Blue Jasmine: انكشاف الطبقة الارستقراطية و أوهام الحياة المعاصرة

محمود الصباغ
2018 / 10 / 31

كم يمكن لأشياء عظيمة أن تحدث عندما يكون "وودي آلن" واقعياً؟ فإذا كان الأمر كذلك "وهو المعروف بعبثيته"، فهذا بحد ذاته امتياز له كملمح مميز من ملامح السينما الأمريكية.
يقول "آلن" أنه استلهم فكرة الفيلم من تجربة واقعية لإفلاس إحدى جاراته الثريات في نيويورك قبيل وأثناء الأزمة الاقتصادية العالمية، فاتجهت للقيام بأعمال شاقة ومهينة لطبيعتها البرجوازية لتكسب قوت يومها.بيد أن مثل هذه الواقعية لا تمنعه من ممارسة عبثيته المميزة - ربما بطريقة لاواعية- فنراه يستلهم الأدوات الرئيسية لفيلمه مثل الحبكة و الشخصيات من أحد أشهر النصوص الأمريكية وأكثرها عنفاً داخلياً وصدقاً ،وهو النص المسرحي الذي كتبه "تينيسي ويليامز"بعنوان "عربة اسمها اللذة" الذي يتحدث عن الرعب الداخلي لبطلة المسرحية بلانش دوبوا "ابنة المسيسيبي" حين تكتشف أن الصراعات الحقيقية إنما تكمن في داخلها وليس في مكان آخر .(باستثناء الحبكة و الشخصيات فالأفكار ليست واحدة في كلا العملين).فقصة الفيلم تشبه قصة المسرحية لجهة البحث في معنى الحلم الأمريكي في سياق الانتقاد اللاذع , بل ربما تحقير الطبقة الراقية في المجتمع الأمريكي عبر كشف خداعها و فسادها من خلال مقدار العنف الداخلي الذي يعيشه أفرادها وما يحكمهم من خيبات أمل و صراع بين الرغبة و الواقع حين تتخذ هذه الآمال و الصراعات في ظاهرها سمات قد لا تكون، بالضرورة، سماتها الحقيقية , إذ ليس هناك ما هو أقسى من التعبير بشكل صريح عن تلك الصراعات الخفية.وهو ما يعبر عنه تينيسي ويليامز بقوله "ثمة ما هو اسوأ من أن يعيش الانسان في عالم فنتازي. اسأل نفسي بالحاح ما إذا كان العالم الفنتازي ليس هو العالم الوحيد الذي يستطيع الفنان أن يعيش فيه. "
وضمن هذا الإطار((الحلم الأمريكي ومآلات آماله وخيباتها)) يرصد وودي آلن حياة سيدة نيويوركية ثرية. تمر بأوضاع صعبة حين تكتشف خيانة زوجها لها ((سنعرف لاحقا أن أختها جينجر أثناء زيارتها لها في نيويورك رأته يقبل امرأة أخرى التي ستظهر ثانيةً في حفلة عيد ميلاد ياسمين. وسوف تتردد جينجر بقول الحقيقة لأختها أم تفضل التزام الصمت على أمل أن تبقي على زواج أختها صامداً قدر المستطاع))..تقرر ياسمين -في لحظة غضب -مواجهة زوجها بكل جرائمه،وهنا تبدأ سلسلة الأحداث غير المتوقعة فتكتشف احتياله و فساده المالي فتقرر تبليغ مكتب التحقيقات الفيدرالي " إف بي آي" ليتم القبض عليه ويودع في السجن. وبدخوله السجن ثم انتحاره ينهار كل ما حاولت ياسمين أن تبنيه وتحافظ عليه ،إذ تتبخر الثروة و تتبدل حياتها رأساً على عقب، و كبداية لاستجماع قواها مرة أخرى تقرر الانتقال إلى سان فرانسيسكو حيث تعيش أختها في شقة متواضعة "رغم الجفاء بينهما", لتبدأ رحلتها نحو مرحلة جديدة مليئة بالمفاجآت ومختلفة عن حياتها السابقة الباذخة السابقة.
