-تكيف- Adaptation: -أن تكون تشارلي كوفمان-

محمود الصباغ
2018 / 11 / 2

فيلم يحوم حول حلم يقتات على نفسه، لبستكمل فيلم سابق لنفس المخرج و كاتب السيناريو: "أن تكون جون مالكوفيتش "(1999 ). ‏ربما يستحسن القول أنه يبدأ من حيث انتهى الأخير، ولكنه حتماً ليس نسخة عنه. فشدة الانفعالات ومتعة الإدهاش والتشويق الذي يقدمه التوأم بطلي الفيلم تختلف نوعاً وعمقاً عن تلك الممرات السرية في دماغ السيد مالكوفيتش.
يتشارك الأخوين التوأمين كوفمان (دونالد و تشارلي) ذات الطموح بان يصبحا كاتبي سيناريو، بما يؤسس لانكشاف صراع خفي ناعم بينهما يظهره اختلاف شخصيتهما، فيظهر دونالد كشخص عملي تقريري غير مندفع و واقعي ويؤمن بأن كل شخص يمكن أن يكون كاتب سيناريو "باتباع قواعد اللعبة"، فيخوض عالم الكتابة عن طريق ندوات يقدمها روبرت ماكي، في حين يتخذ تشارلي موقفاً أكثر صرامة حين ينظر للسيناريو كشكل من أشكال الفن غير المحدد بقواعد و أطر، ويظهر كشخصية متأملة مبدعة ونمطية لكاتب سيناريو حقيقي وربما يعود هذا لطبيعة تشارلي فهو يعيش حياة مثيرة، مليئة بالاكتئاب وسوء الفهم، وعاجز عن الفعل.ولو نظرنا له بواقعية أكثر فسوف يظهر كشخصية سلبية بطريقة لاشفاء منها، وممتلئة بالشك والكره للذات.ولكي لا تتداخل الأمور و يتشتت ذهننا نحو مطارح غير مقصودة ينبغي التذكير بأن كاتب النص "الحقيقي" يمنح اسمه وصفته /وظيفته إلى كاتب النص"السينمائي"، كما أن المشهد الافتتاحي للفيلم يشبه التقرير " التلفزيوني عن فيلم " أن تكون جون مالكوفيتش" ، فضلاً عن الخطوط الأولى للحوار في الفيلم حين يتحدث عبر جهاز التسجيل.
ينال دونالد مبتغاه بكتابة سيناريو يتبع فيه القواعد التقليدية الهوليوودية ويحصل على ثمن مرتفع مقابل بيعه ، في الوقت الذي لا يظهر فيه تشارلي أي تقدم حيث اختار العمل على كتاب "لص الاوركيد" للصحفية في مجلة نيويوركر سوزان أورليان (في الحقيقة الفيلم مقتبس في أجزاء منه من هذا الكتاب ، وقد اختارت الكاتبة زهرة الأوركيد كموضوع، وكتبت عن المصير البائس للباحثين عنها وفيها، ‏وهي تظهر في الفيلم بمهنية وموضوعية غير عاطفية وغير انفعالية إلى حد ما "يحلو لها أن تشبه نفسها بأنها من ذاك النوع القارض للورق"، تهرب الكاتبة من برودة حياتها في مغامرة (بعكس مجريات حياتها أو ربما المكملة لها" ) نحو شخص يدعى جون لاروش الذي سمعت وقرات عن محاكمته لسرقته مجموعة أزهار من محمّية طبيعية.).
يرجع فشل تشارلي بالدرجة الأولى في أنه كان يبحث في النهر عن ما لم يجده في البحر كما يقال، ويوضح تشارلي الموضوع بدقة و مهنية فيقول "هذا الكتاب لا توجد به قصة , ليس هناك ثمة قصة"، ،لذلك يبدأ بإنتاج نص عن نفسه معتمداً على خصوصيته كخلفية للعمل , وفي هذه المرحلة من عملية "التكيف" لم يجد بداً من الاستعانة بأخيه دونالد و الاخذ ببغص نصائحه وفقاً لقواعد روبرت ماكي في كتابة السيناريو .
