عماد حقي:مرثية الزمن القادم

محمود الصباغ
2018 / 11 / 1

أي جحيم تقدمه لنا الحرب؟أي جحيم أرضي هذا الذي يفوق كل جحيم؟..لعل الشيطان سيشفق علينا لو شاهد ما تفعله الحرب بنا؛سيصاب حتماً بالإرباك و اللغة بالخلل وتنهار المعاني و الاستعارات ،ولايقوم أي مجاز أمام الحقائق العارية .
كتب دوستويڤسكي ذات يوم من العام 1849 على جدار زنزانته في سيبيريا حواراً بين الشيطان و رجل الدين يبدأه الشيطان بالقول” مرحباً أيها الأب الصغير السمين ! ما الذي جعلك تكذب هكذا على هؤلاء الناس المساكين المضللين؟"وكأن الرجل يقول له "لا ..لم أكذب فمن يعمل خيراً له نصيب من مملكة الرب ،ومن يعمل الشر لا مكان له سوى الجحيم"...الجحيم؟..آه ،يا لها من كلمة..لغز..وعد و وعيد ثم يسحب الشيطان الرجل من يده لياخذه في جولة سريعة تبدأ في معمل صهر وسبك الحديد فلايحتمل الرجل الهواء الثقيل الحار و لا منظر العمال فيتوسل له أن يخرجه من هذا الجحيم فيمضي به الشيطان صوب مزرعة حيث العمال هناك يدقون الحبوب ويعبق الجو بالغبار الخانق و حرارة الشمس اللاهبة ،وسوط المراقب يهوي به بلا رحمة على كل من يقع على الأرض من التعب أو الجوع.فيشيح رجل الدين بصره بعيداً ويكاد يتقيأ أمعائه..وفي الافق تظهر بيوتهم مثل جحور باردة الجرذان تغص بالقذارة والرائحة الكريهة فيغمض رجل الدين عينيه من شدة التعب و اليأس فيبتسم الشيطان ، ويقول "الا يكفي هذا؟..قل لي الا يكفيك؟"...فيرفع الرجل يديه تضرعاً وهو يتوسل ” دعني أخرج من هنا، نعم، نعم! هذا هو الجحيم على الأرض ! “.فينهره الشيطان "كيف إذن تعدهم بجحيم آخر؟وعذاب حتى الموت؟..وهل ثمة عذاب وموت أكثر من هذا؟..ثم حمله إلى سجن بعيد حيث تصطف الزنازين الصغيرة مثل قبور تغلفها الرطوبة و الهواء الفاسد و الروائح العطنة وتفترشها أجساد هزيلة عارية ثم طلب من الرجل أن يخلع ثيابه ويصع في كاحليه سلاسل القيد الثقيلة ويستلقي على الأرض الباردة وبعدها ليحدث البشر عن جحيم آخر إن كان ثمة جحيم أشد من كل هذا ..وكأن الرجل يعجز عن الكلام فيطلب أن يخرج من هنا حالاً ..وكأن الشيطان يبتسم ويقول ألم تكن تعلم أنهم يعرفون الجحيم أكثر منك؟
تخرج الحرب/الجحيم لسانها وتقول"كش ملك".يموت الملك على الرقعة منهكاً ،وقبل سقوطه الأخير سيضحك في سره ويقول "أقلّه لم أمت برصاص قناص أو بقذيفة هاون عمياء".فهناك في الشام؛حيث يفقد كل شيء معناه إلا الحرب.هناك على إشارة مرور الشعلان مقابل دار السلام بالضبط كان عماد -بطل سوريا في الشطرنج-يجلس محدقًا في ألوانها مستعدًا، لنقلة حاسمة بين الموت والجنون؛لجنون ،متلازمة الحرب،كما سيقول أي دمشقي: إن كنا اعتدنا الحرب و الموت ،فلابأس ببعض الجنون لخنق رغبات التيه فينا.