تتشابه ياسمين "بطلة وودي آلن" مع بلانش دوبوا " غريبة الأطوار بطلة تينيسي ويليامز" عندما تصل هذه الأخيرة الأرستقراطية الحسناء و البائسة و المفعمة برغباتها الانسانية البسيطة إلى مدينة نيوأورليانز بعربة ترام "وهي عربة حقيقية ورمزية بآن معاً " لزيارة أختها "ستيلا" ذات الحنان الفياض وبنفس الوقت تعيش إرباكاً واضحاً في مقاربتها للتوفيق بين واجباتها اتجاه زوجها و مشاعرها اتجاه أختها ، ليتبين فيما بعد أن هذه الزيارة ستطول وتتحول إلى إقامة دائمة، وهذا ما يثير امتعاض زوج ستيلا الأرعن و الفظ فتبدأ سلسلة المشاكل و المشاحنات بينه وبين أخت زوجته . ومن الواضح أن عمل ويليامز يعكس الصراعات الاجتماعية والنفسية والأخلاقية التي كان يعيشها مجتمع الجنوب الأميركي والذي يعرفه تينيسي ويليامز جيداً. مثلما يعبر الفيلم عن الجحيم النيويوركي الذي يعرفه وودي آلن أيضا بكل تفاصيله، وقد استطاع آلن التعبير عن هواجس ياسمين وبلانش دوبوا، أي تصوير عذابات المرأة في كلا العملين.
ينجح وودي آلن ،كما العادة،في تقديم فيلمه كدراما بسيطة وممتعة ،وتحاول كل شخصية تقديم دورها على أكمل وجه وخاصة كيت بلانشيت التي لعبت -باعتقادي- أحد أعظم أدوارها السينمائية إن لم يكن أعظمها في حياتها المهنية، فقد تخطى أداءها أي مقارنة محتملة، بل هو الأداء الذي يسرق من المتفرج شهقة إعجاب مهما كان متحفظاً ويجعله يخشى أن يصاب الممثل الذي أمامه بمكروه أو يفقد وعيه لشدة انفعالاته وتقمصه لدوره. لقد قدمت بلانشيت أداءً متميزاً لامرأة تحاول السيطرة على توازنها في قبولها لوضع لم تألفه أو تختبره من قبل.. فهي منقسمة، في صراع نفسي مرير، بين جملة أحاسيس شديدة الوطأة تسيطر عليها بذات الوقت.
لايعطينا وودي آلن فرصة للاستنتاج المنفرد إذ نكتشف(أو ربما هو يريدنا أن نكتشف) ،منذ المشاهد الأولى، أن ما نراه ليس سوى لعبة بصرية تختزل الواقع المنقسم بين ماضٍ وحاضر, غير أن هذا الانقسام ليس تعسفيا أو اعتباطياً , بل يسير عبر رحلة مضنية للشخصية الرئيسية " ياسمين" في سردية بصرية متعددة نتعرف فيها على ما هو بحق موهبة وإبداع وودي آلن كمخرج للشخصيات المركبة، قابضاً بشدة على الأدوات و التقنيات اللازمة لعمله مما جعل الفيلم ناجحاً و جاذباً.