ولخلق ذروة حركية في الفيلم يقوم بإضافة الجنس و القتل و المخدرات و المطاردة بالسيارات -وهي بطبيعة الحال عناصر مشتركة أساسية في سينما هوليوود- وهنا يصل تشارلي إلى نهاية العمل وبذات الوقت إلى كلمة السر في الفيلم" التكيف"، فيتبدد كل ما عشناه من حيرة وقلق ،و بالكاد يمكن إيجاد بديل عنها كعنوان للفيلم فهل استطاع شارلي أن يكيف نفسه؟ هل وجد نفسه؟؟؟ هل استطاع أن يحب؟ هل امتلك الجرأة في أن يقبل من يحب؟
يردد شارلي بذهنه جملته الأخيرة في السيناريو : "هذا ما سأكتبه في نهاية النص: "ويذهب كوفمان الى البيت لإكمال السيناريو وهو يعرف جيداً ماسيفعله"..
إنه تشارلي كوفمان الذي يتكأ لا شك على نصفه الآخر"دونالد" ليخبرنا - بطريقة مخادعة لكنها مكشوفة-بنصف الحقيقة فقط ، في حين يقوم بذماء بإعادة تدوير النصف الآخر على هيئة حلم/واقع/كابوس التكيف منذ أن ظهر مالكوفيتش آخر كلمة في سيناريو الفيلم "أنت عبقري، يا تشارلي، يمكنك أن تفعل أي شيء! "، فيتحول إلى "قرين" دويستويفسكي الذي ينظر للحياة "من قبوه" و يتأمل الناس كيف تخرج من معطف غوغول نحو حبل كافكا المشدود فلا هو يلامس الأرض، ولا هو قادر أن يحلق نحو السماء.
‏ ‏إذن نحن أمام "كتلتين سرديتين" متداخلتين: قصة جون لاروش كما كتبتها سوزان أورليان، وقصة تشارلي كوفمان الذي يحاول تطويع سردية لاروش إلى سردية سينمائية بصرية ويتخلل ذلك وصف تفصيلي للمعاناة التي يصادفها حين يقع تحت وطأة متطلبات شركات الإنتاج التي ترغب بعمل يمزج بين الأصالة والتكامل والنجاح التجاري والفرادة، والتعبير الأكثر وضوحا في الفيلم هو النقاش حول الطبيعة "الحقيقية" لكتابة السيناريو، أي تشارلي مقابل دونالد والفن مقابل التجارة، السينما المستقلة مقابل سينما هوليوود. هذا يعني أن الفيلم ينتقد صراحة هيمنة هوليوود "ولكن ضمن عقلية المؤامرة"، فهناك بلا ريب العديد من حالات الإبداع غير المقيدة و القادرة على إنتاج سينما مستقلة عن هوليوود. ويبدو هذا واضحاً، من الصراع بين تشارلي ودونالد ونصوص محاضرات روبرت ماكي. ويستمر الصراع حتى النهاية تقريبا، وليس صعبا أن نلاحظ كيف يقاوم تشارلي إغراءات سرديات هوليوود الكلاسيكية. وحين يستعين بدونالد قد يتصور المشاهد أن تشارلي استسلم أخيراً لقواعد هوليوود بإضافته للمطاردات والموت والمخدرات والجنس، ولكن بنظرة أكثر عماً وأقل انفعالاً سنكتشف أن استخدام مثل هذه التفاصيل ليست سوى تكثيف لنقد وانتقاد لهوليوود وللتفاصيل هذه بحد ذاتها .إذ سوف يتخلى شارلي عن نصائح روبرت ماكي الذي يحتقره ويقول له ببساطة "لا".. ليتابع مستقلاً تطويع القصة كما يريد هو بعيداً عن شبح مغريات هوليوود. ولو سأل أحدنا تشارلي عن ذلك لأجاب بما يؤكد رأي الناقد السينمائي دانييل فوكس "ما ينبغي عليك تعلمه هنا هو أنه ليس بمقدورك أن تقوم بعمل جيد من أي شيء.أما إن فعلت هذا حقاً؛ فسوف تجني بلا شك أموال طائلة ".
