تاجر البندقية:مجاز لحم ودم ،لم يدركه اللورد بلفور

محمود الصباغ
2018 / 10 / 30

أريد رطل لحم هذا الآدمي ، إنه حقي ولن أتنازل عنه.. هي صرخة شكسبيرية تنبؤية لكولونيالية مبكرة.
ثمة مثل أوروبي يقول"الشخصية الكريهة تترك وراءها ذكريات حية كريهة" يعني كما يقال عندنا "العنزة بتخلّف عنزة"، ولو أردنا ترجمة ما سبق إلى لغة شكسبير ،فلابد ان يجول بخاطرنا ما قاله "أنطونيو" لصديقه عن المرابي اليهودي "شيلوك"وهو يتفاوض معه ليمنحه قرض في مسرحية " تاجر البندقية":" لاحظ يا بسانيو كيف أن بوسع الشيطان أن يستشهد بالكتاب المقدس لدعم أغراضه وما الروح الشريرة التي تلوح باستشهادات دينية إلا كالوغد ذي الابتسامة على خديه أو كالتفاحة العفنة ذات المظهر الجميل، ألا ما أجمل المظهر الخارجي للزور والكذب".
في ذلك الوقت لم تكن توجد "قوانين" معاداة السامية ،الامر الذي منح سكيبير زخماً كبيراً لتصوير شخصية اليهودي النمطية المترسبة في الثقافة الأوروبية المسيحية آنذاك وأن يصنع نهاية للمسرحية بحيث ينتصر فيها المسيحي على اليهودي الذي يريدنا شكسبير أن نراه سلبياً حاقداً يتحين فرصته للانتقام .
يمضي بنا الفيلم نحو غايته بتحقيق الفرجة المطلوبة منه كفرصة تشبه رؤية معرض لوحات عصر النهضة وقد أعيدت لها الحياة مع سحر حقيقي للغة المسرحية و الأفكار التي من خلالها نستشف الرغبة العميقة لدى المخرج "مايكل رادفورد" في تفكيك هيبة النص ومؤلفه ,وضمن هذا التأطير البصري للنص المسرحي(الذي يحمع ما بين التراجيديا و الكوميديا) تقوم مقاربة رادفورد للسردية مستعينا لاشك بالقدرات الهائلة لممثل عظيم مثل آل باتشينو ,الذي قام ,ربما لوحده بأعباء الفيلم بفضل قدرته على تقمص شخصية شيلوك في مدينة البندقية في القرن السادس عشر و تصوير الوضع الهامشي ليهود المدينة آنذاك كما كان عليه الحال في معظم المدن الأوروبية , حيث يمارس اليهود نشاطهم التجاري المعهود "الربا" بحكم كونهم جماعة دينية وظيفية تؤدي أو تقوم بالأعمال "القذرة" التي يستنكف عنها بقية السكان "غير اليهود".
هل من سبب آخر؟.هل يمارس اليهود الربا فقط لهذا السبب؟ هل يكون السبب ربما هو منعهم من الوصول إلى الأنشطة الاقتصادية الأخرى , و لأن إقراض المال بالفائدة هو أمر حيوي لاقتصاد المدينة لتحقيق الرخاء لها ولتجارها .كان العهد الاقطاعي - الزمن الذي تدور فيه أحداث الفيلم -يمتاز بمراكمة الثروات الهائلة بيد الإقطاع المنغلقين في قلاعهم و حصونهم حيث يعيشون بذخا و ترفا قل مثيله ,وكان يقيم قرب قصورهم العديد من التجار بما يشبه أسواق شبه دائمة أو موسمية و يدفعون الإتاوات لأسياد القلاع مقابل حمايتهم , ونظرا للحاجة الماسة للسيولة المالية بدأ ظهورالمرابين , و بسبب من حواجز دينية عديدة تم إسناد هذه الوظيفة لليهود الذين يعيشون على هامش المجتمع و لا يحق لهم الوصول للوظائف الأخرى أو القيام بأعمال تجارية أخرى , وهنا تظهر العلاقة المتناقضة بين كره المجتمع لليهود بحكم تمركز السيولة المالية بأيديهم و بين حاجتهم لهم للاقتراض و الاستدانة.
في هذا الجو و في هذه البيئة و في مدينة مثل البندقية التي كانت دولة تحمل راية التجارة الأوروبية عبر المتوسط عاش شيلوك اليهودي المرابي القبيح ذو الأنف المعقوف و الظهر المحني، " يتخلى الفيلم عن هذه المظاهر وعن الملامح الشرسة الأخرى, إلا عندما يواجه غدر الآخرين" .