تستطيع ياسمين أن تفوز بتعاطفنا معها، باعتبارها غير مسؤولة بشكل مباشر عن انهيارها وسقوطها الذاتي , غير أنه في نهاية المطاف, إذا كان حب الذات ضروري للفرد لكي يشكل شخصية منتجة ,كما يرى "إريك فروم" و ضرورة لبناء الثقة بالنفس وعدم تماهي شخصية الفرد مع الآخرين , فإن أي تضخم لمثل هذا الحب أو ضعف لآليات الدفاع النفسي سوف يساهم في تحويل الغرائز بطريقة غير سوية ,ويؤدي حتماً إلى نحو الغطرسة و العجرفة والقلق أيضا ,وهذا الأخير قد يكون حقيقيا (أي وجودياً) أو أخلاقيا(أي اجتماعياً) أو مزيج منهما تنمو فيه بذور الإحباط عن طريق التقمص المزيف للاستقرار المعاكس للقلق (أي إثبات الذات) ,وها ما يجعل ياسمين لاتنفك تعيش صراعات لاتنتهي، وهي أمام خيارين :إما القبول الجديد أو الانسحاب باتجاه عوالمها السابقة لتقتات على أحلامها و ذكرياتها . وفي حين أنها كانت لا تزال قادرة على الحفاظ على مظهرها الارستقراطي ,فإن عدم استقرارها العاطفي وافتقارها لأي قدرة لحماية نفسها من الداخل يجعلها عرضة للخنوع و الخضوع لمتطلبات الرأسمالية المتوحشة , فنراها تقبل على مضض العمل كموظفة استقبال في عيادة طبيب اسنان الذي يحاول لاحقا التحرش بها,وإزاء إلحاحه المتواصل تقرر ترك العمل .وهكذا كلما حاولت أن تتبصر طريقاً لحياتها لتبدأ من جديد تصطدم بأمرين: الأمر الأول؛ الطبيعة القاسية للمحتمع الرأسمالي بتفاصيله الاقتصادية أما الأمر الثاني فهو ذاتي للغاية يتعلق بطبيعة ياسمين وعاداتها الباهظة.
‏يوازن وودي آلن هذين الأمرين بلمحات من الفلاش باك عن ماضي ياسمين،وبستطيع المشاهد ان يستنتج بسهولة أن ياسمين تعيش حياو منقسمة فعلاً ومجازاً (حقيقي وواقعي فعلي) إلى قسمين: ماضي وحاضر و بتمثل كلاهما في الحاضر وهذين القسمين يمنحان ياسمين خيارات بين أن نكون حياتها مأساوية أو بائسة،وهي عليها أن تعرف معنى البؤس و المأساة لختار ما يناسبها ،فإذا فالمأساة هي أن يمرض الإنسان، مثلاً،كأن يصاب بالعمى أو الشلل أو غيرها من الأمراض الميتة , فالبؤس كل ما هو ليس كذلك، (يوجهنا آلن بذكاء وبلا وعي لأن نرى أن ياسمين اختارت البؤس فكونها بائسة يعنى انها محظوظة.)..ياسمين التي يخلقها آلن ليست سطحا يفتقد للعمق و ليست رمزا هندسيا يسبح في فضاء إقليدي , بل كائن حي له بعده أو أبعاده العميقة والمركبة ويكتفه ما يكتنف البشر من لحظات ضعف و قوة وغرور وبساطة و حسد وكبرياء و طيبة وخبث .. إلخ.
يقذف وودي آلن بوجهنا جملة من الأسئلة دفعة واحدة.. وهو ربما لا ينتظر منا إجابات مثلما أننا في المقابل لم نحصل منه على إجابات نهائية . كل ما يريده آلن هو أن يشاركه المشاهد اهتمامه ونزعته دون إغفال خصوصية كل منهما (المخرج والمشاهد-المتلقي).
