ظاهرة الحقد في المجتمع العراقي (القسم الثاني)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2018 / 10 / 28

ظاهرة الحقد في المجتمع العراقي (القسم الثاني)
(ان كان فضح الطائفية هو طائفية .... فليشهد الثقلان انني اول طائفي)

الثاني : الحقد المؤدلج : وهو الحقد الذي يتبلور نتيجة دوافع معينة كان تكون سياسية وايديولوجية ودينية وطائفية وعنصرية يقف ورائها - على الاعم الاغلب - قوى ديكتاتورية او استبدادية سلطوية نافذة تعمل على صناعة مفاهيم من الكراهية والحقد بين الفئات الاجتماعية والقوى السياسية والحزبية , وتاجيجها وترسيخها لاهداف خاصة تتعلق بطبيعة الهيمنة والرغبة بالنفوذ والتدجين والترويض والتحكم بالمجتمعات , واخضاعها واخصائها واخافتها من الاخر المختلف بالثقافة والتوجة .وقد صور عالم النفس الروسي (فيكوتسكي) تكوين الظاهرة النفسية بالقول : (ان الظاهرة النفسية تتشكل نتيجة التفاعل الاجتماعي والتجارب الاجتماعية المكونة للثقافة , وبالتالي فان الثقافة - وبما تشمل عليه من رموز ودلالات ومصطلحات لغوية وقيم ومنتوجات انسانية - تشكل العناصر الاساسية للتفاعل الاجتماعي الذي يوجد في اصل الظاهرة النفسية) . وهذه يعني ان الظاهرة النفسية لم تتبلور من فراغ , وانما هى صناعة تتشكل من خلال التفاعل الاجتماعي الرمزي في المجتمع . ويمكن ذكر اهم انواع واسباب هذا الحقد وتجلياته وتمظهراته :
1 . الحقد الطائفي والاثني : وهو الحقد السائد في المجتمعات غير العضوية والتقليدية التي تتحكم بها قوى ماقبل الحداثة , والتي تقف وراء استنهاضها وترويجها وترسيخها السلطات الاقصائية والاستبدادية السياسية منها والدينية . وهذا الحقد وان كان له جذور اجتماعية وعفوية ظاهرة على مدى حركة التاريخ العربي والاسلامي , الا ان الحكومات والسلطات الاستبدادية النافذة والفاعلة عملت ليس على ترسيخه وتاجيجه فحسب , بل وديمومته وبعثه بين الحين والاخر , بل ان هذا الحقد والصراع الطائفي والاقصاء الاثني هو احدى مستلزمات المركزية السنية وسلاحها الفاعل ضد الاخر المختلف . كما ان لهذا الجانب من الحقد الطائفي والاثني غرض وظيفي وسياسي محدد هو تخوين وتكفير الاخر من المذاهب الاسلامية واقصائها والتحريض عليها من اجل تهميشها وتحصين الامة والمجتمع ضدها والتحذير منها باعتبارها تشكل خطرا على النظام السياسي في البلاد والقاعدة الاجتماعية التي تستند عليه .
وقد صور الجواهري ظاهرة الحقد الطائفي والاثني في المجتمع العراقي بقوله :
لاتنسى انك من اشلاء مجتمع يدين بالحقد والثارات والدجل
يستنصر اليوم من امس على غده على المذاهب والاديان والنحل
وبما اننا ننظر للمجتمع العراقي - بحسب الرؤية الغربية الموضوعية التي ترى المجتمعات النامية والبدائية - هى عبارة عن مكونات دينية ومذهبية واثنية متضادة لايجمعها رابط وطني او مدني او انساني , فان توجهات الحقد في المجتع العراقي بحسب المكونات تكون ضمن التوظيف او الترتيب الاتي :
- العرب : ويحقدون على الكورد وبالعكس.
- السنة : ويحقدون على الشيعة .
- الشيعة : ويحقدون على الشيعة انفسهم .
- العرب : ويحقدون على الكورد وبالعكس . وهو احد انواع الحقد السياسي والايديولوجي الذي تبلور على هامش الصراع القومي والاثني والاحتراب الاهلي الذي ساهمت القوى السياسية والاجتماعية النافذة باذكائه وترسيخه . فقد عملت السلطات القومية الحاكمة في العراق على تهميش الكورد واقصائهم عن الادارة والحكم في البلاد , تطور الامر لاحقا بعد سيطرة البعثيين على السلطة الى مدايات خطيرة من الابادة المنظمة والتصفية الجسدية الشاملة والتدمير والتهجير الى استخدام الاسلحة الكيمياوية في مدينة حلبجة عام 1987 وعمليات الانفال عام 1988 . وقد صاحب تلك الحملات العسكرية حملات اعلامية ودعائية ضد الكورد , تمثلت بتخوينهم وتشويه سمعتهم وتبخيس تاريخهم واظهارهم بمظهر الغادر والجبان والديوث والغبي , من خلال ترويج الاشاعات المغرضة والقصص الكاذبة والنكات المضحكة , وساهمت المخابرات العراقية والاجهزة الاعلامية البعثية بترويج ذلك - وخاصة في عهد نظام صدام حسين - وبما ان العراقي قد عرف عنه تاريخيا واجتماعيا ونفسيا خضوعه للاعلام القومي والبعثي الذي يتناغم كليا مع توجهاته اللاشعورية والعروبية والبدوية وتحقيق الافضلية القومية ضد الكورد , فقد تبنى اغلب العراقيين خطاب السلطة البعثية القائم على ترويج سايكولوجية الحقد ضدهم , وتبرير اقصائهم وتصفيتهم وابادتهم , والمفارقة ان الكثير ممن تبنى هذا النمط من الحقد والخطاب البعثي العنصري هم من العرب الشيعة , الذين سبق لهم ان كانوا اول ضحايا هذا الخطاب البعثي الطائفي , وهو مصداق القول بانسياق المغلوب نحو الغالب والاقتداء به التي ذكرها ابن خلدون , ولكن للامانة والتاريخ تم تبني هذه الاطروحات بعد السقوط عام 2003 بسبب الصراعات السياسية والابتزاز السياسي الكوردي والروحية الانفصالية وغيرها .