‏هذا الذهن الأصلي اللامع الذي يحارب "اشتراطات" هوليوود أصبح جزء من نموذج معروف في صناعة السينما.. فهو ضد هيمنة هوليوود ،ومن جهة أخرى غير مقيد ومستقل لجهة تطويع النص لتحقيق السردية السينمائية المطلوبة ، لاسيما عندما يقوم تشارلي "الحقيقي" بكتابة نصه عن تشارلي"النصي" ،ولكي يصل لغايته يستعين بدونالد الذي سيقحم نفسه لاحقاً في حبكة السيناريو الذي يكتبه،فينتج نص جديد يتداخل فيه شخصيات تشارلي ودونالد و سوزان "الحقيقية" بالشخوص السينمائية ‏, هذا المسار يظهر نفسه في صراع ملتوٍ و متعرج و هو يخطو على ذات مضمار "أن تكون جون مالكوفيتش" ولكن بتفرد أكثر في سرد الأحداث وغرابة الفكرة التي لا تفصل في كثير منها بين الكتاب والفيلم والمشاهد والمخرج.
ولكن هل ثمة سردية أخرى في الفيلم؟
علاوة على سويات السرد الخاصة بالاخوين كوفمان وكذلك سوزان، هناك جون لاروش الذي ستجد فيه سوزان "فردوسها المفقود", وسوف يكتشف شارلي تلك العلاقة في كتابها ،حين تبدو وكأننا تغرق رويداً رويداً في محنة التجرية(ليس بمعناها الإيماني الخلاصي, بل بمعناها الحماسي المفرط بواقعيته) حيث تختلط العناصر السردية بالمشاهد المثيرة و المخدرات والجنس ,وشعورها بالإحباط من محيطها ومعيشها اليومي.
لكن هذا ليس سوى إطار سردي أحادي الجانب من حياة سوزان, لنتذكر أن قصتها تنتهي واقعياً بموت مأوساوي لجون لاروش (يفترسه تمساح) ، وبموته يضع الواقع العنيد (أعند من أي طموح) حداً لعلاقة تبدو غير "حقيقية", و لنتذكر مرة أخرى قول سوزان أثناء انهماكها في التعرف على جون لاروش “كيف للناس أن ينعموا في الطمأنينة و الرضا في هذا لكون وهم لايرون سوى شيء واحد ولايؤمنوا سوى بعقيدة واحدة و لا ينجذبون سوى لرغبة واحدة". ثم , ألم تقل سوزان في إحدى تداعياتها بأنّ ما يميزّها عن الورد هو كذبها ...كذبها في كتابها وكذبها على زوجها ،ولاينقطع خبل الكذب إلا حين يكتشف الأخوين كوفمان موعدها السري مع لاروش(لاتخبر سوزان زوجها عن علاقتها بجون) فيقرّران ملاحقتها ، وبينما يراقبها تشارلي أثناء تعاطيها المخدرات يعثر عليه لاروش، الذي سيعتذر له بعد معرفة حقيقته وشخصيته إلا أن سوزان تقرر قتله خوفاً من الفضيحة ، فيرفض لاروش وبعد جدال حامي مع جون تقرر سوزان قتل تشارلي بنفسها ، فيقتادانه إلى داخل المحميّة ، حيث المستنقع والأفاعي والحيوانات المفترسة، وهنا يظهر دونالد "المنقذ" فيساعده في الهرب ويتخفيان في المستنقع حتى انبلاج الفجر ، يكتشفهما لاروش لاحقاً ويصيب دونالد في ذراعه، من دون قصد ، لكنهما يتمكنان من الفرار فتصطدم سيارتهما بسيّارة حارس المّحمية فيسقط دونالد صريعاً، يننار تشارلي وهو يرى دونالد يموت بين يديه فيحضنه ويبدأ في الغناء بأغنيته المُفضّلة بينما يلفظ دونالد أنفاسه الأخيرة ، وتستمر سوزان في مطاردة تشارلي إلا أن يقع لاروش في المستنقع فيهجم عليه أحد التماسيح و يفترسه،وهنا نصل إلى أحد أكثر المشاهد إثارة حين تحتضن سوزان جسد لاروش (مثلما فعل تشارلي مع دونالد قبل قليل) وهي تردّد منتحبة: " لقد دُمرّت حياتي، أريد أن أعود طفلة مرة ثانية ، و أبدأ من جديد.. " وذلك في ترجيع مذهل لما كانت تسائل نفسها سابقاً وهي في عز حيرتها “أريد ان أحبّ شيئاً كما يحبّ هؤلاء الزهور.. أريد ان أحبّ شيئاً بكل تلك الحماسة والمعاناة " كل هذا الدفق الهائل للعاطفة يغلفه البرود العائلي الذي تعيشه.
