التوسع الإسرائيلى والتراجع العربى

طلعت رضوان
2018 / 11 / 3


لوتجاوزالباحث عن السنوات التى سبقتْ وعد بالفور..وركــّـزعلى سنة1947(قرارالأمم المتحدة بتقسيم فلسطين) وسنة1948(بداية الاحتلال الفعلى) فإنّ هذا الباحث (صاحب العقل الحر) سيكتشف المُـفارقة المؤلمة..والتى تتجاهلها الثقافة العربية (والمصرية) السائدة، وهى أنّ الخط البيانى لكل من فلسطين وإسرائيل يـُـوضـّـح أنه لصالح الأخيرة ضد فلسطين..وهذا الخط البيانى يؤكد أنّ المُـعتدى يتحرّك ويتوسـّـع وينتشرمثل السرطان فى الجسد الفلسطينى والعربى، بينما مأساة الشعب الفلسطينى تتفاقم يومًـا بعد يوم.
وكلما تذكرتُ أوقرأتُ عن أحداث عام 1948 المأساوية التى انتهتْ بإسدال الستارعلى الفصل الختامى من إحتلال فلسطين، وكلما تذكرتُ الشعارالكاذب المُـضلل (الصراع العربى/ الإسرائيلى) بينما الأدق هو(الصراع الفلسطينى/ الإسرائيلى) كلما آمنتُ بما كتبه المفكرالسعودى عبدالله القصيمى فى كتابه الذى اختارله ذاك العنوان الدال (العرب ظاهرة صوتية) 717 صفحة من القطع الكبير.
الخطاب العربى التضليلى الذى ركزعلى دورالحكومات العربية وشعوبها، هوالذى وافق على مشروع إنجلترا الاستعمارى الذى أطلقتْ عليه (الوحدة العربية) ثم دشنته بإنشاء (جامعة الدول العربية) فخلال الحرب العالمية الثانية أعلن إيدن وزيرالخارجية البريطانية فى 27مايو41تأييده للوحدة العربية (يهود مصر- التاريخ السياسى- د.زبيدة عطا- عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية- عام 2010- ص211)
وكان تعقيب المؤلفة أنّ بريطانيا ((رأتْ تجميع الدول العربية فى منظمة واحدة تربطها بالاستعمارلتحقيق مصالحه)) وكان الأميرعبدالله (الذى نصّبته بريطانيا ملكـًـا على الأردن) ضمن الجوقة التى مشتْ وراء المخطط البريطانى لإلغاء خصوصية شعوب المنطقة من ناحية، وعدم الاعتماد على الذات من خلال الاستقلال من ناحية ثانية..وشيوع المسئولية فيما يخص فلسطين من ناحية ثالثة..وهذا أخطرما فى الأمربمراعاة أنّ الشعب الفلسطينى هوالمسئول عن تحريرأرضه..وكتبتْ د.زبيدة عن علاقات الملك عبدالله بالوكالة اليهودية وإسرائيل على مدار30سنة، منذ تأسيس مملكة شرق الأردن عام1921وحتى مقتل عبدالله عام 53..وكان هو والحاج أمين الحسينى ضد القومية الفلسطينية..وأنّ موقف عبدالله لايُحدّده فقط لقاؤه بجولدا مائيرفى17نوفمبر47فقد كان قبل ذلك بكثير..وكان اللقاء على درجة عالية من السرية..وانتهى الاتفاق بينهما على اقتسام أرض (إسرائيل) وفق تعبيره (أى عدم ذكرأرض فلسطين) مقابل توسيع مملكة الأردن على حساب الشعب الفلسطينى..وبذا أصبح الملك شريكـًـا فى المؤامرة الهاشمية/ الصهيونية ومنع إقامة دولة فلسطينية وفقا لقرارالتقسيم الصادرعام47(ص312)