كما عمل السياسيين الكورد من جانبهم , وفي سبيل استثارة القضية الكوردية وابراز مظلومياتها ومشروعياتها , من ترويج تلك الممارسات البعثية وتعميمها على العرب وعدم اقتصارها على الصراع السياسي الذي تدور حوله , والعمل على انسيابها نحو الحقل الاجتماعي , ومن ثم الترويج لسياسة الحقد المضاد نحو العرب . وهكذا اصبح هناك نمطا من الحقد العربي ضد الكورد , ونسقا من الحقد الكوردي ضد العرب تمدد من الحقل السياسي الى المسار الاجتماعي , وخلق جوا من التوتر والشك والتخوين وحاجزا من القطيعة والانعزال , انتقل الى الجيل الجديد الذي تربى في احضان الخطاب الاعلامي القومي المتطرف من الجانبين . ولاحاجة الى القول ان السبب الاساس وراء زرع مظاهر الحقد والكراهية بين المكونات الاجتماعية الاثنية والمذهبية في العراق هى السلطات الاستبدادية المتعاقبة على مدى التاريخ , لان الكراهية والحقد هى في الاخير (صناعة) تقوم بها تلك السلطات لغايات معينة تتعلق بالتحريض على فئات اجتماعية معارضة , وتبرير تهميشها وتصفيتها وابادتها , او تقريب اخرى تكون مدللة واخافتها من الاخر المختلف بالثقافة والتوجه السياسي والقومي والمذهبي , او في الاحسن الاحوال تطرح نفسها الضابطة الاجتماعية المحايدة بين المكونات المتصارعة , والايحاء بانها من تكبح تلك الصراعات والاحقاد من الظهور الى العلن .
- السنة : ويحقدون على الشيعة . وهو احد تجليات الخطاب الايديولوجي للسلطة القومية البعثية الطائفية الحاكمة في العراق ضد الاغلبية الشيعية في البلاد . وهدفه الاساس هو تبرير تهميشهم واقصائهم - وحتى تصفيتهم وابادتهم - من خلال اليات التخوين والتكفير المذهبي والديني . ويرجع التطور التاريخي لهذا الحقد وجذوره الاولى الى عهد الخليفة الاموي الاول معاوية بن ابي سفيان الذي يعد المؤسس الاول في صياغة الارثذوكسية الاسلامية - حسب وصف محمد اركون - وبلورة سايكولوجية الحقد ضد الشيعة في العراق , ومن خلال اليات عدة اهمها :
الاولى : المكافحة الثقافية : وتجلت في التحريض على الشيعة بعامة واهل العراق بخاصة من خلال الية التكفير الديني والمذهبي والاستعانة بالفقهاء ووعاظ السلاطين ورواة الاحاديث الذي ادرجوا الاف الاحاديث المزورة عن الرسول محمد في ذم اهل العراق , وقد استمر الخلفاء الامويين والعباسيين والعثمانيين على نفس النسق السائد , بل وترسيخه وتاصيله وديمومته حتى وصل الحال ان اعتمدته حتى الدول القومية والمدنية الحديثة لما بعد الكولونيالية .
الثانية : المكافحة الامنية : وتجلت في الاعمال السلطوية التي تقوم بها الحكومات المتعاقبة ضد العراقيين واغلبيتهم الشيعية , واهمها التهجير والقتل والابادة والسبي والاعتقال وسياسة الافقار وغيرها . وكالعادة يعد الخليفة الاموي معاوية هو ايضا اول من مارس هذه السلوكيات الاقصائية عندما سلط على العراقيين الولاة والامراء المتجبرين امثال زياد بن ابيه وغيره . واستمرت هذه المكافحة الامنية طوال القرون اللاحقة وبمختلف الصور والانماط المتتالية .