‏هل انتهى هنا كل شيء؟
ماذا لو توقفنا للحظة وتساءلنا :ماذا لو كان تشارلي يكتب عن المعادل الأمريكي لزوربا الأوروبي الإغريقي ( دونالد أو جون لا فرق)؟. ‏كيف ذلك؟
لنتأمل الموقف من زاوية أخرى ربما تكون بعيدة بعض الشيء لكننا تمفي لإلقاء مزيد من الضوء على مسعانا التأويلي.
رقص زروبا اليوناني عارياً وومضى صوب البحر وهو يغني ،ولا نتلم إن كان يغني لتفسه أم "للمعلن" أم للمسبح المخلص،أم لسيدة جميلة ندم ءات يوم بان تركها تنام وحيدة، يمضي زوربا مفعماً بخب الحياة نحو نحو البحر.. الفضاء اللامتناهي.
في المقابل زروبا المدينة المعاصرة الفرداني و البراغماتي جداً و العملي جداً و المتكيف جداً مات بكريقة غير متوقعة ،بل ربما بكريقة "سخيفة" حين صدمته السيارة (السيارة نتاج إنساني حديث،في حين أن البحر مكوّن طبيعي قديم/أزلي)"،ورغم امتلتكه لامرونة العالية لتكويع كل ما حوله إلا أنه يفشل في تكييف القدر لصالحه( وهذا بأحد معانيه انتصار صريح لمبدأ التكيف الدارويني)
وماذا عن زوربا الثالث؟جون لاروش الذي لم ينفصل عن الطبيعة فاكتسب الكثير من ملامحها لدرجة أنه "تكيف" مع نهايته لتكون في جوف التمساح ابن الطبيعة القديم (يعد التمساح،من الناحية التطورية، من أقدم الحيوانات الموجودة على كوكبنا التي لم تعان من أي"طفرات" تطورية) وهي دلالة هامة جدا , فإن كان الفيلم يحدد بعده المعرفي بالتكيف , سيكون التمساح ( العصي على التطور) أنصع مثال على هذا التكيف.
وماذا عن زوربا الرابع؟ هذه المرة ليس كائن حي، بل مكان، فضاء شاسع، إنه الولايات المتحدة الأمريكية. فكيف تبدو أمريكا في القرن الحادي والعشرين؟ أهي حلم؟ حلم أفراد أم حلم أمة؟ أهي أمة تكيفت مع الحاضر على حساب الماضي؟كيف يتبادل الحلم والواقع الأدوار؟ متى وكيف نستطيع التمييز بينهما ؟ وهل يمكن للواقع أن يحمل سمة البراءة؟(بافتراض ساذج أن الأحلام بريئة ،بمعنى أننا نتبرأ من أحلامنا بوصفها مساحة لاشعورية لاتقع تحت السيطرة،ولءلك يحلو لبعضنا تصنيف الحلم في خانة الشذوذ عن مسار الطبيعة)
قد يبدو للبعض أن مثل هذه الأسئلة عن أمريكا و الحلم الأمريكي بعيدة كل البعد عما يمكن أن يقدمه لنا "تكيف"،في محاولته حثنا على طرح المزيد من الأسئلة( تكيف من الأفلام القليلة التي تحرض على الأسئلة دون ان تجيب عليها). ولو افترضنا أن هءا صحيح وأن هذه الأسئلة أو التساؤلات محردد شطط مبالغ فيه و لا كائل منه إلا أننا تبقى أسئلة تستمد شرعيتها