شوكولاة : نكهة اللذة و فائض الألم

محمود الصباغ
2018 / 11 / 6

لست أدري أين ومتى قرأت للكاتب الياباني هاروكي مواكامي جملة تقول:"لحياة مثل علبة شوكولاة بأنواع مختلفة يمكنك الحصول عليها دون سواك بشرط ان تترع نوع لم يعجبك.. ولكن كلما تذكرت هذا الشرط ستشعر بالحزن لخسارتك تلك القطعة".
كيف يمكن لقطعة شوكولاة صغيرة سقطت سهواً بين شفتي رجل معروف بصرامته أن تغيره و تقلبه رأساُ على عقب؟ كيف كان مقدراً لمثل هذا التواصل بين طرف اللسان و حلاوة مذاق الشوكولاة أن يجعله يركل بعيداً جديته و غروره و تفاخره بالنبل و التدين ليتحول كما لو أنه طفل نهم يكاد لا يرتوي؟ كيف فجرت فيه ،تلك القطعة الصغيرة، الحنين المكبوت دفعة واحدة.
يا لسطوة الشوكولاة إذن حين تكسر الأصنام في داخلنا دفعةً واحدة و إلى الأبد. وليس سراً أنه سيكون للشوكولاة طعم مختلف بعد هذا الفيلم الذي يشبه في سرديته تلك القصص والحكايات التي نرويها لأطفالنا, و التي لانبذل جهداً كبيراً في صياغة حبكتها. حكاية مسلية؛ ملونة؛ متلونة، نسير بها نحو نهاية تجعلهم يبتسموا و يناموا و يكفوا عن مضايقتنا.
‏غير أن الفيلم -فضلاً عن ذلك- فيه من الغرابة ما يجعله موضوعاً هاماً لأن يكون حكاية, لكن هذه المره للكبار, ولن يكون بمقدورنا نسيان مشهد الكونت "دي رينو" متسللاً لمتجر "فيان" لتحطيمه وتحطيم رمز قوتها, فيقع فريسة الشوكولاة عندما يتذوق ماسقط على شفتيه, فيغمض عينيه بتلذذ لايوصف ليهوي به طعمها إلى أعمق ما يكون من الإغراء فيهمهم بفائض التلذذ, كمن ابتدأ لتوه ،مثل مراهق، بسبر أغوار اللذة, ولعل هذا المشهد هو الأكثر رمزية, بما يمثل من الخضوع للذة الحسية مجسدة بإغراء الشوكولاة,واستكناه عفوي للشعور بسعادة ما, بسيطة مثل قالب شوكولاة أو مثل قلب موجوع ينبض بالحياة.
‏لقد شاهدت الفيلم عدة مرات, لكن هذا المشهد بالذات شاهدته مراراً, ربما لأني أحب الشوكولاة. وربما أيضا لأني أحببت ما اكتشفه الكونت "دي رينو" وهو مغمض العينين وفمه يتحرك بطعم الشوكولاة وهمهمته التي لايمكن التعبير عنها بالكلمات, إنها كيمياء من نوع خاص نعرفه و لانقدر أن نعبر عنه أو نصفه , وليس ثمة ما هو أعمق من تلك الاحظة التي ذلك حين تحتضن "فيان روشر" الكونت وهو غارق بين قوالب الشوكولاة المحطمة صبيحة اليوم التالي و ‏،الذي كان قبل تلك اللحظة عدوها الأول و الأوحد.
‏ينهار الكونت دي رينو و من خلفه تراتبية " النظام الأبوي" وينتهي به المطاف مكشوفاً على حقيقته. وهو الذي كان يحكم البلدة بصرامة أخلاقية يراها كمبدأ "طبيعي" تضفي على الإنسان المؤمن الصلابة الأخلاقية و التقوى المطلوبتين والتي ينبغي له الالتزام بها. ربما يمضي الكونت بعيداً "من خلال التجربة" إلى ما وراء ذلك فنراه رجل معقد ينظر بعين الجد لكل ما حوله فيرى في فيان"مخلوق بري" يهدد- بطبيعة الحال نظامه الذي شيده بمساعدة سلطة الدين, ومع ذلك فهو أحمق بقلب طفل حين اختار محاربة الشوكولاة , ليصبح الصراع مكشوفاً مع امرأة تحركها ريح الشمال. و سوف يردد" هذه البلدة ليست كبيرة بما يكفي لكلينا"، مختزلاً ما يريد الفيلم قوله :هزيمة الكونت تعني هروبه من حياته القديمة وبذات الوقت تعني لفيان استقبال حياة جديدة مع قرية تبدو كأنها جديدة بسكان جدد .