ولم يختلف الموقف عند باقى الدول العربية، فالموقف العربى عامة لم تكن لديه استراتيجية معينة ولاتقارب ولاخطة مشتركة..وهناك ازدواجية حقيقية بين ما يفعلون أويقولون سرًا وبين ما يُعلنونه، حتى لايُواجهوا بعض المتطوعين للقتال..وهوالإتجاه الذى انتهتْ إليه القيادة العربية. وأنّ الملك عبدالله كان كل ما يهمه عدم إقامة دولة فلسطينية، فهويُعلن تأييده لقرارات الجامعة العربية وفى نفس الوقت يقول ل (إلياهوساسون) ((الجامعة ليست جامعة..وقراراتها ليست قرارات)) (هيكل فى كتابه- المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل- ص256)
وعندما طرح بعض رؤساء الدول العربية مشروعًا لقطع العلاقات مع الغرب، فإنّ مندوب الملك عبدالله كان صريحًا ولم يوارعورته فقال ((كلام فارغ..هل ابن سعود سيقطع علاقاته مع الأمريكان؟ كل واحد فى العالم العربى يُزايد على الآخر..وكل ذلك لتغطية الفشل العربى))
ومن بين الكوارث المسكوت عنها أنْ يكون المسئول عن قيادة الجيوش العربية الميجور الإنجليزى (جلوب) الذى منحه الملك عبدالله رتبة الباشوية..وقال لأحد أصدقائه أنه يشعربأنه أردنى أكثرمنه إنجليزى..وهومؤشردال على الوضع البائس للدول العربية. لذا كتبتْ د.زبيدة أنّ ((حرب فلسطين أثبتتْ مدى التفكك الذى كان فيه الموقف العربى)) (ص 329)
وفى عام49حدّدتْ إسرائيل موقفها من الأراضى التى احتلتها خارج تقسيم عام47واعتمدتْ على الملك عبدالله الذى بدأ يُثيرسكان الضفة الغربية ضد القوات المصرية التى احتلتْ أجزاءً منها حماية لها قبل أنْ تطأها أقدام الإسرائيليين..ونجح فى استمالة عناصرفلسطينية ضد مصر. وفى الوثائق المصرية بلاغات عسكرية مُتعدّدة تـُندّد بسلوك الجعبرى عمدة الخليل المُناهض للقوات المصرية فى الضفة..وإثارة الفلسطينيين ضدها..وفى مؤتمرعمان أعلن الملك عبدالله ضم الضفة إلى دولته..وبالتالى أذعن لإسرائيل وضاعت أراضى فلسطين التى أخذها خارج حدود التقسيم..وفى25مايو50 أصدرتْ أمريكا بيانــًـا تضمّن فى فقرته الثالثة تجميد الصراع (العربى الإسرائيلى) وفى الوقت نفسه استمرتْ الاتصالات بين إلياهوساسون وعناصرعربية. وذكرد.محمد عبدالرؤوف أنّ تلك الاتصالات أسفرتْ عن أنّ العرب قبلوا بشكل غيرعلنى بوجود إسرائيل كأمرواقع (ص 338، 339) ورغم الهجوم العربى على أنورالسادات بعد معاهدة الكامب، فإنّ أغلب الدول العربية تــُـقيم علاقات مع إسرئيل، بل إنّ عبدالناصرنفسه قبل مبادرة روجرزالأمريكية التى تعد بمثابة البروفة للاعتراف بإسرائيل. أما من كان صاحب رؤية ثاقبة فهوأحمد لطفى السيد الذى تنبّأ فى الخمسينات ((بقيام صلح بين العرب وإسرائيل)) (نقلته د. زبيدة عن د.عايدة سليم فى مجلة البحوث والدراسات العربية)
ولعلّ ما قاله الحاج أمين الحسينى (مفتى فلسطين) أنْ يكون درسًا لمن لديه عقل نقدى إذْ قال ((إنّ سياسة مصركانت مؤيدة وموافقة كل الموافقة لرغبة المسئولين الفلسطينيين فى ألاّتدخل الجيوش العربية إلى فلسطين. بل يقوم الفلسطينيون أنفسهم بالدفاع عن بلادهم وأنْ تـُقدّم لهم المساعدة بالسلاح والذخائروالأموال وكل الوسائل الممكنة)) (هيكل- العروش والجيوش- دارالشروق عام98ص441) وذكرهيكل أنّ الجيوش العربية تخلتْ عن مساعدة الجيش المصرى فى معارك النقب فى شهرىْ نوفمبروديسمبر48( المصدرالسابق- ص445)
***