من البحث عن إجابات لها، ‏فثمة في الفيلم لحظات سردية بمثابة قفزات هائلة تجعل العديد من المشاهين فضلا عن النقاد يهزون رؤوسهم بارتياب في بحثهم عن سر هذا الالتباس القابع في رأس الأخوين كوفمان. و ‏ماعلينا سوى أن نفتح أرواحنا على اتسعاها لنغوص في مسارات دماغيهما كما خضنا سابقا هذه المغامرة في "أن تكون جون مالكوفيتش". هناك سيل لا ينضب من الأفلام التي يمكن بسهولة فائقة نسيانها دون ندم ، ولاريب أن Adaptation ليس من هذه النوعية، فهو منتج يحترم المشاهد ويعزز ذائقتنا السينمائية بقدرته على جذبنا نحو هذا الحجم الهائل من الإبداع البصري والسردي عبر الشاشة، فضلا عن الجانب الفلسفي العميق الذي يحاصرنا في كل مشهد بطريقة جدلية لا تخلو من المتعة والفرجة.. إنه -باختصار- حلم تفتق من ذهن كاتب سيناريو مبدع استطاع أن يحول هذا الحلم إلى الواقع بطريقة مدهشة. حتى أن اختيار العنوان يخضع أيضا لهذه الإشكالية التي يطرحها تشارلي (كاتب الأفلام التأملية، كما بات يُطلق عليه نقاد السينما الاميركية.) ولك أن تفتح قاموس اللغة ,ولك الحرية في اختيار الكلمة المناسبة لذوقك الشخصي في ترجمة العنوان من لغته الأصلية، ناهيك عن الدلالات الأخرى المضمرة التي تفرضها السينما باعتبارها فن وصناعة.
‏سيحصل الأخوين كوفمان في نهاية المطاف على قصتيهما ، هكذا هو الأمر إذن.. الأكشن الأمريكي الذي لاغنى عنه والذي يبدو في نهاية المطاف كعنصر جوهري في الثقافة الأمريكية التي كان لهوليوود فضل كبير في خلق أحد جوانبها، حتى هنا نجح الفيلم في نقل "صورة " أمريكا بذكاء واضح وبواقعية مشهورة بأمريكيتها " براغماتيتها" التي تعكس قلقاً محموماً في قدرتها على إحكام قبضتها على العالم لإثبات أصالتها و ايتخقاقها لأن تكون جزء عضوي من "العالم القديم"صانع الحضارات و منتج الأديان ...إلخ،وبفضل قويتها و "تاريخها الأبيض" ستنتج أمريكا قصتها ،وعلى خطى قصة أنريكا ونجاحها سينجح كوفمان في تحويل "لص الأوركيد" إلى سردية بصرية ممتعة يتداخل فيها -بطريقة غير مخلة بالأحداث- القتل و الجنس و المخدرات،ومؤتمرات هوليوود،وعالم الكتابة ودهاليزه الخفية المقمط بأربطة المافيات الإعلامية و النجاح الفردي و المال وغيره من العلامات التجارية للثقافة الأمريكية
سردية فيلم تكيف، تشبه بطريقة ما سردية " أن تكون جون مالكوفيتش" ببساطتها الظاهرية في جوهرها البدئي لكنها تنتهي بنتائج في منتهى الغرابة وربما أكثر ابتكارا.