كم سيدهشنا ما نكتشفه من معاناة الكونت الشخصية من هذا النظام الذي يرمز له و يدافع عنه, سيكشف لنا الفيلم خفايا شخصيته, وسنعلم -بحق- محنته فهو يحاول أن يتقبل فكرة أن تهجره امرأة "زوجته" فيدّعي أنها في إجازة , ورغم عدم عودتها يبقى ينكر ذلك حتى قرب النهاية حين يقول سكرتيره بلطف بالغ " لو قلت أنها لن تعود فلن تر أحد يعتقد غير لك" في هذه اللحظة، يشعر رينو بضعفه وحراجة موقفه و يبرر ذلك بأنه يخاف إظهار عواطفه للملء وهو حارس الأخلاق و القيم العائلية القروية المحافظة ولن يسمح أن تلوثه ساحرة الشوكولاة .وحين يقال عنها أنها "ساحرة" (و نعلم ما لهذه الكلمة من حوامل عميقة في الثقافة الغربية/المسيحية) ترفضها فيان مستذكرة أن والدتها دعتها ذات مرة بالساحرة , فقط لعدم وجود كلمة أخرى مناسبة لوصفها فالسحر ليس قوة أو قوى خارقة وإنما هو شيء يمكن للمرء أن يتعلمه وهذا ما قامت به فيان.
‏فهناك، ثمة لغز (سحر؟) غامض يلف شخصية فيان ابنة الصيدلاني الفرنسي المغامر الذي ورثت عنه الترحال و عن أمها الشامانية من المايا طقوسها الغامضة, شخصية تمزج في جوانبها خبايا إقليم البروفانس الفرنسي"الكاثوليكي " في ستينيات القرن الماضي حيث تدور أحداث الفيلم و سحر أمريكا الجنوبية,استطاع المخرج أن يزاوج بين كل هذا بلمسة مميزة من الكوميديا الرومنسية و الإدهاش الذي يجعلنا نشعر منذ البداية بدور فيان المحوري بحيث يمكن أن نطلق على الفيلم اسم فيان أيضا .فالفيلم وعنوانه (الأصل نص روائي للكاتبة البريطانية جوان هاريس ) يحكي عن الشوكولاة , و لكن ليس أية شوكولاة, إنها شوكولاة فيان , السيدة غريبة الأطوار و المحبوبة بذات الوقت, عشقها للشوكولاة ليس طارئاً أو عرضياً فوالدها ارتحل إلى أقاصي الأرض ليتذوق طعم الشوكولاة من يد شامانية أصيلة ولنا أن نتصور كيف استطاعت عيونها أن تأسر هذا الفرنسي الأنيق بسحرها فأتت فيان نتاج تمازج غريب و مدهش، يسري في دمها سحر الشامان وعنفوان الصيدلاني الفرنسي و عشقه للشوكولاة, و منذ أن وعت لن تكف عن تلبية نداء ريح الشمال ومثلما هجرت والدتها أبيها إثر نداء الريح وأخذتها معها، ها هي تجوب الآفاق رفقة ابنتها لتجد نفسها أخيراً في قرية وادعة تعيش على التقليد و العادات و النميمة , فقبلت التحدي ,تحدي الاستقرار أو الترحال و يحفزها في ذلك سر الشوكولاة و سحرها , فتترجل عن طيب خاطر وترضى بالحب الذي ينتظرها هناك.( تقع فبان غدفي حب غجري إيرلندي يدعى روكس كان يمكث مع قبيلته في القرية).
لا تضيع شخصيتها في سياق حبكة الفيلم و لاتتشتت رغم تعدد مهامها , إذ حافظ الإخراج على الغموض الذي يلف شخصيتها وتماسكها حتى النهاية بسردية درامية ملتحمة ومتصاعدة.