وكما ذكرنا سابقا ان حالة القمع والاقصاء ضد العراقيين استمرت كنسق فاعل ونمط متتالي الى قيام الدولة الوطنية العلمانية الحديثة , والسبب ليس لان العقلية العثمانية والاعرابية هى نفسها قد استمرت بالحكم كبنى اصلية فاعلة شبيه بالانماط العليا التي ذكرها عالم النفس السويسري (يونغ) حول الصور الاصلية التي تنساب الى العصر الحديث فحسب, بل الرغبة بالهيمنة على مقدرات الدولة الاقتصادية والادارية والامنية والثقافية , والرغبة بالاستحواذ على المقدرات والامتيازات والمناصب من خلال استبعاد الاغلبية الشيعية من الادارة والحكم . وقد تمظهر الحقد السني ضد الشيعة في العراق عند ثلاث فئات اساسية وفاعلة في المجتمع وهى :
الفئة الاولى : العامة البسطاء من اهل السنة : الجماعة السنية في العراق – اذا تكلمنا بصراحة ودون نفاق او مجاملة – تمتلك طاقة هائلة من الحقد على الاغلبية الشيعية في العراق , وهذا الحقد لم ياتي من فراغ او جانب اخلاقي سلبي تمتلكه هذه الجماعة , وانما هو نتاج عمل طويل وجهد كبير قامت به الحكومات المتعاقبة عبر التاريخ , بالتعاون مع المؤسسة الدينية والتحالف مع وعاظ السلاطين وشيوخ الفتنة , انتج بالتالي هذه التوليفة العصابية من الحقد . اي ان هذه الطاقة تبلورت من خلال طريقين :
الاول : السلطات الطائفية الحاكمة في البلاد , ابتدا من العصر الاموي فالعباسي (وخاصة السلجوقي) فالعثماني وحتى الدولة القومية الحديثة التي تاسست عام 1921 . وقد صنعت هذه السلطات الطائفية والعنصرية الحاكمة الانسان السني دينيا ومذهبيا وثقافيا ونفسيا واجتماعيا (بل انها بعد انقلاب 1963 صنعت حتى الانسان او المثقف الشيعي المخصي الذي اصبح يحقد على مجتمعه وتاريخه وهويته ورموزه) , وجعلت الجماعة الشيعية في خانة الاستهداف والمكافحة الثقافية والسياسية والاقتصادية . والمفارقة ان الحقد السني في العراق على الاغلبية الشعية هو امضى واقوى من الحقد السلفي الوهابي السعودي ضد الشيعة بعامة , والسبب هو ان سنة العراق ورثوا جميع انماط وصور ومظاهر الاستهداف التي قامت بها السلطات الطائفية السابقة وقادتها المستبدين الديكتاتوريين , واصبحت نماذج عليا واصلية يمكن استثارتها باي وقت من خلال المتخيل الذي تراكم عبر التاريخ – كما صور طبيعة ذلك المفكر الراحل محمد اركون –
الثاني : رجال الدين والفقهاء والخطباء السنة الذين زرعوا في عقول اتباعهم سايكولوجية الحقد وايديولوجية الكراهية ضد الشيعة , من خلال اليات التكفير والتخوين والتحريض والتشويه والاستهداف الديني والسياسي والطائفي , والصاق كل موبقات التاريخ فيهم من الانحلال والاباحية الى الشعوبية والصفوية ووووغيرها .
الفئة الثانية : الدول والحكومات السنية : لاحاجة الى استعراض اسباب واليات وتمظهرات الحقد السني ضد الاغلبية الشيعية في العراق من قبل الدول والحكومات الطائفية المتعاقبة عبر التاريخ طوال مايقارب 1400 عام , لان هذا اصبح من البديهيات واليقينيات التي حصل عليها الاجماع الكامل عند الباحثيين والاكاديميين والمؤرخين المستقلين والموضوعيين , ولم يستثنى من ذلك الاجماع سوى اثنين وهم :
1 . الكتاب السنة الطائفيون والبعثيون والقوميون , وخاصة اولئك الذين ينشرون كتاباتهم في مركز دراسات الوحدة العربية الذي يراسه القومي الموصلي المعروف خير الدين حسيب , والسبب هو رغبتهم بالدفاع المستميت عن الحكام والقادة الطائفيين وتبرئة صفحتهم وتاريخهم وسلوكياتهم المشينة .
2 . الكتاب الشيعة المخصيون والمدجنون من قبل السلطات القومية السابقة قبل 2003 الذين يخشون ذكر الممارسات الطائفية والاقصائية للحكومات السابقة خشية الاتهام بالطائفية وانعدام الروح الوطنية . وهذا النمط يشكل اكثر من ثلاث ارباع عدد الكتاب والمثقفيين وتوجهاتهم الفكرية والسياسية في العراق , وخاصة المندرجين ضمن الايديولوجيات القومية والشيوعية والاسلامية التي شكلت جسرا للتسامي عن تلك الاشكالات الطائفية .
وياتي سبب ترويج الحقد والكراهية من قبل الحكومات الطائفية السنية ضد الاغلبية الشيعة هو لغرض وظيفي محدد , يتعلق بتحريض الجماعة السنية عليهم وتبرير اقصائهم وخلق مبررات الابادة والتصفية ضدهم , او بلورة الاجواء النفسية الممهدة لقتلهم وتهجيرهم وقمعهم , كما حصل ابان الحكومات الطائفية – القومية السابقة قبل 2003 او الممارسات والسلوكيات الاجرامية والاستعانة بالارهاب وداعش والقاعدة بعد 2003 . او قد يكون الهدف تعزيز التمركز السني مع الحكومات الطائفية والتحصن معها بدعوى مواجهة الخطر الشيعي , كما حصل ابان الانتفاضة الشعبانية عام 1991 او تحريضهم على الحرب الاهلية والفتنة الطائفية , كما اعترف ذلك صراحة الارهابي الاردني في العراق ابو مصعب الزرقاوي (1966-2006) (امير جماعة التوحيد والجهاد) في رسالته الشهيرة الى زعيم تنظيم القاعدة الارهابي اسامة بن لادن (1957-2011) عام 2004 .
