الصلاة خلف الشاوي أسلم والأكل مع الحمامي أدسم

جعفر المظفر
2018 / 11 / 2


مزهر الشاوي لم يكن من سكنة البصرة قبل أن يصبح مديرا عاما للموانئ, وأيضا فهو لم يكن شيعيا, لكن أهل البصرة لم ينسوه فأقاموا له تمثالا بعد أن توفي بعقود تأكيدا على وفائهم للرجل الذي خرج من البصرة كما دخلها فقير الجيوب ولكن بإنجازات حولت المعقل حينها إلى مدينة نموذجية بعد أن كانت قلعة للفقراء والمنكوبين.
وبما أن العبيدات الذين جاء منهم مزهر الشاوي هم أصلا من المناطق الغربية للعراق فإن الشاوي وسلفه الموصلي سامي نوري فتاح قائد القوة الجوية العراقية في أول العهد الملكي ووزير الداخلية في الأخير من ذلك العهد لم يتوقفا عن خدمة البصرة وأهلها بحجة أنهما لم يكونا في الاصل من أهلها, بل أن وفاءهما للبصرة كان جعل للوطنية معنى يتجاوز الحالة الجهوية والقبلية حيث نقلاها إلى فضائها الإنساني الأرحب.
أحد أبرز الذين كتبوا عن الخالد مزهر الشاوي هو السيد كاظم فنجان الحمامي الذي كنت أتخيله لكثرة ما كتبه عن الرجل وقد أصبح من متصوفي الشاوي تماما كرابعة العدوية التي تركت مال الدنيا للدنيا ثم تفرغت للتغني بخالقها.
يومها كتب لي السيد الحمامي رسالة يقول فيها, وذلك تعليقا على مقالة كنت أشرح فيها بعض ذكرياتي عن الشاوي, أنه ظل والسيدة زوجته يقرآن رسالتي والدموع تنهمر من عيونهما تأثرا بما كتبته, ففي تلك المقالة ذكرت كيف أن الشاوي الذي كانت تحت يديه ميزانية ميناء العراق البحري الوحيد, والذي كان يشكل حينها ثاني مورد للخزينة العراقية بعد النفط, قد حضر إلى المركز التعليمي لطب الأسنان في المأمون من بغداد لعمل طقم أسنان بالمجان توفيرا لنفقات كان بحاجة إليها من أجل معاونته على توفير حاجاته الأساسية الأخرى.
كان كاظم فنجان الحمامي واحدا من سكنة الصرائف في مدينة المعقل ومن أولئك الذين إبتنى لهم الشاوي مسكنا من طابوق ثم أكسبه فرصة أن يصبح دليلا بحريا وظيفته إرشاد السفن القادمة إلى المدينة لضمان دخولها سالمة إلى أرصفة التفريغ.
لكن الحمامي كان بالعكس تماما من الشاوي. كل ما فعله بعد أن صار وزيرا في دولة الطوائف القومية والدينية هو أن تحول من وظيفة الدليل البحري إلى وظيفة المُضِّل الفضائي يوم إستغفل الناس حاكيا لهم قصة المخلوقات الفضائية التي نزلت على أرض سومر قبل خمسة آلاف سنة ثم تركهم وهم في موقف الذهول لكي ينهزم بـ (الدخل) الذي إنتصفه بعدها مع السيد عمار الحكيم الذي كان إشترى منه منصب الوزير.
أشقاء الحمامي من نواب البصرة, وفي هذه الأيام التي يسعى فيها السيد عادل عبدالمهدي لتشكيل وزارته السيريالية أبوا على أنفسهم غير ان يكونوا تلاميذ نجباء في مدرسة كاظم الفنجاني. لقد عاصروا الرجل وهو يدخل إلى الوزارة تلميذا من تلاميذ الشاوي ثم خرج منها أستاذا متفوقا من أساتذة مدرسة علي بابا والأربعين حرامي.
لقد قرر هؤلاء النواب أن يقاطعوا جلسات مجلس النواب ما لم يرضخ السيد عبدالمهدي لشروطهم القاضية حصول البصرة على حقيبتين أو ثلاثة من الحقائب الوزارية, ففي رأيهم أن الطريق إلى إعادة إعمار البصرة لن يتعبد ما لم تأخذ المحافظة حصتها من الحقائب الوزارية, وهم يصرون على تسمية المقاعد بالحقائب ربما لإيمانهم بأن مفردة الحقيبة هي هنا خير تعبيرعن وظيفة الوزير في دولة علي بابا لأنها تساعده على أن يضع وارد الخزينة فيها بعد كل يوم عمل وبعد أن يكون قد اشبع الناس قصصا غريبة عن الكائنات الفضائية التي كانت تحط في المطار الذي بناه السومريون قبل خمسين قرنا من الزمن وعن الأوتستراد الذي سيكفل ربط العراق بأوروبا عبر ثمانية ثمانية خطوط ذهابا ومثلها إيابا.
مزهر الشاوي لم يكن بصريا ولا كان سامي نوري فتاح ولا كان أيضا تحسين علي لكن البصريين يتذكرونهم بكل خير فلقد دخلوا البصرة وخرجوا منها وجيوبهم في يمينهم خالية إلا من محبة الناس.
لكن حدث في هذا العهد العجيب ان جميع محافظي البصرة من أهلها قد خرجوا وحقائبهم عامرة بأموال الناس أما الوزير الذي جاء بإسمها فحدث ولا حرج. هؤلاء النواب يعلمون تماما كيف تورد الإبل في هذا العهد الكريم, وبدلا من أن الدعوة إلى قيام حكم وطني ذا منهج بعيد عن الطائفية والعرقية والجهوية تراهم يصرون على المنهج الخطأ وشعارهم في ذلك الصلاة خلف الشاوي أكرم والأكل مع الحمامي أسلم.