الأب ثاوذورس داود: الهروب أماماً نحو الماضي

محمود الصباغ
2018 / 11 / 4

"لسنا عرباً....لا لسنا عرباً. يكفي كذبا وتزويراً وممالقة وعجزا وخوفاً. لسنا عربا ولله الحمد.السوري ليس عربي، العراقي ليس عربي، المصري ليس عربي، اللبناني ليس عربي ولا الأردني ولا الفلسطيني.نحن مشرقيون ، نحن روميون وسريان وكلدان وأشور وأقباط، نحن أحفاد إِبلا والرافدين والفينيقيين والفراعنة، نحن أهل المشرق وسكانه الأصليين. نحن لسنا عرباً، يكفي اغتصاباً وتزويراً للتاريخ وللجغرافيا وللحقيقة وللواقع."ثاوذورس داود * 2/12/2015
 -انتهى الاقتباس-
لا يكتب التاريخ أيها الأب بالبلاغة الشعرية و لا بالخطابة،،،نحن هنا مرة أخرى أمام طراز شاذ من التفكير يعيش في شرنقة معزولة ويقتات على وهم انطفأ من آلاف السنين ..هذا الطراز من الكلام ليس سوى مشاعر يختلط فيها الديني بالصوفي و العنصري الرجعي بالفلسفي ....أقصى ما يريده هو البحث عن تاريخ بديل افتراضي ..هو وجه آخر لا يقل قبحا عما يروج له النظام في سوريا.. لجهة كره العنصر العربي
تقوم النزعة القومية باجتراح الحلول لقضاياها الإشكالية خارج حدود العلم من خلال توليد اساطيرها بطريقة رومنسية لتاكيد خرافاتها ووضعها موضع الاعتزاز بالماضي و تستطيع القومية أن تتعايش مع هذه الحالة لتشكل القوة الدافعة لعلم آثار مشوه غير نزيه من اجل إثبات مزاعم الخاصة بالأحقية في الأرض و مصادرة التاريخ .وهنا يبدو التحيز الإيديولوجي واضحا لدى علماء الآثار أو المنظرين للقومية أو للاحزاب ذات الطابع القومي العنصري أو حتى لبعض رجال الدين الذين يجدون في فكرة "العنصر الاصلي " مرتعا خصبا لهم و لحقائقهم الدينية حيث ينصرف الكبرياء و الفخر نحو عصور تعتبر ذهبية في تاريخ "الأمة "و التأكيد حصريا على المنجزات التي تعود لتلك الحقبة مع إهمال متعمد و مقصود لما سواها من الفترات أو اعتبار عصور ما بأنها مظلمة و بائسة و "جاهلية" و هذا يتطابق بطبيعة الحال مع الإيديولوجية الرسمية للدولة التي تنصب نفسها وريثة للرموز العظام للماضي و الترويج لفكرة التواصل الحضاري غير المنقطع ، و الأدلة أكثر من أن تحصى " ألمانيا النازية , تركيا الكمالية و إسرائيل هي امثلة واضحة " ، حتى لتبدو أمور بسيطة هي ساحة معركة حقيقة مثل أصالة ( صحن التبولة أو الحمص) .مثلما يفتخر البعض بالحقبة ما قبل الإسلامية كي ينفي أي دور حضاري للعرب أو للتقليل من أهمية العرب كعنصر بشري استطاع في عصر ما أن يغزو أرضا و يقوم بتعريب هذه المنطقة .فإذا كان البعض يرى بظهور الاسلام و العنصر العربي ليس سوى "عصور مظلمة" فلماذا نلوم إسرائيل إذن حين تعتبر أن الفترة العثمانية هي الفترة المظلمة في "تاريخها"
تغير العالم ليس عملاً آنياً ومؤقتاً وقد لا يكون ممكناً في حالات ومواضع تاريخية محددة.فما العمل إذن؟هل نتوقف عن السعي في محاولة شفاء الآخرين من شقائهم؟ علماً أني توقفت منذ زمن ليس بقريب عن محاولة تذكر متى كانت آخر معركة لي لمحاولة تغيير آراء الآخرين لتصبح مثل آرائي.لذلك تقبلت الحقيقة التي تقول أن المعركة-أي معركة- ضد الشر هي أسهل بما لايوصف من المعركة ضد الغباء و لعل أهم مزايا الكتابة أنها حال حدوثها تتحول بقصدية مدروسة إلى نوع من الإحلال في المعنى، أي انها في القصدية الأولى لنطقها تشكل ستاراً سميكاً بين ذات الكاتب والقارىء :الكاتب و خصوصيته المعيشية والحياتية والقارئ المتلقي الذي تنطلي عليه لعبة الاستعارة والتورية، هذه اللعبة التي تقود الكتابة نحو إعادة إنتاج الأمكنة والحالات والشخوص لتفرض عليهم إقامة جبرية داخل النص. 
