Shutter Island: الجنون كوسيلة لقهر  فوضى هذا العالم

محمود الصباغ
2018 / 11 / 4

"أيهما أفضل؛ أن تعيش مثل وحش أو تموت مثل رجل طيب؟" عبارة أصبحت من أشهر الاقتباسات في تاريخ السينما رغم عمرها القصير نسبياً، ولكن من قالها؟ تيدي أم أندرو؟. قبل الإجابة، لابد من كلمة بشأن عنوان الفيلم :إذ يصح لكلمة Shutter أن تكون اسماً أو صفة ,وبالتالي يمكن أن يترجم العنوان إلى "جزيرة شاتر" ،وإن كانت صفة يصبح "الجزيرة المغلقة" و هذا ربما تضمين بطريقة لجوهر الفيلم .فماذا لو عرفنا أن أحدهم-وليكن اسمه مبدئياً أندرو- يعيش في مكان "مغلق و مصاب بالفصام؟ وهو قبل هذا ليس مهندساً أو ضابطاً أو مدرساً .. إلخ؟ بل مجرم , قاتل. مدمن على الكحول وجندي سابق يعيش متلازمة ما بعد الحرب؟
ماذا لو اتضح أنه ليس سوى "حيوان" تجارب غير مشروعة لتطبيق مجموعة أفكار لأطباء حكوميين في مصحة نفسية في ذات المكان "المغلق" والمعزول عن بقية العالم؟ .وماذا لو اتضح فوق كل هذا أنه وفي نوبة جنون قتل زوجته (التي بدورها وفي نوبة جنون سابقة قتلت أولادها) ؟ ‏وليت الأمر يتوقف هنا, بل سيقوم هذا الشخص بنسج شبكة من الأوهام حوله ما يجعله يبدو آخر مختلف متصالح مع ذاته و "مفيد" بصورة ما ولكن دون أن يغيب عن باله يقين أنه قاتل.
ربما هذا ما يريده المخرج "مارتن سكورسيزي" من المشاهد ،أي أن يتخيل و يتساءل ،فنحن أمام فيلم يستحق أن يقال عنه فيلم أسئلة اليوم التالي,وهنا يكمن إدهاشه حين يلتقي الخيال مع الجنون, فجزء من جمال الفيلم يكمن في نظرته "ما بعد الحداثية" بعدم الالتزام بجانب محدد في تأويل أحداثه, فحتى الإقرار بأنه يتحدث عن قبولنا للشيطان-الوحش بداخلنا و إيجاد وسيلة لقتله هو إقرار غير كافٍ لفهم ما يدور في مساحة السردية البصرية للفيلم .لقد أدرك أندرو هذا الذي ذكرناه سابقاً حقيقة أنه يستطيع التخلص-منفردا-من الشيطان الكامن بداخله بمجرد أن يدرك حقيقة ما فعله بماضيه, كما أنه أدرك أيضا أنه سيكون من الصعب عليه العيش في العالم الخارجي بعد اكتشافه لمثل هذا الشيطان .فأندرو بعد الشيطان ليس أندرو الذي قبله، لاسيما مع تمركز الذنب داخل وعيه و إدراكه أنه غير قادر على أن يغفر لنفسه ما اقترفه في ماضيه. وهكذا يمضي الفيلم نحو تفكيك عناصر المصيدة التي وجد أندرو نفسه محشوراً فيها ,ولابأس أن يكون إطار هذه المصيدة مصحة عقلية-جزيرة تضربها أمواج الأبدية دون هوادة.جزيرة يكتنفها الغموض، ظلال كثيفة تضفي على المكان ستارة "علمية" كثيفة مملة و جافة , جزيرة ليس من السهولة اختراقها, فضلاً عن أنه ليس مسموحاً أصلاً اختراقها و كشف أسرارها, فالأسرار -بحكم تعريفها كأحاجي أيضاً-معقدة لا من حيث هي أسرار بل من حيث هي أسرار معقدة، ‏و يقترب سكورسيزي بلغته السينمائية المدهشة من تصوير الرعب النفسي ممتزجا بنكهة درامية متميزة وبصريات مذهلة تتنقل بين تلك الممرات القديمة والمخيفة للمصحة العقلية وبعض ملامح الجنون على وجوه النزلاء و صراخهم في الممرات.