كما ان توجيه الحقد والكراهية نحو الشيعة من قبل السلطات السنية الطائفية الحاكمة جانب من السلوك النفسي الذكي ينم على دراية وخبرة من قبل طغاة العصر الحديث , تشكلت من خلال الاستعانة بالخبراء والمختصين في علم الاجتماع والنفس لتدجين شعوبهم واتباعهم وترويضهم بالصورة او الشكل الذي يريدون , فقد افترض عالم النفس المعروف (فرويد) ان للكراهية والحقد طاقة هائلة في نفوسنا , وان هذه الطاقة لابد من تفريغها خارج الذات او خارج الجماعة من اجل حفظ الذات وحفظ الجماعة , والحل هو اختراع اعداء اخرين مفترضين تلقى عليهم تبعات هذه الطاقة (اخرين يتلقون الضربات) حسب وصف الكاتب البحريني نادر كاظم في كتابه (كراهيات منفلتة) , وهذا الامر هو ما قامت به الحكومات الطائفية القومية في العراق قبل 2003 , تفريغ طاقة الكراهية والحقد على الشيعة (وطبعا على باقي المكونات الاخرى ايضا كاليهود والمسيحيين والفيلية والكورد) , لان انعدام تفريغ تلك الطاقة سيجعها ترتد على اهل السنة انفسهم , الامر الذي سيخلخل قاعدة السلطة الاجتماعية والمذهبية والسياسية وركيزتها الاساسية , ناهيك عن المخاوف من ارتدادها على السلطة نفسها بعد طغيان الافكار المساواتية والليبرالية الحديثة على المجتمع . وقد بين هذا الامر (فرويد) نفسه ايضا عندما اكد ان الكراهية والعدوانية هى وسيلة لتعزيز التلاحم داخل الجماعة والامة , وان انعدام الكراهية سيجعلها ترتد على الذات لتصبح هى هدف الكراهية والحقد (كراهية الذات) . ولاندري هل ان السلطات الحاكمة القومية والطائفية في العراق قد عرفت ذلك من خلال الخبراء الذين استعانت بهم في ترسيخ سطوتها وهيمنتها على مقدرات الدولة , ام من خلال الغريزة والاستعانة بالتاريخ الاسلامي الذي سار على هذا السياق , ام من خلال رؤية التجارب السابقة التي اعتمدتها الحكومات الشمولية كالشيوعية والنازية والفاشية في اوربا واعتمادها اسلوب تفريغ الكراهية والحقد من خلال صناعة الاعداء المفترضين واعتماد المكافحة الثقافية ضدهم .
الفئة الثالثة : المثقفين والسياسيين والفقهاء السنة : كان للمثقفين والسياسيين والفقهاء السنة في العراق دورا كبيرا في الترويج لسايكولوجية الحقد ضد الشيعة او ترسيخها عند العامة , من خلال اليات التحريض والايحاء والتخوين والتكفير . واذا كان الفقهاء والسياسيين يستخدمون الخطاب المباشر والكلام الصريح في النيل من الاغلبية الشيعية , فان الانتلجنسيا السنية يستخدمون - على الاعم الاغلب - الايحاء والرموز والشفرات والتمويه تحرجا من الانتقاد واللوم من دخول هذا المعترك الطائفي البغيض . والمفارقة ان الفقهاء والسياسيين السنة قد تكون لهم مبرراتهم السلطوية والدينية والطائفية في الهجوم على الشيعة في البلاد , الا ان النخبة المثقفة - وبدخولها هذا المستنقع الاسن - تكون قد جعلت نفسها في موضع التساؤل والشك والاستغراب , على اعتبار ان مجالها هو التنوير والحداثة والتسامي عن المنظورات الطائفية والبنى التقليدية وليس الاستغراق بالتصورات الماضوية والصراعات البدائية .