يشير النص الشكسبيري إلى التاجر أنطونيو الذي يتورط في الحصول على قرض من شيلوك "3000 دوقية" ليساعد صديقه العاشق بسانيو ليطلب يد بورشيا ويعده بأن يرد المبلغ خلال ثلاثة أشهر ،يوافق المرابي ولكنه يصر على وضع شرط قاسٍ("لايخفيه الفيلم أيضاً" وقد صاغه شكسبير بذكاء شديد) يتمثل باقتطاع رطل لحم من جسد أنطونيو إن عجز عن رد الدين .طبعا لا يتمكن أنطونيو من الوفاء بالدين في الموعد المحدد ولذلك يطالبه شايلوك بتطبيق الشرط كما أبرم.الأمر الذي يدفع أنطونيو للصراع مع شيلوك على أحد جسور المدينة وهو ما يظهر في المشهد الافتتاحي للفيلم حين نرى أنطونيو يبصق على شيلوك فوق جسر ريالتو "في النص الشكيبيري هذا المشهد حواري". يقول أنطونيو لشيلوك بكل وقاحه أنه سيبصق في وجهه مرة أخرى كلما طلب منه سداد القرض, وقاحة أنطونيو هذه تستند للصورة النمطية له و لليهودي فأنطونيو هو المسيحي الذي يحمل الصفات الطيبة والذي يرفض الربا مقابل شيلوك اليهودي الشرير. وهنا تظهر حساسية الموقف في إظهار شيلوك بوصفه شريراً و ضحية بذات الوقت, شخصية تراجيدية عميقة تنحدر نحو مصير لا مفر منه بسبب عيوبها الخاصة "الأصيلة" , أليس هو من يقول "سوف أطبق عليكم ما علمتوني أياه من نذالة!". وهو هنا يحاول ان يرد الصفعة، مع التشديد( من النص و الفيلم) بأن دوافعه لرد الثفعة ليست دوافع ثورية ،إذ لايمكن لشخص ان يكون ثورياً وكل ما يشغله من هرب ابنته أنها سرقته فقط دون الاكتراث لفعلتها و مصيرها.
بكل تأكيد لكل واحد منا مطلق الحرية في تفسير رفض شيلوك قبول أي فائدة مالية على القرض و الاكتفاء بهذا الشرط القاسي "رطل لحم" لكن بكل تأكيد أيضاً هناك أسباب خاصة لشيلوك .
ولكن لماذا أراد أن يقطع لحم أنطونيو؟ ومامغزى ذلك عند شكسبير؟ هل الأمر مجرد ملهاة ؟ بمعنى تسلية الجمهور حيث ينساقون وراء النهاية السعيدة بعجز شيلوك عن اقتطاع لحم أنطونيو؟ ونجاة التاجر المسيحي "الطيب" من "خبث وسوء طوية" اليهودي المرابي؟.
إن أي مؤلف مسرحي عادي , بل أقل من عادي يمكنه صياغة مثل هذه الحبكة المتواضعة , وحتما هذا الأمر لاينطبق على كاتب عبقري من نوعية شكسبير , فما هي تلك الهموم التي كانت تشغله وهو يؤلف تاجر البندقية ,ماهي الانشغالات الحضارية التي كان يهدس بها وهو يرسم صورة المرابي بكل تفاصيله الدقيقة الداخلية من خلال التطور الكوميدي للمسرحية ووصولها إلى الذروة في المحكمة وعدم قدرة شيلوك على تحقيق حلمه بالانتقام من أنطونيو.
ربما يقول البعض أن تاجر البندقية ليست سوى تقرير من وجهة نظر الطبقة المسيطرة عن طبيعة العلاقة التي كانت تربط المسيحيين باليهود في تلك الفترة والتي كانت تغلفها مشاعرالكراهية ‏,غير أن أي طباق "يهودي-مسيحي" للنص الشكسبيري هو طباق مضلل ,إذ لايمكن القبول بأن أنطونيو يمثل المسيحية و شايلوك يمثل اليهودية و بالتالي نقل الأحداث إلى صراع يهودي مسيحي مفتوح على كل الاحتمالات . وحده شايلوك من يملك الإجابة على تساؤلاتنا .وحده من يملك التبرير لحقده ورغبته "الإنسانية "بالإنتقام ويتجلى ذلك حين يتسائل صارخا "تسخرون العبيد وتسخرون كلابكم وبغالكم وحميركم في أحط الأعمال لأنكم إشتريتموهم .هل أطالبكم بعتقهم؟ هل أناديكم لتزوجوهم من ورثتكم؟ لماذا تغرقوهم بعرق الأعباء؟ ستجيبون بأنهم عبيدكم".