 أيها الأب ثيوذوروس؛عندما يتحول التاريخ إلى مطية ..تصبح حتى أعظم الأفكار مجرد غبار..هلام فالأمر لايتعلق بفكرة مرغوب فيها لتغيير حقيقة ما تاريخية أو سواها ؛فالصفات الإثنية للناس هي صفات حقيقية . وواقع الانتماء الإثني هو أيضا واقع حقيقي و هو أكثر وضوحا في عالمنا المعاصر بسبب الصراعات التي تتولد منه . ويمكن أن ننكر ،على سبيل المثال،الخلافات والاختلافات بين البوسنيين و الصرب أو الإسرائيليين و الفلسطينيين أو البروتستانت و الكاثوليك في إيرلندة أو السنة و الشيعة في العالم الإسلامي أو البيض و السود و اللاتينيين في الولايات المتحدة ( مع الفروقات في كل مثال) ،فنحن لا نعيش على سفينة نوح مما يخولنا القول لهؤلاء بسهولة : هيا يا رفاق لا توجد حقا فروقات كمية قابلة للقياس بينكم , لذا تقدوموا و انسوا ما بينكم .... فمقاربة الماضي بما يشمل ماكان قائم سابقاً لازيعني بالضرورة خلق تشابهات أو تماثلات مع الحاضر بما يشمل ذلك من إجراءات فرض وقائع ما غير موجودة سوى في ذهن الكاتب ،،هل تستطيع أيها الأب المحترم أن تمنع البراميل من السقوط على حلب لو اكتشفنا أننا كنا موجودين هنا حقاً قبل آلاف السنين أو العكس كان وجودنا هو مجرد وجود عرضي طارىء 
لك أن تتبنى -مثلك مثل أي شخص في المجتمع- دين ما ،فهذا حق من حقوقك التي لاينازعك أحد عليها من خلال في امتلاك الفرصة للاعتقاد و الإيمان .إنما تبرز المشاكل عندما يحدد هذا الإيمان الديني الأسئلة الممكن طرحها وكذلك الأسئلة الممكن قبولها.ففي حالات كثيرة لا تحصى من غير النقبول -واقعياً-القبول بالإيمان كمرشد ومبدأ توجيهي إلهي نهائي لأن ذاك سيؤدي بنا للقبول بالفرضية الدينية فقط و باعتبارها صادقة و ناجزة على اساس"المقدس "و سيجد الديني نفسه منساقا وراء حقيقة دينية ثابتة لا تتغير غير معنية بالحقيقة التاريخية ،بصرف النظر عن استنادها على مزاعم تاريخية صحيحة أم لا ؟(كما هو حال إسرائيل) .
عزيزي الأب ثيوذوروس :من الثابت القول أن الحقيقة الدينية ثابتة لا تتغير في حين أن الحقيقة التاريخية عرضة للتغيير و التبديل لاسباب عديدة ، ولن يكون هناك إمكانية لأن يكون الدين قابلا لتشكيل قومية ما إلادضمن أطار إيديولوجي يبيع التاريخ وهماً ليشتري عنصرية مقيته وركائز زائفة لأمة ما .وعلى الرغم من انتشار الفكرة الشائعة التي تقول أن معظم الدول القائمة حاليا إنما قامت على أساس قومي ..فإن هذه الدول ليست قومية بطريقة ما بحيث يمكننا بسهولة ملاحظة كافة التشكيلات الوطنية و الإثنية و العرقية تعيش في هذه الدول جنبا الى حنب سواء سلميا ام تخوض في ما بينها صراعا على التمثيل و الاقليم..... المشكلة أن القومية بحد ذاتها هي فكرة متخيلة يشترك فيها أعضاء جماعة اجتماعية معينة . تقوم بالدرجة الاولى على مفهوم الحدود ( و ليس فقط الحدود الجغرافية) . مفهوم الحدود يتحدد بتشكيل الهوية عبر التاريخ المشترك ، غير أن فكرة الحدود نفسها تلعب دورا وظيفيا أيضا في خلق مزاعم معينة لجماعة ما في إقليم ، كما هو الحال في فلسطين و بعض دول البلقان( بلغاريا و مقدونيا مثلا ) أو باكستان و الهند في الصراع على كشمير أو الصين و اليابان و غيرها من الامثلة . السؤال الهام الذي لا يمكن للقومية أن تجيب عليه بطريقة كافية ووافية نوعا ما هو : ما السبب الذي يجعل شخص ما يموت في سبيل الوطن؟؟؟ أهي الحدود الجغرافية للإقليم للدفاع عنه ؟ أم التاريخ ؟ أم المصلحة الاقتصادية أم الدين ؟؟؟ الكثير من الاسئلة تشكل إحراجا للقوميين .
عزيزي الأب ثاوذورس في زحمة الحياة هذه ، وفي تسابقنا المحموم نحو الطفر بالغنيمة وسردياتها سيأتي من يستوقفنا ليقول :مهلاً يا صاحبي..تمهل قليلاً لقد نسيت شيئاً ما حين غادرت الحياة ..لدلك أقول لك من باب النصيحة ((وليس من باب الإيمان))انطلق بهدوء نحو منتج صحي تمضي فيه ما تبقى من قطرات عمر متأملاً عظمة الرب ،مع إدراكي أن الكثير منا يرفضون العلاج ..
......
في ما يلي صفحة الأب ثاوذورس داود
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=530917350406982&id=413294295502622