ان اتهام السنة بالحقد على الشيعة في العراق قد يفسرالامر بان فيه نوعا من الطائفية والمبالغة والتشويه للجماعة السنية في البلاد . في الواقع ان هذا الاعتراض يتخذ مسارين :
الاول : ان هذا الراي او الاتهام ليس فيه اساءة للجماعة السنية في العراق والسبب هو : ان مفاهيم الحقد والكراهية لاتندرج ضمن الافق العقلاني والاختيار الموضوعي , وانما تندرج ضمن الحيز اللاشعوري , اي ان عامة السنة ليس لديهم اختيار او قرار مسبق بالحقد على الشيعة , وانما هو نمط فرضته عليهم السلطات الطائفية الحاكمة عبر التاريخ والمؤسسة الدينية التابعة لها عبر اليات اعلامية وتربوية معينة , وان الفرد السني يولد بريئا وناصعا مثل الصفحة البيضاء - حاله حال جميع الاطفال بالعالم - الا ان تلك السلطات تملي افكارها الطائفية واحقادها عليه من خلال الايحاء والشفرات والرموز والخطابات , والانسان هو في الاخير ابن بيئته ومجتمعه ونتاج السلطة المباشر التي تصهره في البوتقة التي تريد .(ويمكن مراجعة اراء ميشيل فوكو بهذا الصدد حول دور السلطة في صناعة الانسان)
الثاني : ان هذا الراي يحوي اساءة مباشرة للسنة وخاصة فئة المثقفين العصريين المعروفين بالانتلجنسيا , لانهم لم يبادروا الى صياغة جهد ثقافي ومعرفي تنويري حقيقي ورصين يعمل على ازالة مظاهر تلك الكراهيات والاحقاد وتفكيك منابعها السلطوية وتعريتها وفضحها وانتقادها , بل العكس فقد عملت على ترسيخها وتاصيلها وترويجها من خلال مسارين :
1 . نفي وجود هذه الخاصية عند اهل السنة في العراق , بل والقاء هذه التهمة والخاصية على الشيعة واعتبارهم هم الحاقدين على السنة . ولاحاجة الى القول ان هذا الخطاب هو ماتردده السلطات الحاكمة باستمرار , من اجل تبرير اقصاء الشيعة وقمعهم وتاصيل التمركز السني مع السلطات الحاكمة والتحصن معها , والايحاء بانهم مستهدفين من الشيعة , وان الابادة والتصفية ستكون مصيرهم اذا سنحت الفرصة وتغير نظام الحكم السني الطائفي . وكالعادة خضع اغلبية المثقفين والكتاب السنة لهذا الخطاب والترويج له , والقول بمظلومية الجماعة السنية في العراق على ايدي الشيعة بعد 2003 , كما نجد هذا ظاهرا في كتابات الدكتور الموصلي سيار الجميل الطائفية , حيث انه يردد - وباستمرار - مفردة الحقد والانتقام والتشفي , وطبعا يقصد بها الحقد الشيعي المفترض والوهمي ضد السنة , وليس العكس , من خلال الاستعانة باحداث انتقائية وصور كاذبة وغير صحيحة من التاريخ والبناء عليها , ومن ثم ابراز الجلاد بمظهر الضحية . وبالطبع ان الدكتور الجميل ورغم انه مؤرخ وباحث معروف بالتاريخ الحديث والمعاصر , الا انه - وكعادة اصحاب الايديولوجيات الطائفية والعنصرية - يقفز على الواقع والتاريخ الطويل من الاستهداف والتخوين والتكفير والارهاب والابادة والتصفية والاستبداد والتشويه والتخوين والتهجير والاغتصاب والسبي الذي قام به السنة ضد الشيعة , والايحاء بان الامر هو العكس من ذلك تماما , مستغلا العطالة والجبن والنفاق الذي يتميز به اغلبية المثقفين الشيعة , وعدم الرد عليه , او ربما حتى تاييده نفاقا وتملقا وخاصة على صفحته بالفيس بوك . كما ان التفسير النفسي لهذا العمل الذي يسمى الإسقاط Projection - وهو الآلية المميزة للعقل الطائفي السني عموماً وللعقل الطائفي السني في العراق على وجه الخصوص – تؤكد على ان الفرد والجماعة المتهمة بحيازة السلبيات والسلوكيات الغرائبية وغير السوية من قبيل الاحقاد والعصاب تقوم باسقاط ما تعانيه من سلوكيات واتهامات أو عقد نفسية واجتماعية على الآخرين من اجل تبرئة نفسها واظهارها بمظهر السوي والمعتدل والسليم .
2 . التماهي مع الخطاب السلطوي الطائفي (السياسي والديني) والترويج لخطاب الكراهية والحقد الاقصائي ضد الشيعة من خلال الاستعانة بمفردات وتصورات تاريخية من قبيل الشعوبية والصفوية وغيرها , والتحصن مع السلطات الطائفية والدفاع عنها , او تبريرها اعمالها القمعية والاجرامية وتبييض صفحتها السوداء , كما وجدنا في حالة الديكتاتور المعروف صدام حسين الذي تحصن معه اغلبية اهل السنة - ولاسيما المثقفين والمتعلمين منهم – نكاية وحقدا واستفزازا بالشيعة والكورد . والمفارقة ان اغلبية الشيعة لم يحتسبوا صدام حسين على السنة , واكدوا انه لايمثل السنة من قريب او بعيد , الا ان اهل السنة – وللاسف - اصروا من خلال خطابهم واراءهم ان صدام حسين يمثلهم . وكذا الامر بعد العمليات الارهابية بعد 2003 حيث اصر الشيعة ان الارهابيين العرب والاجانب - وحتى العراقيين منهم - لايمثلون السنة - رغم انه منتشر فقط في مناطقهم ومحافظاتهم - ولايضرب او يستهدف الا الشيعة - الا ان السنة ايضا - ومن خلال اعمالهم وخطابهم واراءهم - تجد انهم يدافعون عن الارهاب ويبررون اعماله المخزية والاجرامية بدعوى المقاومة حينا والمظلومية والاستفزاز الحكومي ضد السنة حينا اخر .