‏وقد يتساءل المشاهد وهو يتابع -بمشقة-مشاهد الفلاش باك، ماذا يريد المخرج؟ بمعنى ماذا يريدني أن أرى في الفيلم؟ هل المطلوب هو التعرف على ياسمين؟ السيدة الثرية التي تعيش محاطة بكل وسائل التقنيات الحديثة التي يمكن لها أن تجلب السعادة بهذا القدر أو ذاك أم ياسمين الأنثى التي تعيش أزمة المجتمع الرأسمالي باختناقاته الدورية المتعددة والمتشعبة؟
أو ‏كيف أن ياسمين لم تعد ياسمين؟ هل لأنها لم تعد زوجة رجل ثري؟ هل لأنها هوت في قمة الهرم نحو أسفل السلم الاجتماعي؟
أم هو يريد غير ذلك؟ ما الذي يمكن أن يرجوه المشاهد ويتوقعه من ثرثرة ياسمين؟ أو من تلك الإسقاطات الكئيبة لسان فرانسيسكو ؟ أو من تفصيل قضايا الاحتيال والفساد المالي للشركات الأمريكية؟ هل الفيلم يتحدث عن الجنس؟ عن المخدرات؟ عن الدعارة في الوسط الراقي؟ عن الضحية؟ والزوج المخدوع؟ أم العكس.. عن الزوج السليط العابث والزوجة الغنية التي يتوفر لها كل شيء لدرجة أنها قلما تغادر مكان سكنها؟
كم من المفاجآت تتضمنها قصة ياسمين بكل تفاصيلها المأساوية المختلطة بالكوميديا، ويحق للمشاهد أن يتعاطف معها رغم صلفها وسلبيتها، بفضل التطور السلس لشخصيتها كما أراد لها وودي آلن وكما أدته كيت بلانشيت بشكل ملفت ومبدع.. ياسمين المهووسة التي تحاول عبثا إعادة بناء حياتها من جديد هي في نهاية المطاف سيدة غارقة في الماضي حتى النخاع رغم أنها محكومة بالمستقبل. ومن شبه المؤكد أن يحب المشاهد شخصية أختها جينجر لكنه أيضا بلا شك سيحمل الكثير من التعاطف و التضامن مع ياسمين رغم العديد من المساوىء و السلبيات التي تتضمنها شخصيتها, وليس بعيداً عن الصواب القول أن وودي آلن بالغ بعض الشيء في رسم شخصية كل من ياسمين و جينجر , حيث يضعنا أمام العديد من التفاصيل الصغيرة عن ياسمين لتكون بمثابة بوابة نتخطى بها ماهو ظاهر لنتوغل عميقا في شخصيتها , فنراها تتحدث عن نفسها وعن حياتها في المشهد الافتتاحي. فيضعنا آلن أمام خيارات معروفة مسبقا ليست من النوع الصعب أو الإعجازي فيركز على إظهار تفاصيل أخرى مثل هي في الحقيقة محازات وكنايات على المشاهد تفكيكها ،فحقيبة يا سمين من النوع الفاخر جداً و تذكرة سفرها على الدرجة الأولى لرحلتها إلى سان فرانسيسكو رغم أنها لاتملك نقود ,و الأهم من ذلك اختيارها اسم ياسمين بدلاُ من اسمها الحقيقي , ثم الإكرامية السخية التي تدفعها للسائق , كل هذه التفاصيل تضعنا أمام شخصية أنثوية نرجسية تتمحور اهتماماتها حول ذاتها و نظرة الآخرين لها بما يجعلها تنكر حاضرها, تنكر أنها لاتملك شيء، تنكر أنها مفلسة , تنكر أن زوجها سجين بتهمة الاحتيال و الفساد المالي, ولعل اليقين الوحيد البعيد عن المجاز "على الأقل بالنسبة لياسمين"هو خيانته لها ، ‏ومايزيد من وطأة المجاز عنوان الفيلم ،مثلما هو عنوان عمل ويليامز أيضاً، فيمكن للمرء أن يتفحص القاموس ليعرف المعاني الكثيرة لكلمة "Blue" والتي يمكن أن تصلح لوصف ياسمين ، أما بالنسبة لويليامز فيكفي القول إن الكثير من ثقافات الشعوب تقارب ما بين "المركبة" و "الأنثى" وبالعكس في الدلالات المجازية فالرغبة الجامحة هي سمة تطبع التصرفات المتهورة للبعض .