يلقي الفيلم الضوء على محطات هامة من تاريخ علم النفسي ،لاسيما السريري منه وكرق العلاج المتبعة فيستنزف الرعب النفسي الفيلم ويجعله ‏يغرق -حد الضجر- في تصوير مشاهد مثيرة يلقط لها المتلقي أنفاسه لشدة غرابتها وتجاوزها لعتبة الألم، و يتعدى هذا الرعب سردية الفيلم ليصل بنا و معنا إلى حيث لا يرغب معظمنا (الخيارات الواقعية القاتلة) . إنه حقا يهمس بأذننا" أريد مطاردة واقعك" ,لا أعلم أين قرأت أو سمعت هذه الجملة لكنها تنطبق على عوالم الفيلم بدقة, لاسيما الربع ساعة الأخيرة حيث تغرقنا الذروة في أعماق مظلمة لشخصية أندرو-تيدي , وحيث تنهال الأسئلة لتخلق التشويق الحقيقي.
لا يعطينا سكورسيزي الفرصة حتى لالتقاط أنفاسنا, بعض هذه الاسئلة تلقائي سياقي و بعضها متعمد تشعر وكأن سكورسيزي هو من يطرحه علينا قصداً: إذ" ليس ثمة أي نظام أخلاقي على الإطلاق, بل هناك عنف فقط ،كامن فينا، في دواخلنا.فهل يمكن لهذا العنف في نهاية المطاف أن يقهرنا و نحن من خلقه؟ ربما لن نجيب على هذا السؤال للتو،بل سنبقى مشدودين للمتعة التي يهلقها سكورسيزي ،ثم قد نجيب عن الأسئلة في اليوم التالي .
يستخدم سكورسيزي أقصى براعته للتعبير عن التناغم بين الصوت و الصورة لخلق المعاني اللازمة لاستحضار الجو النفسي المطلوب: الفزع و الريبة و عدم اليقين و التردد و عطالة الخوف و غيرها من الصور التي تنبع من العقل المضطرب لتيدي "الذي هو أيضا أندرو" ووضعها كلها أمام المشاهد.. إنها أجواء ليست بعيد عن فانتازيا رعب هيتشكوك , وقد يتيح لنا هذا الربط الوصول إلى أحد أهم أسرار الفيلم , أي انكشاف عوالم الشخصية الرئيسية لنا بوصفها واقع و ليس بوصفها قطعة من خيال نوعي انتهى بها المطاف إلى حلم أو إلى سياق حلم بكل لمحاته الجانبية حيث يكون تيدي هو في الواقع مجنون. مجنون حقيقي رغم أنه وهم . وعند هذه النقطة يزداد إرباكنا حين نعلم أن تيدي أصلاً من نزلاء المصحة وُجد بالأساس كجزء من خطة علاج أندرو ، وهو ليس سوى شخصية مستنسخة من ذهن أندرو و أوهامه ، ولكن ماغاب عن بال الفريق الطبي هو إمكانية أندرو التحكم "بخياراته الواقعية القاتلة"فنراه بختار أندرو أن يكون تيدي متنازلاً عن طيب خاطر عن أندرو و عوالمه ، لأن الخيار الآخر سيجعله يكتشف أنه قاتل, وهو بلا شك لن يستطيع التعايش مع هذه الفكرة،وعند اللحظة ينكتشف قوة العبارة التي ابتدأنا بها " ‏أيهما أفضل؛ أن تعيش مثل وحش أو تموت مثل رجل طيب؟"