ويمكن تقسيم هؤلاء الكتاب الطائفيون الذين نشروا مؤلفاتهم واراءهم خلال القرن العشرين الى قسمين :
الاول : الطائفيون الصريحون : وهم الذين اعلنوا تصوراتهم الطائفية بصراحة وغباء منقطع النظير دون مجاملة او تقية او نفاق , والاستعانة بالمصطلحات التقليدية والبالية القديمة التي تبلورت هلى هامش الانحطاط الاسلامي والعربي . كما نجد هذا ظاهرا في كتابات ومؤلفات محمود شكري الالوسي وخير الله طلفاح ومعروف الرصافي وعبد الرزاق الحصان العاني وجلال الوزير وجاسم الرصيف وسعدي يوسف ومحمود الملاح وعبد الله الغريب وحميد سعيد وحارث الضاري وفاضل البراك وسميرة الليثي ومازن عبد المجيد السامرائي وعلي الكاش وسليم السامرائي وزهير النعيمي وعبد العزيز صالح المحمود واياد محمود حسين ومحمود النقيب (ابن عبد الرحمن الكيلاني النقيب) وسليم طه التكريتي وطه الدليمي وسعد السامرائي ومنير العلي وعدنان الدليمي وهارون محمد وغيرهم .
الثاني : الطائفيون الاذكياء : وهم الذين ادرجوا اراءهم وتصوراتهم الطائفية بذكاء وايحاء ودون ضجيج , وتحت ستار من التقية والنفاق والثقافة , والاستعانة بالخطاب الوحودوي الوطني والقومي , والادعاء بفصل ايران عن الشيعة والتمييز بين التشيع الايراني والعراقي , وغيرها من الممارسات والكتابات الذكية التي تنطلي على الكثير من المثقفين الشيعة المخصيين والاغبياء . كما نجد هذا واضحا في كتابات ومؤلفات عبد العزيز الدوري وعبد الله سلوم السامرائي وساطع الحصري وسيار الجميل (تحول مؤخرا من الليبرالية الى الطائفية) وطالب عبد العزيز وخير الدين حسيب وفاروق عمر وطالب مشتاق ومحمد بهجت الاثري وعباس العزاوي وعبد الرحمن البزاز وكامل الجادرجي ويونس السامرائي و ناجي معروف وسعد البزاز ونوري حمودي القيسي وخالد الجنابي وعبد الحميد العلوجي وعبد الرحمن عبد الكريم العاني وماجد السامرائي (الكاتب وليس الاعلامي) وعامر العظم وعرفان عبد الحميد وغيرهم .
لقد ادرج هولاء الكتاب في مؤلفاتهم الكثير من الاكاذيب والبهتان والافتراء بقصد الترويج لسايكولوجية الحقد عند اهل السنة ضد الشيعة والتحريض عليهم وتبرير اقصائهم وابادتهم . ولانستطيع ذكر جميع تلك الاراء الخاصة باولئك الكتاب , ولكن يمكن استعراض اهمها :
1 . ماذكره ابو المعالي محمود شكري الالوسي في كتابه (السيوف المشرقة)(مخطوط) الذي يعد صاحب اقوى نص في الطعن والحقد والغل ضد الشيعة , حيث عبر فيه عن حزنه وغضبه وحقده الدفين على تشيع القبائل البدوية في جنوب العراق في القرون الثلاث الاخيرة بقوله (لقد اصبح اليوم اعراق قطر العراق مملوءة من سم اذنابهم , فلاينجع فيه ترياق ولاالف راق , فقد ارتد غالب القبائل والعربان على اعقابهم , ورجعوا على ادبارهم , فرفضوا شعائر الاسلام واهملوا سائر الاحكام , واتخذوا بغض ائمة الدين عبادة) . والمفارقة ان عامر حسن فياض في كتابه (جذور الفكر الديمقراطي في العراقي الحديث 1914-1939) وفاطمة المحسن في كتابها (تمثلات النهضة في ثقافة العراق الحديث) اعتبروا الالوسي رائدا مهما من رواد النهضة العراقية رغم مؤلفاته الطائفية البغيضة , فيما تجاوزوا الرائد الحقيقي وهو الشيخ علي الشرقي ولم يذكروه في فصل مستقل , ولاندري الى اي مدى تصل التقية السياسية والفكرية عند الكتاب العراقيين ؟
2 . ماذكره عبد الرزاق الحصان العاني (1885-1964) في كتابه المطبوع عام 1933 (العروبة في الميزان , العروبة في الاسلام نظرة في تاريخ العراق السياسي) بان التشيع يرجع الى الديانات والحركات المزدكية والسبئية والمانوية (وان جنود بني ساسان على وضعها وان ادعت شيعة علي او الشيعة العلوية ..... وهل يوجد فرق بين السبئية والماسونية ايها العرب ان الثانية بنت الاولى) . وقال ايضا (ان الشيعة شعوبيون بالاجماع , فرس بالاجماع , وهم من بقايا الساسانيين في العراق , ولاحق لهم في في السلطة او في تمثيل السلطة) . كما حرض الحصان الحكومة على استخدام سياسة فاشستية ضد الشيعة بقوله (ان العراق بحاجة الى رجل كموسوليني .... ولكن من للعراق بموسوليني ليقضي على هذه الفكرة الهدامة وينتشل قومه العرب من هذه الهاوية المميتة ليعيد مجدهم الغابر وعزهم الماضي) .
3 . ماذكره نقيب الاشراف السنة عبد الرحمن الكيلاني اول رئيس وزراء عراقي تحت الانتداب البريطاني (1920-1932) للمس بيل ابان زياراتها المتتالية له حول الشيعة (ان ابرز صفة تميزهم هى الخفة فهم انفسهم قتلوا الحسين الذين يعبدونه الان كما يعبدون الله , فالتقلب والوثنية تجتمعان فيهم فاياك ان تعتمدي عليهم) وقال لها ايضا (ان الذين عارضوا الانكليز هم رجال لاسمعة لهم ولاشرف) في اشارة واضحة الى الشيعة وثورة العشرين .