يرسم آلن الاستجابة العالية للعوامل النفسية لياسمين كشخصية متهاوية شديدة النرجسية تعاني من أزمات جلد الذات ومن حالة إنكار متواصل لواقعها, وتسيطر عليها ذكريات الماضي بما يتضمنه من ثراء و بذخ ,وهي بحكم نرجسيتها فليس ثمة ماهو حقيقي في أقوالها وأفعالها, فهي بارعة في التلاعب بالأحداث و المشاعر لاسيما في البداية حيث يروق لها الأمر و يبدو جذاباً وممتعاً فهي تكذب مثلاً بخصوص حياتها السابقة وتقول للأرمل الثري دوايت الذي يسعى لأن يصبح عضوا في الكونغرس أن زوجها كان جراحا وتوفي إثر إصابته بنوبة قلبية , سيكتشف دوايت كذبها وهو يهم بشراء خاتم خطوبتهما فيغضب منها و يفسخ الخطوبة .. تحلم ياسمين بالماضي، بحياتها السابقة، وتسعى لاستعادتها. إلا أن كل محاولاتها تفشل، نظرا لحالة العصاب التي تعيشها ولهيمنة مركباتها النفسية وسماتها النرجسية وغرورها وكذبها المتواصل على حياتها.
تنوس ياسمين تحت وطأة غرورها باعتباره جزء أصيل من شخصيتها الماضية ،فضلاً عن الخداع كصفة مكتسبة تضاف لشخصيتها الحاضرة بعد فقدانها كل شيء وهذا ما يؤثر على سلوكها وتعاملها مع محيطها .ومثلما تصل بلانش دوبوا لنيوأورليانز، تصل ياسمين إلى سان فرانسيسكو وهي في حالة يرثى لها ورأسها يترنح بسبب تناولها العقاقير المضادة للاكتئاب. فهل تستطيع التأقلم مع وضعها الجديد؟ هل تستطيع متابعة حياتها الجديدة؟ وهل تستطيع إن ترسم لنفسها بداية جديدة؟ تبقى تلك الأسئلة بلا إجابات في سياق جهد ياسمين المتواصل في التكيف للتغلب على مخاوفها وهي ترى نفسها تفقد رويداً رويداً كل شيء من حولها،يضاف إلى هذا مشاعر الحسد و الغيرة التي تنتابها حيال أختها المرحة و المنفتحة، التي تعيش حياة "عادية جداً" و بسيطة و لكنها سعيدة مع حبيبها الميكانيكي الجلف الذي كان يخطط للانتقال و السكن مع جنجر قبيل قدوم ياسمين، لذا نرى أن عدائه لياسمين يتغذى جزئياً من مصلحة ذاتية و جزئيا من استيائه من الأجواء الارستقراطية ومن رغبة صادقة لحماية جينجر .
لا تكف ياسمين عن الثرثرة رغم "حزنها"، والثرثرة ميزة لأفلام وودي آلن سواء كان مخرجا أم ممثلا، ففي المشهد الافتتاحي للفيلم تثرثر ياسمين في مقصورتها في الدرجة الأولى"رغم إعلانها الإفلاس" مع سيدة مسنة تجلس قربها في رحلتها الجوية نحو سان فرانسيسكو، ونحن في الحقيقة لانعلم لماذا تتحدث معها ولماذا تصر على التحدث معها حيث تصف حياتها الرومنسية مع زوجها السابق "هل تزوجته لأنها تحبه؟؟ أم تزوجت المال.؟" تعرف عن نفسها بأنها ياسمين , بالأحرى هي تفضل أن يدعوها الناس بهذا الأسم " سنعلم لاحقا أن اسمها الحقيقي هو جانييت" ..تبدأ ياسمين تثرثر بقصة حياتها دون توقف .وعند هذه اللحظة لابد لنا أن ننتبه إلى شخصية ياسمين المخلخلة , الواهمة ..فسيدة المجتمع النيويوركي الراقي تهوي من أعلى مراتبها بعد سجن زوجها بقضية الفساد المالي , هذا المجتمع الذي لن يرحمها فيتخلى عنها الجميع لتلقي بنفسها بتهور في عالم المخدرات ،مما يجعل الفيلم يبدو سهل التكهن بنهايتها حين يبدأ آلن بتعريفنا بشخصية ياسمين , إذ ليس من الصعب ملاحظة الذعر وراء عينيها مهما حاولت أن تخفي ذلك ,ومهما حاولت افتعال سعادة مزيفة تصر عليها بعناد مدهش ..لكن وودي آلن , ذلك النيويوركي المشاكس لايهتم كثيرا بما هو قد يحقق الفرجة للمشاهد بقدر ما يهمه تقديم شخوصه وطريقة تطورها حتى لو كانت بشكل ملتبس, فمنذ لحظة اتخاذ ياسمين القرار بالعيش عند اختها جينجر ينشطر الفيلم إلى شطرين أو فلمين , شطر يدور في الزمن الحاضر حيث واقع ياسمين البائس و شطر يتحدث عن الماضي .. ماضي ياسمين الرغيد ..وهكذا يمضي بنا بشطريه إلى النهاية , وهذا ما يجعله يعتمد بصورة أساسية "ربما مملة للبعض" على الفلاش باك ,( الأسلوب المفضل لوودي آلن في معظم أفلامه) .