ما يزيد الأمر صعوبة عليه "وعلينا" هو عدم وجود طريقة واحدة و وحيدة و حتمية للخروج من المتاهة(كما هي العادة) , بل ثمة احتمالات لامتناهية"رغم أنها محدودة في النهاية كونها قابلة للعد" مثل أن ألتقط الكرة الحمراء من صندوق يحتوي على مئات الكرات الملونة من بينها كرة حمراء واحدة. إن يقيني بوجود مثل هذه الكرة رغم تعدد احتمالات التقاطها يعطيني راحة أكثر بوجود حل ما , لكنه يزيد من قلقي لعدم معرفتي بالزمن اللازم لتحقيق هذا اليقين أي أن تكون الكرة الحمراء في قبضتي..كرة حقيقية و ليس وهم ..فالأمر أشبه بحكاية عالم الرياضات الروسي الذي قال له جيرانه تعال معنا إلى الملجأ فالألمان سيقصفون موسكو هذه الليلة ،فرفض بذريعة أن قوانينه الرياضية و احتمالاتها تنبؤه بأن هناك احتمال ضئيل ان يطال القصف منزله،وفي اليوم التالي وجدوه يهرع نحوهم ويلقي نفيه في وسطهم ،فسألوه مابك؟فقال:لقد قتل الألمان الفيل الوحيد في المدينة... ‏وهكذا, فالأمر إذن أشبه بسؤال "لماذا نعيش"؟ فكم هو عدد احتمالات الإجابة على هذا السؤال؟ .وكم هو مقلق أن لا نعلم بالضبط متى سيأتي الجواب الذي نتوقعه , قد لانكترث وقد نقول ,حسن لا يهم , فنحن في الحقيقة لا نعرف و ربما لانريد أن نعرف لإجابة .(يخطر في البال هنا ما يقال عن سؤال ألقاه احدهم على الفيلسوف الإيطالي بنديتو كروتشه لتعريف ماهية الجمال فأجاب كروتشه إنما تعريف الجمال هو بعدد الرؤوس البشرية الحية على كوكبنا).
ماذا يعني هذا؟
‏ إنه ببساطة يعني ما قاله سكورسيزي نفسه, فالأمر " ليس ما تريد أن تفعله ,بل ما يجب عليك أن تفعله ,ليس لديك أي خيار. " وهذا ما قام به تيدي بالفعل في آخر مشهد في حديثه مع تشاك شريكه -طبيبه بقوله تلك العبارة الشهيرة السابقة. في الواقع ،ومن خلال هذه اللمسة المعرفية في المشهد، نقف في حيرة من أمرنا ،ونحن على حق في ذلك، فمن الذي يتحدث هنا ؟ أندرو أم تيدي؟ أحدهما يحاول خداعنا لنعتقد أنه تيدي وذلك بقبوله الضمني بالخضوع للعمل جراحي كإجراء علاجي فهو لا يريد أن يعيش كوحش مثل أندرو , بل يرغب أن يموت كبطل، أي يكون تيدي وهذا أقصى قدر ممكن من الأمن العقلي يمكن لتيدي أن يوفره لنفسه للخروج من المصيدة وهو يعلم أيضا أنه حين يخبر تشاك بذلك فهذا يعني أنه "استعاد" عقله , وإن كان تيدي هو من يتحدث و ليس أندرو فهذا يعني أن أندرو ليس هو من يقرر أو يختار مصيره. فتلك الكلمات الأخيرة تخفي خلفها معانٍ كثيرة , لعل أبسطها هو أن أندرو-تيدي يحاول أن يقول لطبيبه-شريكه ولنا :" أن بقائي حياً هو بحد ذاته أكبر دليل على شعوري بالذنب لما قمت به في الماضي , لن أنتحر , بأن أقتل نفسي بيدي -مثلما يفعل العديد من مرضى الفصام- بل سأنتحر بأن "أقتل" دماغي من خلال العمل الجراحي "وهذا يبين أن القتلة أمثال أندرو لا يشعرون ,لحظة ارتكابهم جريمتهم, بجسامة ما يقومون به و لا حتى بذنبهم , ولكن مجرد أن يعوا ما قاموا به يتجسد هذا الذنب كوحش ينبغي التخلص منه , حيث يبدو تيدي كأنه مزق جنونه النهائي بسعيه للموت كرجل طيب عن طريق العمل الجراحي الدماغي الذي يعني واقعيا "قتل" دماغه ، بدلا من أن "يعيش مثل وحش"، كما قال ذلك وهو مدرك لماضيه.
