ثلاثةُ رجال من مصر

فاطمة ناعوت
2018 / 11 / 3


رجالٌ ثلاثةٌ من مصرَ، يمثِّلون نماذجَ ثلاثةً، لشرائحَ مجتمعيةٍ ثلاثٍ، تحيا بيننا في الواقع المُعاش. أتوقّفُ أمام أولئك الرجال اليوم في هذا المقال من أجل التأمل والتعلّم والدراسة، علّنا نخرج بنتائجَ ودروسٍ تنهض بالوطن.
الرجلُ الأول، نموذجٌ مدهشٌ لشخص "مستنير"، رغم أنه لم يُحصّل قِسطًا من التعليم. والرجلُ الثاني، على النقيض، نموذجٌ مُخجلٍ لشخص "جهول"، برغم تحصيله العلم، بل وتأهُّله ليمنحَ ذلك العلم لآخرين!
الأول: عاملٌ مستنير من "قنا" في جنوب مصر، اسمه "نور الدين حفني"، أقام دعوى قضائية ضد زوجته؛ لقيامها بختان ابنتيه دون علمه، وضدّ رغبته. ظلّت الزوجة أعوامًا تحاول إقناع زوجها بختان ابنتيهما: بسملة 12( عامًا)، وروان (10 أعوام)، ولكنه رفض مطلقًا ذلك الأمر، وحذّرها أن تفعل، محاولا إفهامها أن الختان يُدمّر صحة البنت نفسيًّا ويُشوّه جسدها ويحطّم مستقبلها، كما أنه منافٍ للشرع الذي يُكرّم الإنسانَ، وللقانونِ الذي يحمي حقوقَ البشر. لكن الزوجة الغافلة، غافلت زوجَها، وانتهزت فرصة غيابه بالمملكة السعودية للعمل، وختّنت الطفلتين قسرًا وقهرًا، دون علمه. وحين عاد وعلم بالواقعة قرّر معاقبتها بالقانون، الذي يُجرّم ختان الإناث، حتى تكون عبرة لغيرها من النساء الغافلات اللواتي يقتلن مستقبلَ بناتهن ويُشوهن أجسادَهن، وهن يظنن أنهم يُحسنّ صنعًا. تحية احترام لهذا الصعيدي المثقف، الأب المستنير الكريم الذي رفض بفطرته السليمة أن تخضع كريمتاه لتلك الجريمة، التي مُنعت في كافة دول العالم ماعدا مصر والسودان، فأقام أول بلاغ في تاريخ مصر ضد أمٍّ ختّنت طفلتها.
الثاني: على نقيض السابق، مُعلّمٌ جهول يعمل في "سنتر تعليمي" خاص، من تلك المراكز التي يذهب إليها الطلاب في مراحل التعليم المختلفة لحضور الدروس الخصوصية مقابل مبالغ من المال. رصدت المواقعُ تسريبًا لمقطع فيديو مقزّز يقوم فيه ذلك "المعلم" بسبّ الطلاب بألفاظ بذيئة لا يردّدها إلا جُلاّسُ الأعتاب من السُّوقة والحوشة والرعاع، ثم يصفعهم على وجوههم ويضربهم بالكراسي فوق رؤوسهم ويطردهم من الفصل! والسبب؟! أن أولئك الطلاب لم يشتروا ملازم الملخّصات التي أعدّها ذلك المعلم ليبيعها للتلاميذ! صفعٌ على الوجه، وسبُّ الأمّ، والجذبُ من الملابس والطرحُ أرضًا وحملُ المقاعد وإلقاؤها على صغار من طلاب العلم، مازالوا يبدأون في التعرّف على العالمّ، كلُّ ما سبق من جرائم يحدث في قاعة درس؟! أمرٌ مُفزع لا يُصدّقه العقل. تحية احترام للدكتور طارق شوقي الذي حقّق في الأمر وقام بفصل ذلك المعلم من وظيفته الحكومية في سلك التعليم، ومنعه من ممارسة أي تعليم خاص، ثم تقدّم الوزيرُ ببلاغ رسميّ للنائب العام، باسم وزارة التعليم، ضد ذلك المعلم المريض، الذي كان سُبّة في جبين حقل التعليم، مثلما هو سُبّة في جبين مصر.
أما الرجلُ الثالث، فهو أحدُ رموز مصر الماجدة الخالدة. اللواء "باقي زكي يوسف". هو الضابط المهندس الذي ابتكر فكرةَ هدم الساتر الترابي لخط برليف في حرب أكتوبر 73. والحقُّ أنني كتبتُ مقالات عديدة عن ذلك الرجل الوطني المحترم. وظللتُ أطالبُ وزارات التعليم المتعاقبة، على مدار سنوات، أن تُدرج اسمَه في مناهج التعليم ليتعرف النشءُ الصغير على رموز مضيئة من رجالات مصر العظماء. رحل ذلك الرجلُ النبيل عن عالمنا قبل شهور، ونعاه السيدُ الرئيس. أما سبب ذكري له اليومَ، فهو إنشاء نفق جميل باسمه يربط بين شارعي: التسعين الشمالي، والتسعين الجنوبي، بحي التجمّع الخامس. وتحت اسمه نبذة عن الرجل تُخلّد ابتكاره الهندسي الذي يسّر على قواتنا المسلحة الباسلة تحطيم خط برليف، الذي زعمت إسرائيل أنه خط لا يُهدم. فكان عبورُ القناة وكان النصرُ الكريم على العدو الإسرائيلي. أشكرُ وزارة الإسكان وأشكرُ الدولةَ المصرية وأشكرُ كلَّ من فكّر وقرر إنشاءَ ذلك النفق باسم ذلك اللواء المحترم. كما أشكر كلَّ يدٍ حفرت النفق، وكل يد حملت طوبة لبناء جدرانه. وأشعر بالفرح بشكل شخصي لأنني أمرُّ بهذا النفق تقريبًا كل يوم في طريقي إلى بيتي. تحيةَ احترام لرموز بلادي الشرفاء الأحياء منهم والعابرين الزمانَ ممن لا ينساهم التاريخ. وتحيةَ احترام لمن يذكرون تلك الرموز ثم يُذكّرون الناس بها.
***