يقدم الفيلم تجربة إخراجية مميزة وهو بصورة ما أقل أفلام ووي آلن ذاتية من حيث ما يطرحه من أفكار , ومع ذلك استطاع أن يحافظ على روحه الساخرة وشخصياته المفعمة بالحياة و أسلوبه المميز وعمق رؤيته و تنوع أدواته وعشقه لموسيقى الجاز التي اعتاد أن يضمنها بأفلامه ذات النكهة النيويوركية الكلاسيكية المثيرة، ولن نتفاجىء حين نعلم أن اسم الفيلم مستوحى من أحد أغاني الجاز الشهيرة. هذه الرؤية للفيلم لاتعني بأي حال أنه "صعب" أو "عسير على الهضم" فحين يعي المشاهد ذاته في سياق الفيلم وشخوصه يستطيع أن يرى الصعوبة التي يبذلها الفرد في عصرنا للمضي قدما في الحياة.
يا الله!! لنتأمل ذلك، هل فعلا أصبح مجرد المضي في الحياة أمرا صعبا؟ ,نحن في سياق يومياتنا كثيرا ما نسخط على ما نملك، حتى إذا فقدناه نكتشف كم كنا نحبه، وكل ما يصدر عنا من أفعال أو أفكار أو حديث انما يدل على شخصيتنا، وحتى الاحلام تعبير عما بداخلنا، بشكل لا شعوري، وشخصية الفرد محصلة النظام المتحد المتكامل والمتفاعل من عوامل جسمية ونفسية واجتماعية، فالإنسان من الداخل مزيج من الدوافع والميول والقدرات والعواطف والعادات وغيرها من المكونات المسؤولة عن البنيان الطبيعي لتكوين شخصيته وسلوكه العام والخاص في المواقف المختلفة. رغباتنا الجنسية المكبوتة في أن نكون مع شخص جديد، الانصياع لعدم الإيمان. ولكن فوق كل هذا حول "ماهية" هويتنا ومحاولتنا الأبدية التمسك بفردانيتنا " إذا قدر لنا أن نجدها".
ماهذا؟؟ علام كل هذا؟
ربما كل هذا من أجل المشهد الختامي" المفضل لدي على كل حال",حيث تظهر ياسمين وهي تجلس وحيدة (فالوحدة هي مرض المجتمع الاميركي كما استنتج تينيسي وليامز) على مقعد في حديقة عامة في حالة من الاضطراب العقلي، تتحدث مع نفسها عن مشاكلها ومتاعبها التي لا تنتهي مشهد يجسد براعة المخرج في اسخدام أسلوب العرض المتكرر للفلاش باك للتعبير عن تخيلات ياسمين لمراحل وأحداث حياتها السابقة، فضلا عن سلاسة السيناريو وفواصل الفلاش باك .