يفرش رقعته و يحدق فيها ،يشعل سيجارة حمرا كمن ينتحر عمداً ويرشف بشغف كأس الشاي المليئة بالسكر رغم إصابته بالسكري يفكر"كيف قالوا لنا أن العدو هناك ؟؟هناك على الحدود،وإذ بنا نكتشف العدو في جارنا،وبائع الحليب،وسائق الميكرو،والموظف،نكتشف العدو فينا..يهرب بعضنا نحو الله..بعد أن أكلت الحرب كل شيء.يتحدث بإسهاب وذاكرة خرافية كيف واجه كاسباروف ذات يوم وهزمه بحركة واحدة، وبعدها يبدأ بسرد رحلاته إلى مدن العالم التي زارها ومشى في شوارعها وحجزت له الفنادق والملاعب، وفجأة تقف الذاكرة المتوهجة ويمضي رافعًا بنطاله المتسخ نصف عارٍ من كل شيء.لا تفارقه الرقعة المتسخة ..سيغيب فترة ثم تراه مغرقاً في وحدته، يلعب الشطرنج مع أحد غير موجود على طاولته.يمتد الطريق العتيق الذي كان فيما مضى مبلطاً صاعداً نحو مقهى الكمال الشهير ؛الله وحده يعلم كم تردد عليه من رواد من الدمشقيين وزوارهم .وسط الطاولات الرخامية والكراسي المقششة ورائحة تنباك الأراجيل المختلطة برائحة القهوة...مزيج عجيب ..كيمياء خفية لسحر الشرق.مقهى متهالك يشبه عماد بكل شيء حين كان يرتب قلاعه الأخيرة..إنها ليست تجربة تأملية جمالية...حيث ينعكس الإعجاب بالمكان و بشخوصه على السردية و الذاكرة ... هنا التوحش و الوحدة تفصل تلك العلاقة المتبادلة بالأشياء، وقد نشعر بأن الحياة قد توقفت بشكل تام، لأننا قد استغرقنا تماماً بالموضوع الماثل أمامنا ونترك الأشياء الأخرى المتعلّقة بفكرة الجمال التي اخترقت وعينا للحظة التجربة/المحنة بمعناها الخلاصي المنغمس في الماضي وأسراره
ها هنا عماد...هذا هو عماد حقي .طويل ،أشيب،بثياب رثة وسخة ورائحة مخيفة ،وعلبة سجائر الحمرا لا تفارقه وعيونه تدور و تدور مثل فأر يقظ...يقول من يعرفه أنه مصاب بالتوحد نتيجة لظروفه وللإهمال الذي لاقاه ،لكن من يحدثه يكتشف غير ذلك،فهو مازال ذاكرة ، فهو يذكر الأمكنة والأسماء، والأمكنة التي زارها ونال فيها البطولات، وأسماء من هزمهم ومن هزموه، والأهم يذكر الجولات التي خاضها، وهو يتحدث يرسم لك كيف لعب، وكيف حرك جنوده وملكه ووزيره وقلعته.
لاتظهر لنا النهايات الصادمة على أنها انقلاب الأحداث رأساً على عقب دائماً، بل ربما تتجلى الصدمة في اكتشافنا أنّنا تعرض لخدعة متقنة.لهذا سأحزن على عماد حقي كثيراً رغم أني لا اعرفه شخصياً،ولن اكترث لسمير القنطار"الأسير المحرر"سابقاً،رغم معرفتي له...نعم قد يتحول القتلة إلى أبطال عند كتابة التاريخ ..و لكن من المؤكد أن الأبطال لديهم ما يقولوه عند كتابة التاريخ أيضا ،إنها الحرب مرة أخرى ولو على رقعة .إنها الحرب أولاً و ثانياً و أخيراً.سيقول البعض بدهشة كم تغير عماد! استحال شاحباً من فرط الغياب؟..ربما لا..لم يتغير؛إنما النهار صار أطول.
ربما في زمن لم يأت بعد ؛سيكتب أحدهم عن عماد ..كيف خرج من قبره منذ لحظات فقط،نفض عنه غبار معركة قديمة،القبور حوله ساكنة كأنها ميتة .نظر نحو البوابة الثقيلة المغلقة ،ثم التفت صوب السور العالي الكئيب.تنفس بعمق اليائس من النجاة وعاد إلى رقعته...إلى معركته وجنوده و قلاعه؛لكن هذه المرة لن يسمح للملك بالبقاء واقفاً