ثمة أمر آخر هام، "على الأقل بالنسبة لي":ابتسامة فيان المميزة أثبتت أيضا بأن الإجابة عن أسرار الحياة لا تكمن في الشكوكولاة وحدها, بل في تذوقها من يد أنثى بالذات , أنثى دافئة مثل الشوكولاة, طرية وساحرة مثلها. تقول فيان: كلنا لدينا رذائل بطريقة ما, الرذيلة هي ما تضفي علينا حيويتنا كبشر ,نحن لسنا ملائكة, لكننا نسعى لأن نكون, وحتى نصبح ملائكة تنصحنا فيان بتذوق الشوكولاة التي تصنعها، وهذا ما يوف يفعله سكان القرية لتدب الحياة فيهم من جديد ويبدأ التغيير بدافع الفضول ثم الشغف لبنتهوا بالعشق. عشق كل ما هو لذيذ ويجلب لهم السعادة.
هذه رسالة فيان ومهمتها. لقد كان مقدراً للشوكولاة أن تغطي جوانب من الواقعية السحرية و التشويق والخيال. و أن تكون استلهاماً للتغيير.
هل هذا بتأثير الشوكولاة فقط أم بتأثير الجميلة فيان- جولييت بيونشيه ؟
كيف يعقلةأن تقود الشوكولاة ثورة أو تؤدي إلى ثورة؟. و إذا كان التغيير قادم لامحالة, فما هي السبل التي تعجّل قدومه ؟ ثورة؟.
ربما ثورة , وربما شيء آخر.
‏كيف يمكن للناس أن يتخلوا بطيب خاطر عن الأفكار العزيزة عليهم؟ لقد غيرتهم الشوكولاة فجعلتهم يهربون إلى فيان ليعبروا عن ضجرهم و عن الرتابة التي كانوا يعيشوها قبل قدومها ,حتى مشاكلهم الحميمية وجدت حلاً لها في قوالب الشوكولاة التي أضفت جوا رومانسياً ومتحرراً عليهم , لقد كانت البسمة تملء وجوه الكبار وهم يرون الصغار يتلصصون على مخبز فيان.
وعلينا هنا أن بقدرة المخرج الهائلة في القبض على ناصية الفيلم و السير نحو النهاية دون السماح للأحداث بالهروب من بين يديه بفضل طرحه عدة أفكار يكتنفها خليط من الغموض والغرائبية و الخلفيات شبه الأسطورية دون الانزلاق نحو السطحية و التبسيط. لنعترف بقدرته أيضاً على بقائه واعياً لمثل هذه المزالق فنراه يخترق بدهاء عقولنا حين يحاول أن يقنعنا بأنه يمكن لفضيلة السعادة المتحررة (تمثلها هنا سلطة الشوكولاة الحميمية و المرحب بها) أن تنتصر على تعصب قرية منعزلة يترواح عمل سكانها بين طقوس المضي لحقولهم و الذهاب إلى الكنيسة، بمارسوها بملل دون التفكير حتى في آلياتها. لقد أتت الشوكولاة لتهدم كل هذا كسبيل للتغيير الحتمي، فمع مرور الوقت يخضع الإنسان للمتغيرات النفسية و الجسدية , تتكيف النباتات للبقاء على قيد الحياة وفقا لبيئتهم ، الجمادات وحدها من ترفض"ذاتيا" مبدأ التغيير فيصبح عرضة للتآكل و الصدأ و التبدد , ومع ذلك، هناك من يرى أن مقولة التغيير لا تنطبق عليهم (مثل الكونت) كما لو أن التغيير لن يصيبهم أو سيتملصوا منه فقط لأنهم لايرغبون به و لايرغبون في أن يتغيروا. وكما يخبرنا الراوي ابس الكونت وحده من يحبذ عدم التغيير ،بل أيضاً سكان البلدة العالقين في عاداتهم القديمة وينظرون بعين الرصا لمعيسهم رغم ضجرهم ،فحياتهم لا تتطلب منهم أكثر من إنحاز العمل في الحقول وتمضية الوقت في أداء واجبهم الديني في الكنيسة ولابأس من الهمس فيما ببنهم بما يروج من سائعات حولهم ولذلك،وكما يفسر الراوي الأمر " يمكنك أن تعرف ما هو متوقع منك فعله لو كنت تعيش في مثل هكذا بلدة. يمكنك أن تعرف مكانك ضمن نظام الأشياء, وإذا حدث و نسيت, فإن شخص ما "العمدة أو الكاهن"سيساعدك للتذكر, وإذا كانت آمالك قد أصيبت بالخيبة , عن طريق الصدفة, فعليك أن تعلم بأن لا تطلب أكثر, حتى خلال الأوقات الجيدة و السيئة , المجاعة , و الأعياد,كان القروييون يتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم".