في فيلم " أن تكون جون مالكوفيتش" سيتحتم على المخرج الولوج إلى عقل مالكوفيتش لنستطيع نحن مشاهدة معالم الحياة من بوابة عقل مالكوفيتش ,وكل ما فعله المخرج هو ان التقط عقل السيد ماكوفيتش ورشقه على وجوهنا عبر وسيط(الشاشة), بينما سيكون المبدأ الدارويني للتكيف هو الرافعة السردية لفيلم "تكيف", بمعنى احتواء التكيف على مضمون العقل (أي المعرفة)فضلاً عن الطبيعة(أي العلاقة مع المخيط) , وعلّة التكيف هنا -من الناحية الجدلية- ليست سوى شعور تطوري فائق الحساسية , فالفيلم بتفاصيله ينقل لنا تصورات شارلي عن التكيف في مجمل التاريخ البشري , يظهر لنا وهو يقرأ بشغف كتاب سوزان , فضلا عن تصورات جون لاروش عن التكيف حين يقول لسوزان أن التكيف هو "عملية عميقة." التكيف هو "ما يختاره الاصطفاء الطبيعي". إنه باختصار ذلك "الشيء" الذي يجعل الحياة نفسها تتطور. فنراه يشرح بتلقائية وعفوية رؤيته للطريقة التي تتكيف فيها كل زهرة مع الحشرة التي " تلقحها"- هو يدعوها حب- كما يشرح أيضا كيف أن الحشرات تكيفت وظيفياً مع الأزهار لتمتص رحيقها..أليس هذا هو الحب؟ هل هناك وصف أجمل من هذا للحب والجنس؟ لهل لنا أن نتخيل معنى ارتشاف العلاقات الحمينية؟
ينقل لناالفيلم صورة رائعة عن العلاقات الإنسانية و التواصل بين الناس، ليس هذا فحسب، بل يبدو أن الفيلم يريد القول إن العلاقات الأساسية في الفيلم ليست بين الناس ولكن بين الناس ونزواتهم، بينهم وبين النصوص الخاصة بهم، أي سرديتهم واصواتهم ،منطوقهم الداخلي المتفرد مثل البصمة .في مواجهة الطرق الملتوية للعقل لخلق قصة -تكيف مختلف عما هو سابق الذي غالباً ما يبدو كانه محض خيال ، مما يجعلنا نتساءل، هل هو حقا خيال أم حقيقة أقرب للخيال؟ هل خلاف تشارلي الدائم مع بيئته محض خيال أم حقيقة أم انعكاس سلوكي أم هو مجرد حالة مرضية كونه أصلع وذو كرش، وخجول مع النساء... إلخ.( وبخصوص هذه الأخيرة ،يظهر تشارلي في مشاهد عديدة وهو يقرأ " لص الأوركيد"..و حين يثار أثناء القراءة ويتم تطوير هذه الإثارة مع الكاتبة إلى درجة يظهر فيها شارلي وهو يستمني أثناء تخيله لها، ثم نكتشف كيف يقف مشلولا أماها حين يراها ويعجز حتى مع الحديث معها، إنه الخجل المرضي الذي يصيب صاحبه بالشلل المطلق ).
حقا مانراه هنا يكسر القواعد التي نعرفها في السينما الهوليوودية. إنها حقا سوريالية مناسبة لجميع الأذواق بمعنى أن الشخوص بشر حقيقييون وليسوا أوهام في ذهن الكاتب، ولكن من يضمن أن دونالد كوفمان شخصية حقيقية؟ إنها تجربة جريئة أصيلة، بمعنى انتمائها للفضاء السينمائي الأمريكي الذي لا يضاهيه أي فضاء. وقد ساهمت التفاصيل التقنية في بلورة السرد في الفيلم مثل مواقع التصوير والإضاءة و توظيف ردود الفعل العاطفية لصالح الفكرة الاساسية التي يريد أن يوجهنا نحوها (تماما كما فعل في" أن تكون جون مالكوفيتش") أو خلق حالة تواصل مع تلك الخيارات المحددة للمخرج.
الابتكار المهم هنا والذي لم يكن من الممكن وجوده في " أنت تكون جون مالكوفيتش" -على الأقل من الناحية التقنية-هو جزئية التوائم.