‏لاشك إنها نهاية درامية جيدة و دقيقة ,لاسيما حين يصر سكورسيزي على تقديم الجزيرة كبيئة شريرة فتبدو فخ و خدعة ,وليس من السهل أن نعتقد أنها مؤسسة "علمية"كاملة. وفي الحقيقة لا يستطيع المصابون بالفصام ,كما هو معروف, العيش مع أنفسهم، أو جنونهم، لفترات طويلة في كثير من الحالات. غير أنه من الصعب أن نعتقد أن تيدي حل مشكلته بصورة جذرية بطريقة أو بأخرى من خلال كلمتين يقولهما لشريكه -طبيبه ..وإذا كان ليس عيباً في الأفلام المقتبسة عن أعمال أدبية أن تقوم بتنحية بعض رموز النص الروائي لصالح الصورة فإن التمادي في ذلك سيخلق وضعاً أكثر هشاشة وتصدعاً مما نتوقع عندما يحاول المخرج أن يقنعنا بسذاجة أن تيدي يدرك ما يفعله في واقع الأمر، ربما لخلق شعور بالاطمئنان لدى المشاهد حيث يبدو الفيلم كأنه نوع من الاندفاع "الصامت" الهيتشكوكي لمدة زمنية ليست قصيرة "حوالي ساعة و نصف" وسط تلميحات و اسقاطات وتقارير وفانتازيا وفلاش باك تخلق فوضى عارمة في ذهن المشاهد , فالمرضى من أمثال أندرو يعانون أكثر من الاضطراب العقلي و عدم الاستقرار بدرجة كبيرة و هم يواجهون علاجهم بعنف غير مبرر ويكون العمل الجراحي أحد الحلول المقترحة"رغم أنه في الحقيقة ليس حلاً".
لايعترف أندرو بحجم مشاكله ,الأمر الذي كلفه فقدان أولاده على يد زوجته فقام بقتلها ،ومع ذلك لا يقر بهذا الأمر ،وإذا لمسنا لديه شعور بالذنب و التأذي فلا يعود ذلك لاعترافه بجريمته، بل أن مثل هذا الشعور سيجعله يختلق ذهنياً شخصية ثانوية-يحافظ من خلالها على صورته بطلاً من أبطال الحرب و لاحقاً محققاً فدرالياً اسمه تيدي- ولأنه شخص ذكي ،فسوف يخترع سرداً ذهنياً معقداً حول نظريات المؤامرة عن المصحة وعن مطاردة مريض لاوجود له يجعله مشغولاً بلغز لا يستطيع "أو يرفض" حله , ألا و هو أنه المريض رقم 67 . ورغم إدهاش النهاية و دقتها فهي تبدو غامضة للبعض ، ولكن عند الإجابة عن الأسئلة في اليوم التالي , سيرى المشاهد أن الأمور أكثر وضوحا مما كان يعتقد ,فتيدي يستيقظ على حقيقة أنه أندرو في الواقع الذي قتل زوجته بعد ان قتلت أطفالهما وما انفكت ذاكرته تطارده رغم مرور سنوات على الحادثة ،وأصبحت عبء شديد الوطأة يثقل كاهله ، لا يطيقه و لايقدر على حمله ,وليتخلص من كل هذا دفعة واحدة اختلق لنفسه فانتازيا خاصة به. فوصف نفسه على انه تيدي المحقق الليدرالي الذكي وهنا تلاعب في المهنة و الاسم الذي يعني أيضا الدمية" وقدم قصة كاملة عن تيدي هذا بأن خلق له "تاريخا بشريا" وجعله يدخل إلى الجزيرة-المصحة و صور له وجود شخص يحمل اسم أندرو "اسمه" و أن أندرو هذا قام بقتل زوجته "زوجة تيدي" .