أليس شيلوك المرابي هو واحد من أوائل اليهود الذين نسمع صوتهم في الأدب الأوروبي؟ بأن يجادل قضيته، لتكشف عن إنسانيته ؟ قد يكون شكسبير في الحقيقة لم يلتق قط بيهودي مثل شيلوك، بل ربما لم يزر البندقية أو فرنسا أو الدنمارك . ومع ذلك قدم لنا نموذجاً مجتمعياً ينم عن استقراء لشخصية اليهودي في عصر النهضة الأوروبي وماتلاه و سيليه, فتم تصوير الكراهية و الحقد على أنهما لازمتين لرؤية اليهودي جنباً إلى جنب مع صورة اليهودي الثري الذي يستغل حاجة الناس للمال فيقرضهم بفوائد يعجزون عن دفعها و ما رطل اللحم إلا رمز لصورة الفائدة التي يستحيل سدادها, لذلك كانت تلك الصورة عن اليهودي في الحكايا والقصص الشعبية التي أجمعت على بخله و غدره وتعطشه للدماء ورغبته في إلحاق الأذى بالآخرين و التخريب و الدمار .
وليس مستغرباً أن يتم الترويج لهذه الصورة النمطية لليهودي فتظهره شبحا يتصيد بواسطة كلابه الفلاحين والبسطاء في غابات أوروبا و جعلوه يقطن في غابة "فونتين بلو" بفرنسا ,و في "الغابة السوداء" بجرمانيا ,وفي غابة "وندسور" الإنجليزية وهو شبح يظهر بين الحين والآخر ليسبب الموت للحيوانات والوباء والأمراض على للناس الذين اطلقوا عليه أسماء متعددة مثل( يوتاديوس) بمعني قاتل الإله باللاتينية. وتوجت شخصية اليهودي هذه في الأسطورة الإيطالية النمساوية عما يسمى بألفية الصقيع التي تطابق بين الضرر الناتج عن الصقيع واليهودي ،فتحكي الأسطورة عن السبب الذي كان وراء ضمور صناعة النبيذ في المناطق الجنوبية من جبال الألب،والءي تم تفسيره بسبب الرياح الباردة التي استمرت لمدة ألف عام بسبب ظهور هذا الشبح اليهودي ،فظهور اليهودي في أي مكان مثله مثل البرد القارس يقتل كل حي ولا يترك خلفه إلا الخراب والدمار . وتعكس هي الأساطير في رمزيتها الى جانب عشرات غيرها كيان الجماعات اليهودية بوصفها جماعات وظيفية "كما يصفهم عبد الوهاب المسيري" ذات دور تخريبي- من خلال الربا واحتكار السيولة النقدية-، بحيث جعلت الذاكرة الشعبية لأمم القارة الاوروبية من هذه الجماعات شبحاً متوحشاً وموتاً بارداً وهي صورة يسهل توظيفها سياسياً مع كل تأويل بسيط من خلال إسقاطها على أحداث عادية وطبيعية بحد ذاتها.
ولكن مهلا ..مهلا قليلا.. "تاجر البندقية" بالذات إنتاج أدبي شديد الحساسية فشيلوك , المرابي شخصية إشكالية كما طرحها شكسبير بما تحمل من مضامين خطيرة بشأن"العداء لليهود أو ما يعرف بمعاداة السامية" , لذلك ابتعد الكثيرون من صناع الأفلام عن مثل هذه المواضيع المقلقة و المثيرة للريبة و التي تحمل أوجه متعددة في التأويل. و تكمن إشكالية شيلوك في كونه شخصية تجسد الصورة النمطية لمعاداة السامية كما هي موصوفة في النص المسرحي ومع ذلك تظهر في الفيلم بصورة عاطفية جدا ,وهي شخصية ليست ذات بعد واحد (كما هو الحال في مسرحية كريستوفر مارلو "يهودي من مالطا"). فشيلوك "اليهودي الشكسبيري" يظهر مكثف , قوي , لا يلين, ولا يعتذر , و له الكثير من أسبابه الخاصة التي تجعله يعبر عن غضبه بحرية غير معهود في ذلك العصر بما يدفعنا على الأغلب لإعادة قراءة المسرحية بعد مشاهدة الفيلم .