4 . ماذكره الشاعر المعروف الرصافي في كتابه المخطوط انذاك (الرسالة العراقية في السياسية والدين والاجتماع) الذي كتبه عام 1940 في مدينة الفلوجة وطبع من قبل منشورات الجمل عام 2007 حيث ادرج فيه جميع عقده النفسية واحقاده على العراقيين بعامة والشيعة بخاصة , والتي ربما تبلورة – بحسب راي الملك فيصل الاول – بسبب شذوذه الجنسي (السلبي) وسكنه الدائم مع البغايا والقوادات في بغداد . فقد وصف الرصافي اهل العراق بانهم ممسوخون في السجايا والاخلاق . اذا نظرت في سوادهم قلت متعجبا : ماهذه الاوباش ؟ واذا نظرت في اخلاقهم قلت متحيرا : ماهذه الاحناش ؟ واما حول الشيعة فقد ادرج في كتابه هذا جميع انثيالاته النفسية اللاشعورية وعقده الاجتماعية والاصولية , وبالطبع لانستطيع ذكر جميع تلك الاراء التي ادرجها في ذلك الكتاب , الا انها في المجمل تحوي اتهامات تقليدية بالاصول اليهودية والسبئية والفارسية للتشيع . فقد عزى الاصل الشيعي للسجود على التربة الكربلائية الى اصل يهودي يتعلق بحمل اليهود شيئا من ترابهم ليعبدوا عليه (يهوا) عند خروجهم من الارض المقدسة . وايد الرصافي ايضا قول احد المستشرقين بان (مؤسس مذهب التشيع في الاسلام هو عبد الله بن سبا اليهودي الذي اسلم كيدا للاسلام) , الا انه استدرك ايضا ان الدور الاكبر لفارس وليس لليهود - كعادة القوميين والطائفيين العراقيين - بقوله (ان في العراق داء عضالا ناشبا في قلبه نشوب مخالب البازي في اخيذته , وهو داء قديم قد نفثته افواه بني فارس على العروبة , في اليوم الذي وقفت فيه بنات يزدجرد امام عمر بن الخطاب .... الخ) وهو بهذا يقصد ان الشيعة هم بقايا الفرس في العراق الذين مازالوا يحملون الحقد على الخليفة ابن الخطاب بسبب الفتح العربي الاسلامي لبلاد فارس !!.
5 . ماذكره الرئيس العراقي عبد السلام عارف (1963-1966) عن الشيعة في كلماته وخطبه الصريحة والضمنية من قبيل الشعوبية والروافض وغيرها , الا ان اقوى تجليات الحقد عنده ماذكره عام 1964 عندما قيل له ان الجيش العراقي خسر ارواحا كثيرة في معركة (قلعة دزة) الشهيرة مع الكورد في الشمال فقال (مو مهم اذا كاكه حمة قتل عبد الزهرة وبالعكس) , اي بان الضحايا هم ليسوا بذات قيمة مادام القاتل والمقتول هم من الشيعة والكورد , وكلاهما ينظر اليهم الرئيس عارف بطائفية وعنصرية . وهو من اغرب السلوكيات والتصريحات العجيبة في التاريخ ان ينظر رئيس الجمهورية لابناء بلده بهذا النظرة الدونية والانتقائية والاستعلائية .
6 . ماذكره الحاج خير الله طلفاح (1910-1993) (خال الرئيس صدام حسين) ومعلمه الاول في السياسة الطائفية والعنصرية عام 1981 في كراسه (ثلاثة كان على الله ان لايخلقهم : الفرس , اليهود والذباب) . وطبعا المقصود هنا بالفرس هم الشيعة , ولكن التقية والنفاق والخشية من الاعلان الصريح عن الطائفية على الملا يجعل اولئك الطائفيين يذكرون ايران والفرس مجازا كدلالة على الشيعة , وهذه الحقيقة ظاهرة وبارزة مثل الشمس في النهار , ولاتحتاج الى عقل ديالكتيكي او فوكوي لفهمها , ولكن الطائفيين من السنة والمخصيين من الشيعة يحاولون التدليس عليها وانكارها ونفيها ومن ثم التمييز بين الاثنين . بل حتى لو افترضنا ان المقصود بالفرس هم الايرانيين حقيقة , فان خير الله طلفاح وصف الشيعة بمرتبة , ربما اسوء من الذباب عندما وضعهم في خانة الكلاب بعد اطلاق عبارته الشهيرة ابان الحرب العراقية الايرانية (1980-1988) (هدوا جلابهم عليهم) اي اجعلوا الجنود الشيعة هم من يحارب ايران الشيعية وليس السنة والكورد , وفعلا حصل التطبيق العملي لذالك عندما جعلوا اغلبية ضحايا الحرب من الجنود والنواب الضباط والعرفاء من الشيعة .