ولكن كل هذا لن يجدي فتيلاً ‏إذ يكتشف تيدي أن الأطباء يراقبوه طوال الوقت ، مما يعني أنه بالنسبه لهم مازال مريضاً وهذا ما يزيد من ثقل ذنبه و ألمه لأنه يعلم أنه لا يستطيع العيش مع هكذا ذنب وهكذا ألم ؛ لذلك اختار أن يكون تيدي عن طريق السماح لهم بالقيام بالعمل الجراحي بدلاً من أن يكون أندرو و يعيش مع آلامه و ذنبه، على الرغم من قيام
‏الفريق الطبي الذي يعالجه بتحسين حالته الذهنية بعض الشيء من خلال انخراطهم في تخيله كمحاولة لعلاجه و انعاشه ويبدو أنهم نجحوا . ولكن بعد تذكر كل شيء ،اكتشف تيدي -أندرو أنه لا يمكنه العيش مع هذه الحقيقة البتة، حتى لو أطلق سراحه . وهذا ما جعله يطلق سؤاله الكبير" ترى ما هو الأسوأ؟ العيش كوحش أم الموت كرجل طيب".
‏وإذن حتى لو أصبح "طبيعيا" فلن يقدر على مواصلة العيش مع ذنبه ولهذا يختار العمل الجراحي أي تقبل الموت"،موت أندرو او بمعنى أدق موت دماغ أندرو".
‏تحيلنا مثل هذه الذروة المفتوحة إلى نهايتين للفيلم فإما أن يكون أندرو قد شفي أو أنه بقي مريضا بصورة تيدي الذي كان يعلم أنه أندرو عندما كان يتحدث مع تشاك , فإن بقي أندرو سيتم الإفراج عنه وإن أراد أن يصبح تيدي فسيخضع للجراحة . ولكن ذنب ماضيه مؤلم جدا مما جعله يفاضل في اختيار تيدي على قبول حقيقة أنه أندرو (الذي قتل زوجته) حتى لو كان ذلك سيكلفه حياته "الطبيعية". لقد أدرك أنه كان أندرو, غير انه اختار العيش على أنه تيدي.
‏إنها متاهة, فخ, لغز ملتو مع مسحة جنون تضعنا في قلب تلك المتاهة, لغز يتحدى عقولنا ويحرضنا على الولوج في أجوائه دون أي شعور بالراحة .ومايزيد من حدة قلقنا عدم-عملياً- ثقتنا براوي القصة وشعورنا بأنه لايمكن الاعتماد عليه لفهم الأحداث, إذ ينتابنا إحساس في لحظة ما و في مكان ما أن الراوي يتعمد في مواضع كثيرة أن يطمس الخطوط و الحدود الفاصلة بين الخيال والواقع فنفقد القدرة على التمييز, وبالتالي القدرة على الشعور بالتضامن نحو تيدي أو أندرو أي بين ما هو حقيقي و ما هو وهمي و يتشارك المكان في تكريس عدم ثقتنا في سردية الراوي , إذ يراد لنا أن نتعامل مع الجزيرة بوصفها شخصا من شخوص الفيلم و كذلك الطقس العاصف و حتى الموسيقا الصاخبة الرعدية يريد لنا سكورسيزي ان نراها شخصا .ونحن ندرك منذ البداية أن شيئا ما "مفقود" في الفيلم, وأن الدخول في عمق الفيلم يتوقف علينا ,أي قدرتنا على اكتناه هذا الشيء المفقود عبر الطرق الالتفافية السردية. فمثلا ,وعلى الرغم من أهمية و "مركزية" المشهد الأخير في الفيلم الذي هو مفتاح الحل -إن وجد- إلا أننا نبقى أسرى المشهد الافتتاحي بما يحمله من مهارة فنية بارعة : جزيرة منعزلة, طقس عاصف , أطباء-علماء, جنون, رجال شرطة, مرضى مختلين , مصحة . هذا هو إطار المشهد الافتتاحي الذي لا يغيب عن مخيلتنا طوال الفيلم.أصلاً لا يمكننا أن نستمر في متابعة الفيلم دون إبقاء هذا المشهد في ذهننا,وهو ما سندركه لو عدنا لمساهدة الفيلم أكثر من مرة، فالمشهد الافتتاحي سيقودنا طوعاً للسؤال: كيف ستكون النهاية لو لم تكن كما هي؟ ليأتي الجواب على لسان أندرو " "أشعر بالذنب أنني ما زلت حياً, ولكن لن أقتل نفسي بكل تأكيد، بل سأنتحر..نعم سأنتحر بأن أسلم نفسي للعمل الجراحي ". فهو على وعي تام وربما للمرة الأخيرة, بأنه يخدع الآخرين وأولهم تشاك شريكه-طبيبه.