أليس ثمة ما هو غريب هنا؟ على افتراض أن معظمنا قرأ تاجر البندقية أو على الأقل سمع نقاشات عنها أو يعرف الخطوط العامة و العريضة لها , ولكن أن يقوم فيلم بدفعنا لإعادة قراءتها هذا يعني إما الشك بما قرأنا و عرفنا عن النص الأصلي أو العودة للتأكد و التيقن من أن قراءتنا السابقة كانت قراءة صائبة.
 "تاجر البندقية" الذي يحمل مضامين رومنسية مختلطة مع الحزن و اليأس و المكر و الخداع، لنتذكر كيف قامت جيسيكا ابنة شيلوك بسرقة ثروة أبيها والهرب لتتزوج من لورينزو ؛انتصار الحب يختلط مع فعل السرقة ("لاتسرق" أحد الوصايا العشر للشريعة الموسوية)؛ تختلط الرومنسية المشرقة في رؤية حبيبين يجتمعان أخيراً بغض النظر عن الحواجز الاجتماعية و الدينية مع المكر و الخداع الذي تمارسه سلطة المدينة للتخلص من شيلوك و استنزافه و الرمي به بعد انتهاء مهمته؛ و يظهر شيلوك في آخر مشهد وهو مقيد الحركة ضمن نطاق محدود من المدينة لايسمح له بتجاوزه و لا بمغادرته.
يقول رادفورد عن الفيلم أنه "لايتناول فكرة العداء لليهودية في حد ذاتها ,بل هو محاولة لإلقاء الضوء على المسألة من وجهة نظر حديثة" وكيف كان شكسبير يتحلى ببعد نظر إلى درجة أنه يمكن معالجة نصوصه في إطار حديث دون قلق ..أما آل باتشينو أحد أفضل الممثلين في تاريخ السينما فيقول عن دوره"لم أفكر أبداً في تقديم هذه الشخصية، ولكنني قبلتها لأنني كنت متأكداً من أن المخرج سوف يقدم سيناريو جيد جداً والأكثر من ذلك أنه يلقي الضوء على كثير من القضايا المهمة في عصرنا الحالي والتي يجب أن نتعرف عليها جيدا"ً.ويضيف "هذه الشخصية كانت مثيرة للجدل كشخصية إنسانية في حد ذاتها على مر السنين وفي كل المحاولات التي تناولت هذه الشخصية" .. وهذا القول ليس مفاجئا من ممثل مثل آل باتشينو الذي لعب العديد من الأدوار الصعبة و قدرته الملفتة للنظر على استخراج الطبائع الغنية للشخصية ولعل قدرته على تقمص الشخصيات يجيب عليها آل باتشينو نفسه في أحد الحوارات حين يقول "هذا كل ما أحاول القيام به طول الوقت. الوصول إلى نقطة تشعر فيها بغريزية الشخصية" وهو يرى أن قيامه بالعديد من الأدوار الشكسبيرية إنما يعود لشعوره بأن تلك الأعمال إنما تعنيه بشكل شخصي ومع ذلك هو"لا يدرك فعلا ما إذا كان يخرج فعلا عن حدود الشخصية" وأن هذه المسأله تثير فيه الكثير من القلق و تجعله يعاود التفكير فيها مرات عديدة .إن وجود آل باتشينو في الفيلم يجعل العديد-وأنا منهم- بمقاربة الفيلم قياساً لأداء آل باتشينو فيه ’ لاسيما إذا كان الموضوع يتعلق بقضية حساسة كما يطرحها العمل وهي اليهودي المرابي الشرير, فواقعية آل باتشينو وهدوئه ساهما إلى حد كبير في تقديم رؤية المخرج للمسرحية "التي قام بإعادة كتابتها للسينما" .