هذا إذن ما يحاول الفيلم قوله، وقد قامت كيت بلانشيت باقتدار مميز (استحقت عليه الأوسكار) بأن تنقل لنا هواجس ياسمين(وهي في الحقيقة هواجس وودي آلن نفسه): حقيقتها، زيفها، انتهازيتها. قسوتها، نرجسيتها المفرطة كخط دفاع هش أمام العالم الحقيقي، لتشكل مخاوف ياسمين الحقيقية وعلاقة هذه المخاوف بالانتماء الطبقي وبالجنس وإجرام الشركات في أمريكا. ويجسد أداء كيت بلانشيت الصراع النفسي الذي تعيشه ياسمين الحائرة بين عالمين مختلفين من خلال التداخل بين الحاضر و الماضي حيث تتداخل مشاهد الماضي مع الحاضر دون سابق إنذار إلى حد يجعلنا أحيانا لا نستطيع التمييز بينهما في البداية ,فالماضي و الحاضر إنما يضعان المشاهد أمام شخصيتين لايمكنهما أن تكونا قريبتين من بعضهما البعض" أي ياسمين و شقيقتها جينجر" , لنكتشف لاحقاً أنهما شقيقتان بالتبني, بمعنى أنهما من أصول بيولوجية مختلفة فضلاً عن أن كل واحدة تسكن على الطرف المقابل للقارة ؛ياسمين في نيويورك و جينجر في سان فرانسيسكو .وهي محاولة جيدة من وودي آلن بأن يترك لنا حرية عقد المقارنات بين الأختين كما نشاء .
وفضلا عن التمايز الإثني و المعرفي فالوضوح الطبقي أسهل ما يمكن اكتشافه وملاحظته في الحياة الامريكية، وهو أحد أهم العوامل التي تجعل ياسمين غير قادرة على الصمود،فالخوف يجسد عقاباً أرضياً لياسمين لرفضها أو عد لعدم قدرتها على رؤية مثل هذا التمايز و الوضوح.
لقد نشأت ياسمين ونمت كفقاعة فخمة ذات امتيازات هائلة، ومع تقلب وضعها في نيويورك نكتشف أنها غير مهيأة لذلك بل هي هشة للغاية مثل حيوان الأسر الذي يشكل إطلاقه في الغابة كارثة له مع كل ما يحمل ذلك من معاني الحرية..(هل هذا يعني أن الحرية ضارة في بعض المواضع و لبعض الأفراد؟) ولذلك وكما هو متوقع ستصل ياسين للنهاية المرسومة،أي الوحدة، و يالها من نهاية، الوحدة والثرثرة مع الذات، التفكير بصوت عالٍ مثل نزلاء المصحات النفسية.. ياسمين لايمكنها ولا تطيق أن تكون خرساء، ستبقى تثرثر إلى ما لانهاية..ربما هذا أحد رسائل وودي آلن لنا.. الثرثرة التي لا تنتهي , سواء في الشقة أو المطعم أو الشارع ..ثرثرة في كل مكان, تنغمس ياسمين في نزوة وودي آلن السينمائية المعروفة, رغم أن الفيلم يوصف بأنه أقل أفلامه التزاماً بشخصيته وأقله التصاقاً بها, ربما لقوة الشخصية النسائية المتبلورة داخل الفيلم و التي تجبر المشاهد على التعاطف معها, لذلك يبدو أنه أكثر أفلام وودي آلن انسجاماً لناحية طرح المعضلات الإجتماعية/الاقتصادية للمجتمع الأمريكي ،فالفيلم عموماً منتظم منذ البداية للنهاية ويتعامل بذكاء صارم مع الحدود النرجسية لياسمين المتعجرفة و الانعزالية , ويكون انهيارها المتوقع كاشفاً لهشاشتها أمامنا بطريقة مروعة وهنا تلعب بلانشيت بدقة الدور الذي رسمه وودي آلن : أمرأة نيويوركية نادرا ما تبتعد عن مكان سكنها في نيويورك ,غافلة عما يقوم به زوجها من أفعال و أعمال خارج إطار حياتهما الزوجية .امرأة مفتونة بذاتها بحيث تعتقد أنها قارة على مواجهة ظروفها الجديدة عن طريق احتساء الفودكا لتضع نفسها بين الواقع و بين نفسها قدر الإمكان.