انطلاقا من هذه الكلمات نكتشف أن سكان القرية غير مهيئين للتغيير و غير معتادين عليه و كيف أن التغيير أصلا غير مرحب به في بلدتهم , فغايتهم في الحياة هي الثبات ..ولكن عندما تفتتح فيان متجر الشوكولاة يبدأ الناس بتجربة التغيير على الرغم أن بعضهم غير مستعد لذلك أو لقبول ذلك .ربما معظم البشر لايرغب في التغيير لأن تجربة التغيير ذات تكلفة باهظة قد تتطلب التخلي عن ذكريات من الماضي، أو تغيير نسق الحياة واتساقها. كل هذا بدى منطقيا حتى اللحظة التي انغمست فيها البلدة في التغيير وشهد الأشخاص مثل هذه التجربة بطريقة أو بأخرى.
يحاول الفيلم (وكذلك النص ااروائي) القول بوضوح أن الكنيسة "الدين بشكل عام" ليست حالة طبيعية بل اصطناعية يتم فرضها بالقوة عن طريق السلطة " العمدة و الكنيسة" للحفاظ على نفوذها و هذه السلطة تكره التغيير بل تقاومه وهذه دعوة لتصحيح مفاهيمنا الإقصائية و الصارمة تجاه من يخالفونا فليس كل البشر لديهم ميول سيئة أو ميول نحو ارتكاب الخطيئة او "المعصية" , بل أن تكريس مثل هذه المفاهيم يجعلنا نقع فريسة سهلة لهيمنة سلطة رجل الدين و نصه وقانون السلطة المؤيدة له, ولذلك بعد "هزيمة" الكونت دي رينو تعود القرية إلى "الحياة الطبيعية" التي تحمل في طياتها التسامح وقبول الآخر بعد التحرر من الغرائز الطبيعية وهذا هو جوهر فهم الطبيعة البشرية ,وهنا يأتي صوت غامض لفيان يطالبها بالرحيل بعد أن أكملت رسالتها ,ولكن يبدو أن تأثير التغيير قد انتقل لها أيضا ليحولها إلى شخص "عادي" يحب الاستقرار أكثر من حياة التجوال وهي التي تعاني من عدم الأمن الداخلي وتتوق للانتماء لمكان ما أو لشخص ما ,فيان التي لم تعد تذكر عدد المدن التي زارتها وعاشت فيها ولا عدد اللغات التي تعلمتها .ولا عدد المرات التي غيرت فيها اسمها, وفي كل مرة تطلب فيها الاستقرار كانت روحها تحتضن الحياة غير المستقرة بوصفها مغامرة كبرى ,وعندما تلقي برماد أمها مرة واحدة تشعر أنها استعادت نفسها من التيه الذي تعيشه وأضحت حرة غير مسيرة في اختيار مصيرها, لقد أطلقت رماد أمها لريح الشمال لتحلق بها بعيدة و تتركها هنا قدميها على الأرض مع واقعها الجيد , ربما لتتذوق الشوكولاة هذه المرة بطريقة مختلفة بمذاقها السحري العذب.
الفيلم إذن بطريقة ما ليس عن الشوكلاة فحسب بل عن البشر, وكيفية استجابتهم للسعادة و الحزن و الشعور بالذنب و الراحة والحب و البغض والجنس و الحرمان والحرية وغيرها، ولم تكن الشوكولاة سوى الوسيلة للوصول للنهاية التي تمثل التسامح في مواجهة مفهوم مثل إنكار الذات الذي يمثله الكونت, والكاهن المضلل الذي يعتقد ان السعادة ليست سوى ضعف قاتل علينا التخلص منه لتبقى أرواحنا طيبة و القبول بالغفران الديني كأحد حالات القضاء على التعارض بين الإيمان و عدمه" أي الإيمان غير السماوي".