لقد عاد إلى أخيرا إلى حواسه وهذا هو الجانب السليم الوحيد والأكثر وضوحا عن الحلم: لقد كان بالفعل من قدامى المحاربين وربما كان محققاً فدرالياً أيضاً ويمتلك ذكريات مؤلمة ووعياً ملطخاً بسيناريوهات وتفاصيل عنيفة عن الحرب والقتل ,الأمر الذي جعله يعاني لاحقا من "اضطراب ما بعد الصدمة"، وهذا قاده للإدمان على الكحول. وبما أنه كان بعيداً وثملاً طوال الوقت فهو لم يتمكن من ملاحظة (أو الأخذ بجدية) مرض زوجته العقلي الذي تطور إلى أعمال عنيفة وصلت حد القتل . وبعد أن اكتشف أن زوجته قامت بقتل أطفاله-أطفالهما ، انساق ذهنه في ذات حالة الفراغ التي عاشها سابقاً أثناء الحرب عندما قتل مع زملائه مجموعة من الجنود الأسرى الألمان،( الذين استسلموا أساساً.) ربما لم يكن قد قتل زوجته ,ربما تكون طلبت منه أن "يحررها" ففعل بأن أطلق عليها الرصاص فهو يعرف تماماً كيف يمكن للأمور أن تختلط و تتداخل في مثل هذه الحالة, ربما توسلت أن يدعها تذهب, فسمح لها بالذهاب "بأن أطلق عليها الرصاص فقتلها". وقد أضيف هذا الحادث إلى صدمته، فخلق نسخة موازية وواقعية ولكنها وهمية .
‏الأمر الأكثر إثارة هنا هو أن لحظة اتخاذه القرار يبدو كأنه فهم كل ما حدث وأن الأمر ليس مجرد حشد متعاظم لأوهامه. وعند هذه النقطة من الوضوح اتخذ القرار بأنه غير قادر على التعايش مع جريمته أو جرائمه، فيفضل أن يكذب على طبيبه، وأن يجادل أيضا أنه كان رجلاً "طيباً" من قبل ولهذا فهو يختار معاقبة نفسه .
‏يا له من حل ،هل هو بطولة؟ ربما .و ربما لا, إذ ما معنى البطولة في أن تخسر عقلك وحريتك للأبد مقابل أن لا "تشعر" بثقل ذنب الماضي؟ هل التضحية على مثل هذه الدرجة من القيمة؟ هل جريمته المرتكبة لا حل قانوني لها يساهم في تخفيف وكأة الضغط النفسي؟ هل الأمر كذلك حقا؟ في الحقيقة لا نعلم .
‏كيف يمكن القبول بالحرية و العقل و العيش مع شعور عظيم بالذنب ؟ لن نسأل عن الاحتمال الثاني المعاكس لأنه باختصار أحد صور الموت التي ربما لا يرغب أحد منا باختبارها سواء طوعاً أو قسراً. وحقا يضعنا سكورسيزي أمام نهاية غامضة لكنها مذهلة تستحق كل هذا الاهتمام مع كل ما تثيره من أسئلة ومن لغط و تفسيرات و تأويلات تسرق أحيانا متعة المشاهدة ..لقد نجح في التلاعب بعقولنا و إثارتنا بخلق بحر من الأسئلة ونحن نتابع عوالم الفيلم و احتماليات التبادل المصيري بين أندرو و تيدي إلى النهاية و سيكون من المحتم علينا مشاهدة الفيلم أكثر من مرة و الالتفات لتلك التفاصيل المهملة حيث ليس فقط الشيطان من يكمن فيها بل الأسرار أيضا .
من منا سيختار جانب تيدي ومن سيكون مع أندرو؟ هل يتوجب التذكير هنا بالكرة الحمراء داخل الصندوق؟