7 . ماذكره الرئيس صدام حسين في مقالاته الستة الشهيرة عام 1991 التي خرجت بعنوان (ماذا حصل في اواخر عام 1990 ـ وهذه الاشهر من عام 1991 ـ ولماذا حصل الذي حصل) التي هاجم فيها الاغلبية العربية الشيعية في العراق ، وباقسى العبارات المباشرة ، وبالاسم الصريح ، واعتبرهم اشرارا ومنحطين بالسليقة ، وليسوا عراقيين او عرب ، وانما من سلالة العبيد الوافدين من الهند . ويطيعون ديانة وضيعة لا تحوي اي مبدا اخلاقي , وغيرها من العبارات الطائفية والعنصرية المنحطة .
كانت سلسلة مقالات الثورة مرتبكة وغير منطقية ، فهي قد عكست الانقسام البنيوي بين الدولة والمجتمع في العراق . وابرزت الموقف الرسمي والحقيقي للحكومة العراقية انذاك وحزب البعث الحاكم من المكونات الاجتماعية والسياسية في البلاد ، بخاصة تلك التي ساهمت في انتفاضة اذار 1991 والثورة ضد النظام الديكتاتوري . وكان التمهيد الاجتماعي للمقالات الاربعة الاولى يهدف الى ربط ما حدث بواقعة وجود غالبية شيعية تقدم الولاء المذهبي على الوطنية , محاولا التمييز بين فئات المجتمع ومكوناته , معتمدا اسلوب المراوغة والتدليس والكذب الصريح في عرض الاراء . وقد عبرت هذه المقالات عن المشاعر الحقودة والمكبوتة ، والذكريات اللاشعورية والسلوكيات العصابية لرئيس الجمهورية صدام حسين حول المكونات الاجتماعية في العراق واهمها الشيعة والكورد . وشكلت تداعيا حرا لمظاهر العصاب واللاوعي عنده ، ويبدو ان الرئيس كان يفكر بصوت عال جدا ، اعلى من المتوقع . واطلق العنان لمكنونات نفسه اللامرئية ، ومشاعره الحقيقية . كما اثارت هذه المقالات ضجة في المجتمع العراقي ، وافرزت جدلا محتدما في الاوساط الثقافية والاعلامية ، واصبحت حديث المجالس ، ومادة للانتقاد والتساؤل حول الطبيعة الايديولوجية للنظام السياسي البعثي الحاكم في العراق , الذي يرفع الشعارات القومية والعلمانية والوطنية , فيما هو يرتكس نحو مستنقع الطائفية والمناطقية والعنصرية .(ومن يرغب بالاطلاع على تلك المقالات وكاتبها فليراجع مقالتي في موقع الحوار المتمدن – من كتب مقالات جريدة الثورة عام 1991 ؟)
في ختام هذا القسم لابد ان نذكر هذا الاشكال الذي قد يثار على هذا الموضوع وهو : ان البعض سيقول انك اعتمدت القراءة الاسقاطية للاحداث , اي اسقطت الاحتراب والتشظي والانقسام والصراع المذهبي والاثني الذي حصل بعد 2003 على التاريخ الاجتماعي العراقي , وماتذكره عن ظاهرة الحقد والكراهية لم يكن متواجدا في الاربعينات والخمسينات مثلا . في الواقع ان هذا الاشكال فيه جانب كبير من الصحة اذا قصدنا الحقد العلني السائد الان , ولكن هناك مايطلق عليه في علم النفس (الحقد الدفين) او المكبوت ضمن اللاشعور الذي يخرج للعلن عند توفر الظروف والبيئة الملائمة . فالسنة قبل الحقبة الصدامية الديكتاتورية التي بدات عام 1979 وقبل المرحلة الارهابية التي بدات عام 2003 كانوا يعيشون هاجس التداول السري للكراهيات – حسب وصف نادر كاظم - والحقد الدفين المضمر ضد الشيعة , ولم يظهر للعلن - وبصورة ظاهرة - الا بعد هذين التاريخين او المرحلتين . واذا ضربنا مثلا الموظفون السنة الذين كانوا يعينون عادة في المحافظات الشيعية والجنوبية قبل 2003 (المحافظون وقائمي المقامون ومدراء النواحي وضباط الامن والشرطة والمخابرات والجيش والقضاة وغيرهم) كانوا ياتون الينا وهم معبئين بتراكمات لاحصر لها من الحقد والكراهية والتوجس , وكانهم لم يكونوا وافدين الى مجتمع او محافظات تابعة للسيادة العراقية , بل الى بلد محتل او معادي , حيث النظرات المريبة والشك والتجاوز والظلم والانتهاك والاستئثار في السلوكيات الوظيفية واليومية . وحتى بعد عودتهم الى مناطقهم تجد اغلب هؤلاء الموظفون لاينقلون الى اهلهم واصدقائهم – او حتى في كتابة مذكراتهم - الا السلوكيات السيئة والتصرفات السلبية لابناء هذه المحافظات , والتي لايخلوا منها قطعا اي مجتمع في العالم , وخاصة في قضية الشرف والاعراض وغيرها , حيث الاتهامات الرائجة والحاقدة بالاباحية والانحلال , وتعميم الحالات المفردة والشاذة على المجتمع , وهذا ماتجده عند الشاعر خيري الهنداوي (1885-1957) الذي ذكر للشاعر الرصافي قسما من تلك السلبيات ابان تعينه قائم مقام قضاء (علي الغربي) في العمارة ومذكرات السياسي عبد العزيز القصاب (1882-1965) وغيرهم .
(يتبع القسم الثالث والاخير حول ظاهرة الحقد الشيعي على الشيعي)