وعلى صعيد خلق و رسم الشخصيات ،تبدو ياسمين أحد أكثر الشخصيات الواقعية التي قدمها وودي آلن للسينما حيث ترتبط ذكرياتها عن الماضي بجملة أحداث تنذر بمدى كذب وهشاشة وجودها السابق كله. وحين يبدأ الحاضر بالتفكك بسبب هجوم الماضي تبدأ بتناول الكحول، لكن الكحول لن يمنع تعرضها لهجوم موجة جديدة من الذكريات .وهكذا تنفتح أمامنا شخصية متعالية عصابية ونرجسية ومدمنة على الكحول وفوق كل هذا تنكر كل ما سبق .فلا يكفي أن تضع أنفها على حافة زجاجة المارتيني لتنتقل إلى واقع جديد،بل على العكس سوف يزيد من وحشتها وعزلتها .. "مع من يجب أن أنام هنا كي أحصل على كأس مارتيني" ألم تقل ياسمين ذلك؟
يبني وودي آلن شخصياته بعناية معقدة ويسعى لتوضح التنميط الاجتماعي على غرار ما فعله تينيسي ويليامز، ولكن يبدو وودي آلن أكثر غرابة وبالتالي أكثر راديكالية فهو يستخدم مواقع سان فرانسيسكو بطريقة ساخرة ويركز على الهوة بين مقاطعة مارين ذات الثراء الفاحش وأحياء الطبقة العاملة المتسخة جنوب الحي المالي. وكثيرا ما نرى الكاميرة تتوقف عند سفن الحاويات المتسخة الراسية على الرصيف المجاور .سان فرانسيسكو هذه هي ذاتها المدينة المعروفة للجميع كمقصد للبوهيميين و الحب الحر و المثليين و المخدرات و الدعارة الراقية و الجريمة ..في هذه المدينة ستحاول ياسمين( التي تمثل النخبة الأمريكية -التي يمقتها وودي آلن-) أن تنهض ,ولكن ياسمين المليئة بالعيوب ,( مثل أي فرد ينتمي للنخبة), تستمد قيمتها من تصور الآخرين لها و بالتالي حين تبدو أنها غافلة عما يدور حولها تساهم في خديعة غيرها "كذبها على دوايت".
يحوم عمل وودي آلن بطريقة ما حول العواقب التي يمكن أن تنجم عندما ينتاب البعض الشطط في قدراتهم فيحيدون بأبصارهم عن واقعهم وعن الحقيقة التي لا يريدون رؤيتها
نستطيع القول ختاماً-كاقتراح اجتماعي- أن الفيلم دراسة في عواقب الكذب على الآخرين، وهو من المواضيع الأكثر شيوعا في أعمال وودي آلن ،رسالة تحذيرية عن الثروة والسمعة والمكانة التي تتحقق عن طريق الاحتيال.
‏ ألا يشبه هذا ما كان تينيسي ويليامز يحاول قوله " انظروا ماذا يحصل عندما تقودون مركباتكم (رغباتكم) بتهوّر واستهتار بالقوانين! انظروا ما هي نتائج الرغبات السوقية الدنيئة الجامحة!"
لا أشك بأن وودي آلن كان قد قرأ قبل أن يعمل الفيلم ما قالته أسطورة نرسيس "آه أيها الشقي المحبوب دون جدوى .... وداعاً".. هذه الكلمات الأخيرة لنرسيس التي نطقها وهو يخمد خنجره في صدره أصدق ما يمكن أن تقوله ياسمين في مشهدها الأخير
لو كنت مكان وودي آلن لما ترددت ولو للحظة عن وضعها على شفتيها تثرثر بها -همسا أو صراخا ,لافرق-.. فقط لو كنت مكانه...فقط.