الأخوين التوأم كما يظهران في القصص الشعبية " أحدهما مرح والآخر سريع الغضب، أحدهما ذكي والآخر غبي.. ثنائية الخجل والجرأة، التفاؤل والتشاؤم) وهي لعلها من المقاربات الطريفة في الفيلم والمبالغ فيها بطريقة كوميدية، فالتكيف كمبدأ دارويني يتم التلاعب به لصالح التشويق في الفيلم بدمجه بروح كوميدية نوعا ما، فحتى كتاب "لص الأوركيد" لايخلو من التلاعب في الفعل الدارويني للتكيف باعتباره امدماك اساس في معمار فرضية التطور ،فالكتاب بالأساس كان مجرد مقالة في محلة نيويوركر "طورته"المؤلفة لاحقا على صورة كتاب،وبهءا خضع "للتميف"في تحوله من مقالة إلى كتاب يصف السحر الذي تغمر فيه هذه الزهرة البشر فضلاً عن التفاصيل التي لاتفيد المشاهد عن أفكار داروين حول الإنتخاب الطبيعي للأجناس، لقد تم تعمد التلاعب اللفظي بين ما يقصد الفيلم بكلمة "تكيف" وبين مقاصد داروين الأولية عنه ,وهنا تظهر قدرة كوفمان على دمج الإبداع الفني مع الأساس المعرفي وهذا ليس مجرد توصف لحالة بل هو يتكرر في كل مشاهد الفيلم تقريباً .ساهم في هذا جهد إخراجي رائع وأداء تمثيلي مذهل ،وإن كان الأمر مذلك فلابد من القول أن ميريل ستريب في شخصية سوزان أورليان لا تؤدي دوراً في فيلم فحسب، بل هي في الحقيقة “تبتلع" الدور مثل عقار هلوسة تغوص فيه وتذوب حتى كأننا لانعرفها من قبل ،حتى كأننا نراها أول مرة تمثل ..كما أن جزء مهم من نجاح الفيلم يعود بالدرجة الأولى إلى نيكولاس كيج الذي جسد دور الأخوين كوفمان معاً بأداء ملفت للنظر للشخصية المركبة و قدرته على تقمص الشخصية حتى في التكيف الجسدي.
في الأخير سأدعكم مع هذا الحوار الداخلي المذهل لتشارلي كوفمان الذي يستعيد حياته بأن يفتتحها بمقولة أخيه دونالد "ليس المهم من يحبك بل المهم من تحبه أنت":
"هل لدي أفكار أصيلة في رأسي؟، رأسي الأصلع هذا، ربما لو كنت أكثر سعادة لما تساقط شعري .
الحياة قصيرة ،وعلي استغلالها بأقصى ما يمكن .اليوم هو اليوم الأول مما تبقى من حياتي، وأحتاج حقاً للذهاب إلى الطبيب لفحص ساقاي، ثمة شيء خطأ،فقد اتصل طبيب الاسنان من جديد، ساكون أكثر سعادة لو تقوفت عن التتامل مع الامور و تقليبها كما افعل .مازلت غير قادر على وضع الأمور في نصابها ،كل ما بوسعي فعله هو الجلوس على مؤخرتي السمينة ، آه لو كانت غيرذلك، غير سمينة ، حتما سأكون أسعد، ولن أضطر حينها لارتداء ذاك النوع من القمصان الذي يرتديه العديد من الحمقى حيث كل شيء فيه خارج وبادٍ للعيان
بهذه المؤخرة السمينة لن تستقيم اموري،وعليّ البدء بممارسة الرياضة مثلما كنت افعل في السابق ، ينبغي أن أركض نحو خمسة أميال يومياً دون مخاتلة هذه المرة . او ربما عليّ-بدل الركض- تسلق الجبال الصخرية.
يلزمني تبديل نمط حياتي بانعطافة جديدة ،فماذا يجب أن أفعل؟. أن أحب، أجل، أن يكون لدي صديقة، أن أقرأ أكثر، أعدل من نفسي وأحسنها،
‏و ماذا لو بدأت بتعلم اللغة الروسية؟ أو أي شيء؟ أو تعلم العزف؟ ربما تعلم اللغة الصينية. ‏أريد أن أكون كاتب السيناريو الذي يتكلم الصينية ويعزف على المزمار. سيكون هذا رائع.. ‏يجب أن أحلق شعري ليكون أقصر مما هو عليه الآن، وأتوقف عن خداع نفسي وخداع الآخرين بأن شعري طويل ويغطي رأسي "