصير، لفضلتك على شعراء المواسم، إشارة ذكية إلى مروية نقدية، حفلت بها كتب الأدب العربي القديم حديثها وغابرها، مفادها تلك المناظرة النقدية، التي كان بطلها الشاعر الجاهلي أبو علي النابغة الذبياني، إذ تحفل كتب النقد الأدبي بتلك المرويات عن سوق عكاظ أيام الجاهلية، التي ما كانت سوقا لبيع الحاجيات وشرائها بل منتدى للأدب والشعر، والعرب أمّة شاعرة، فكانت تنصب للنابغة قبة حمراء من جلد، فيعرض الشعراء عليه أشعارهم، وحدث مرة أن جاءه الأعشى، وهو المقصود هنا بـ(البصير) ثم أنشده حسان بن ثابت وآخرون، ثم جاء دور تماضر بنت الشُرَيد السلمية المعروفة بـ(الخنساء) فأنشدته قصيدتها التي ستظل مدوية في ضمير الزمن وهي رثاء لأخيها صخر ومنها:
وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نارُ
فأُعجِبَ النابغةُ بالقصيدة وقال لها، لولا أن أبا بصير- يعني الأعشى- أنشدني شعرا، لقلت إنك أشعر الجن والإنس، إذن يفهم من هذه المروية أن النابغة يريد أنها تأتي ثانية بعد الأعشى، هذا تفسير تلك الاشارة الذكية التي أطلقها مارون عبود، أي أنّ نازك تأتي ثانية بعد الشاعر عمر أبو ريشة وكتابات مارون عبود زاخرة وحافلة بهذه الإشارات الذكيات، التي تشغل عقل القارئ، وحديث الأستاذ مارون عبود هذا، كان احتفاءً بصدور الديوان الأول للشاعرة نازك الملائكة الموسوم بـ(عاشقة الليل) عام 1947، وفيه تبشير بهذا الصوت الشعري المنفرد، ويكون بهذا قد احتاز فضل السبق، باكتشاف هذه الطاقة الشعرية الرائعة، التي أثبتت الأيام حيويتها وروعتها، وهذه هي مهمة الناقد الصادق النزيه، فهو يؤكد أن الشاعرة نازك الملائكة، عاشقة الليل، في طليعة بنات جنسها من الشاعرات - ذوات الدواوين - في هذا الوقت، إن لم تكن أولهن، واضعين في الحسبان أن مارون عبود، يطلق رأيه النقدي هذا عام 1947، عند صدور ديوانها الأول، فهو يرى الشاعرة الموهوبة من البيضة تصيح، فالبداية مؤشر على المسيرة الموهوبة حتى النهاية.
الناقد مارون عبود، ما اكتفى في كتابه النقدي الممتع والرصين (مجددون ومجترون) بدراسة دواوين الشعر، بل انتقل لدراسة أدب ما وراء البحار اللبناني، وأعني بذلك أدب المهجر الشمالي، أي الولايات المتحدة الأمريكية، فلقد انتقل العديد من الأدباء اللبنانيين إلى أمريكا، بوسطن ونيويورك، واللبنانيون بخلاف قومٍ آخرين، جوابو آفاق، ولعل ذلك مرتبط بجذورهم الأولى، أجدادهم الفينيقيين إذ كانوا جوابي بحار ومحيطات، أقول انتقل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وأمين الريحاني وغيرهم، ليؤسّسوا هناك (الرابطة القلمية) التي ترأسها جبران، الذي طبقت شهرته الآفاق والذي كتب بأسلوب جديد، استهوى القراء، وحاول العديد من الكتاب ترسّمه والنسج على منواله، ولكن أنّى لهم ذلك، وهذه الفوارق في المواهب التي صبّها الله في بعض خلائقه تفعل فعلها، الأمر الذي دفع بميخائيل نعيمة أنْ يكتب كتابه ذاك عن صديق عمره جبران لكن ما تمكّن من التخلص من دواعي الحقد والحسد، وقد تحول جبران في نظر الناس إلى رمز وأيقونة محاولاً تحطيمها (فبدأ كما يقول مارون عبود منذ حبل به في البطن، وأخيرا، كشف عن عورته.... فتم الكتاب) ص247.
ثم يواصل المؤلف حديثه عن المدرسة الجنوبية، أي المهجر الجنوبي، في البرازيل خاصة، حيث أسس الأدباء اللبنانيون المهاجرون إلى تلك الأصقاع، العصبة الأندلسية مستوحين في ذلك أيام العرب في شبه الجزيرة الإيبيرية؛ الأندلس وما قدموا للحضارة الإنسانية فيها، وكان نتاجهم الغالب، الشعر. في موازاة النثر في المهجر الشمالي، واقفاً عند أعمدة هذه العصبة أمثال: إلياس فرحات صاحب البيت المدوي:
إذا كانت الدولات عشرا ليعرب فكم دولة تستوعب الصين والهند
والشاعر القروي رشيد سليم الخوري، وشقيقه الشاعر المدني قيصر سليم الخوري، وشكر الله الجر، الذي قرأت الكثير من أشعاره في مجلة (الأديب) اللبنانية قبل توقفها عن الصدور خريف عام 1984، لوفاة صاحبها ومنشئها ألبير أديب (رحمه الله) وأخوه عقل الجر ونعمه قازان وفوزي المعلوف وشقيقاه شفيق ورياض، وبعد سنوات إلياس قنصل وشقيقه زكي قنصل الذي كنت أقرأ قصائدهما في مجلة (الأقلام) العراقية في سنواتها الأولى هي التي أسّست سنة 1964، فضلاً عن مجلة (الأديب) الآنف ذكرها.
كثير من الكتب تموت مع تقادم الأيّام ومرور الأزمان، لكن ها هي مؤلفات القاص والناقد اللبناني الساخر مارون عبود، تحمل معها ديمومة عيشها، مع أنّها كتبت في سنوات الثلاثين والأربعين من القرن العشرين، وذلك راجع لنزاهة الناقد وثقافته وجديته وقوله الحقيقة، وحتى إنْ أغضبت المعني فيها، ومن هنا يأتي مصداق المقولة التي ستبقى ترنُّ في أسماع الدهر والتي أطلقها عمر بن عبد قيس، إذا خرجت الكلمة من القلب وقعت في القلب وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان...، وكتابة مارون عبود خرجت من القلب الطيب لتجد مكانها الرحيب في قلوب القراء والدراسين ونفوسهم. وذلك حَسبُه.