وكما يقال العادات القديمة لا تموت قط , لذلك على فيان أن تتعامل مع دورها بوصفها منبوذة وبهذا يحاول الكونت معالجتها باعتبارها روحاً ضالة ،كامنة و متخفية. هي مطالبة بالقبول وهو مطالب بالغفران . "القبول و الغفران" بمعناهما الديني ,وليس صدفة اختيار زمان الفيلم فترة الصوم الكبير المعروفة في التقليد المسيحي أنها تشتمل على العديد من المعاني كالتأمل الصارم و الندم و الابتعاد عن الملذات "لاسيما الجنس".
يرتحل بنا الفيلم إلى أعماق النفس البشرية لسبر غورها لنرى الطرق المختلفة التي يواجهها الناس عنما تكون حيواتهم وانماط معيشهم و تفكيرهم عرضة للتغير بسبب محرض خارجي، كيف سيقومون بكل هذا ؟
وإذا كان الكونت يمثل القانون و الشعور بالذنب المرتبط بالكنيسة, فإن فيان تجسد المتعة و الحياة الحرة من خلال روحها غير المتزمتة و غير الملتزمة دينياً، فهي-كما يصفها الكونت- امرأة "تضحك كثيرا وتقوم بالكثير من الإيماءات الهزلية بذراعيها".
لاتترد فيان على الكنيسة .و هي تؤمن بالحلول و التناسخ وقد أخبرت ابنتها "أنوك" ذات مرة أن عيد الفصح هو عيد وثني لإلهة وثنية ,ولذلك لا تتورع عن تقديم الشوكولاة برموز وأشكال مختلفة فثمة قوالب على شكل يسوع جنبا إلى جنب مع شوكولاة الأرانب و الحملان , بل ثمة قالب أبيض على هيئة البابا.
وتقودنا رمزية الأشكال لمعانٍ أعمق و أبعد, فحين يرى الكونت محارات سان مالمو ( تلك الحلوى الصغيرة المحشوة باللوز التي صنعت مثل محارة محكمة الإغلاق) لا يتردد في القول "إنها تذكرني كثيرا بك"و هنا علينا أن نتذكر أن فلاحي القرن السابع عشر في أوروبا كانوا يعتقدون أن المحار مثير للشهوة الجنسية "بوصفه رمزاً للشهوة" , ألم يعترف سكان القرية بذلك؟" في كل مرة أحدث نفسي قائلة : إنها قطعة صغيرة فقط سأتذوقها. قطعة واحدة لن تحدث ضرراً.لكن تلك القطع الصغيرة من "شوكولا الأصداف البحرية " التي تذوب في عذوبة وبراءة في الفم تمنحني شعوراً غاية في الروعة"." إنها تذوب ببطء شديد على اللسان ، فتغمرني بإحساس هائل من السعادة والنشوة "
وفي الأحلام يعتبر المحار رمز للانسحاب ,والتأمل,والتهذيب الداخلي,والتحول,و الانغماس و المضي قدماً. و يبدو أن فيان تعمدت اختيار حلوى"الصدف البحرية " تلك لعلمها أن الكونت يتحكم بصرامة لبس بشهوته فقط وإنما بأي شكل آخر من أشكال المتعة و السعادة في الحياة, علاوة على أنه لديه الكثير من الأسرار.
وعلى فيان- تلك المرأة الهادئة- أن تتغلب الآن على عاداتها مع الريح ,بعد أن انتهت معركتها مع الكونت .
ليس الاندهاش من قدرة فيان على تغيير القرية مايذهلنا ,بل قد يكون السؤال الأهم هو كيف استطاعت هذه القرية المنسية أن تغير فيان دفعة واحة دون رجعة .
فيلم شوكولاة لاينبغي مشاهدته فحسب, بل تذوقه أيضاً بما يكفي لأبقاظ حواسنا من سباتها الذي فرضته علينا المدينة و آلياتها المثيرة للضجر ، فهو فيلم ساحر يحقق الغاية من الفرجة و لاتخلو حكايته البسيطة تمضي بنا بطرقات تغمرها الشوكولاة من كل الجوانب.