فللإجابة على سؤال ما إذا كان شكسبير تعمد في خلق أيقونة شر يهودية بوصفها صور نمطية لمعاداة اليهو؛ يأتي الجواب من آل باتشينو سريعا وغير متوقعا "اسمع إنه رجلٌ {يقصد شيلوك} نُهبت منه ابنته. خُطفت! وهي عائلته الوحيدة. لقد تعرض للمضايقة والبصق. سيحصل على فرصته للانتقام، وفي تلك اللحظة سيتصرف بطيش. هذه هي الشخصية. إنها الشخصية التي أستطيع تأديتها." مثل هذا الموقف نراه مجسداً في مقطع من أجمل مشاهد الفيلم والذي يختزل تقريباً حبكته حين يُسأل شيلوك عن الفائدة التي سيتحصل عليها إذا تأخر أنطونيو عن سداد دَينه باقتطاع رطل من لحمه ؟ 
" سأصنع منه طعاماً للأسماك. إذا لم يغذ شيء آخر فإنه سيغذي انتقامي، لقد لطخني بالعار، حال دون ظفري بنصف مليون، سخر من مكاسبي وضحك من خسائري، احتقر قومي، أحبط صفقاتي، يوقع بيني وبين أصدقائي، يوغر صدور أعدائي ، و ما حجته في ذلك ؟ إنني يهودي !؟ أليس لليهودي عينان ؟ أليس لليهودي يدان ؟ ألا يملك نفس الجسد بنفس الأبعاد ؟ ألا يملك العاطفة والمحبة والوجدان والأحاسيس والمشاعر ؟ ألا يأكل من نفس الطعام ؟ وتؤذيه نفس الأسلحة ؟ ويمرض بنفس الأمراض ؟ ويشفى بنفس الوسائل ؟ ألا يشعر بالحر في الصيف وبالبرد في الشتاء، مثله مثل المسيحي؟ هل إذا وخزتمونا لا ننزف ؟ إذا دغدغتمونا لا نضحك ؟ إذا سممتمونا لا نموت ؟ هل إذا أخطأتم في حقنا لا يفترض منا أن ننتقم ؟ إن كُنا نشبهكم في كل هذا، فلماذا لا نعامل بالمثل في هذا الشأن. حين يخطأ اليهودي بحق المسيحي يعاقب بقسوة، وحين يخطأ المسيحي بحق اليهودي ما هي احتمالية أن ينال جزاءه وفقاً لقوانينكم ؟ سأطبق عليكم ما علمتموني إياه من نذالة وخسة، وسيكون الأمر قاسياً بل سأزيده قسوة وقوة ! "
وفي نص المسرحية الشكسبيرية الأصلي يقول شايلوك(ومن خلفه شكسبير لاشك) ببلاغة شديدة :
"أليس لليهودي عينان وأذنان؟
أليست له حواس ومشاعر وعواطف كبقية البشر؟
إذا ضربتنا ألا نبكي؟
إذا أضحكتنا ألا نضحك؟
إذا قمت بتسميمنا ألا نموت؟
وإذا أسأت إلينا.. أليس من حقنا أن ننتقم؟"
هل هي اللغة التي تجعلنا نتعاطف معه ؟, ثم ربما علينا أن نغبط أو نحسد"لافرق" أولئك الذي يتقنون الإنجليزية بطلاقة لحظة قراءتهم هذا المقطع .عندما كتب شكسبير تاجر البندقية لم يكن يعبث بكل تأكيد و لم يكن يتسلى ..فمم يعاني العقل الغربي إذن؟ نتساءل نحن قبل الغربيين .نحن من عانى كثيرا ومازلنا نعاني من حالات تمطط هذا العقل على حساب عقول أخرى.
إن ما قامت به بورشيا بوضع شيلوك أمام خيارين :مصادرة جميع ثروته ويبقى يهودياً أو مصادرة نصفها بشرط ان يعتنق المسيحية ليس سوى صورة رمزية واضحة للممارسة الاوروبية المسيحية ضد اليهود (بعد ظهور البروتستانتية) "اعتناق المسيحية او النفي ومصادرة الأموال(أليس هذا ما قامت به حديثاً المانيا النازية بما يعرف بمصطلع"الوضع النهائي" واتفاقية "هعرافا" التي ابرمت بحروفها الأولى بين الوكالة اليهودية و ألمانيا بتاريخ 25/8/1933 وتم بموجبها الاتفاق على تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين مقابل التنازل عن ممتلكاتهم فضلاً عن دور بقية الدول الأخرى مثل بريطانيا و فرنسا و التي ساهمت في دفع هجرة اليهود من بلادهم نحو فلسطين.
تاجر البندقية أحد المعضلات التي يعاني منها هذا العقل،إذ بعد أربعة قرون من ظهور تاجر البندقية ظهر هتلر الذي اختار حلا"شيلوكيا" لليهود في بلده من خلال إيديولوجية ساذجة و بائسة، مثل هذا الحل الشايلوكي الذي أراده رابين ذات أزمة حين تمنى أن ينام ليستيقظ وقد غرقت غزة في البحر .
العقل الأوروبي الذي تصوره المسرحية و الفيلم هو ذاته العقل الذي اختار "الحل الشكسبيري" بأن أخرج أحفاد شيلوك من أوروبا ودفعهم نحو غيتو أكبر في شرق المتوسط فكان حلاً عنصرياً أتلف كل من الجلاد و الصحية ..وهكذا تستمر الملهاة الشكسبيرية ،وها هم استحالوا سكيناً عظيمةً تقطع بأرطال اللحم الفلسطيني فينساح الدم في كل مكان .