روسيا البوتقة:بين مطرقة روما الخالدة وسندان قرطاج الآثمة

محمود الصباغ
2018 / 10 / 28

بعكس الحكمة التي يطرحها جوزيف ياكوب *بأن (الحركات الأقلوية تتكاثر في كل مكان بطريقة معبرة , فتترنح الأسس القومية للدولة و تتفكك الدول الاتحادية) ,نجد روسيا تسير في طريق الإمبراطورية.ربما يكون ماسبق صحيحا في سياق انهيار الاتحاد السوفياتي و ما تلاه من نزاعات الدول "الصغيرة" مابعد الكولونيالية.ولكن هل فعلا روسيا ستتفكك إلى ما بعد دول قومية أقلوية؟.
يقولون في روسيا "ليس الخطر في عدم قتل الدب.بل في إدراك أن قتله ليس سهلا". فما بالك لو أصبت هذا الدب و لم تقتله؟. من زار موسكو (سواء الآن أم في الحقبة السوفيتية) لابد له أن يندهش من التشدد في المواقف التي يتخذها الروسي بطريقة لا تعرف المهادنة , فضلاً عن تلاقح غريب عجيب لنظريات المؤامرة و التناقض بين فوبيا الغرب والعداء له مع القناعة التامة لدى المعظم بأنه ينبغي إعطاء روسيا مدخلا لفرض مقايضة تاريخية مع الغرب. وكثيراً ما يُسمع من الروس إن حياة الانسان لم تكن لها قيمة تُذكر في الفترة السوفيتية، وأن البلد لم ينتصر على النازية إلا لأن ستالين أدخل في روع السكان بأن النصر يستحق كل التضحيات مهما كانت جسيمة, ونتيجة ذلك كانت عروض النصر العسكرية في الساحة الحمراء ,على الرغم من جمالها و انضباطها, ليست سوى تعبير عن ذلك الخوف من "فقدان القوة" ....راجت مثل هذه اللامبالاة كثيراً في الحقبة الغورباتشيفية و عكست نفسها في النكتة الشهيرة آنذاك حين يسأل صحفي غربي عاملاً عن رأيه في"مظاهرات"عيد العمال الضخمة فيقول"يتظاهرون بأنهم يدفعون لنا ونتظاهر نحن بأننا نعمل"
بحثت روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عن استراتيجيّة كبرى جديدة، عن شيءٌ جديد-قديم لتعريف و تحديد من هم الروس؟ و إلى أين هم ماضون ؟ وماهي العقيدة الجديدة الواجب تبنيها و التي تحتاجها روسيا لتعزيز مكانتها في العالم والبروز كمركز رئيسي للتأثير في العالم الحديث ,وهي الفكرة التي تشغل بال الاستراتيجيين الروسيين المؤمنين بأنه لن يتم حل أي قضية سياسية "كبرى" في العالم دون الأخذ بمصالح موسكو ومشاركتها المباشرة, ولتحقيق هذا ينبغي لروسيا أن تكون امبراطورية .هكذا دفعة واحدة وليس "دولة جهوية" أو نموذجا مطورا عن كيان سيادي ثقافي و إثني أو دولة-أمة ,تستمد شرعيتها السياسية من تمثيلها القومي لأمة ما مستقلة , فمثل هذا -على حد زعم دعاة الإمبراطورية تلك-سيصيب روسيا بأضرار لا يمكن إصلاحها في سعيها للتوجه الإمبراطوري القومي المتعمق وسيقود الروس إلى متاهة التناقضات الجيوسياسية والاجتماعية التي لا حل لها، وهذا بدوره سيجعل البناء الإمبراطوري المنطقي، العقلاني أمراً مستحيلاً. فروسيا لن تكون مستقبلا مجرد دولة كبيرة بل عليها أن تكون شيئا مختلفا , من قبيل حلف استراتيجي جيوسياسي يتجاوز المعاملات الخاصة بالدولة الاعتيادية، إنها ما فوق الدولة. وهذا لا يتحقق بثورة اجتماعية كما حصل قبل قرن , بل بثورة "جيوسياسية"** تخلق دولة لا مادية، لا إلحادية، ذات اقتصاد لا مركزي شريكا استراتيجيا في الاقتصاد الموجه وامتداد غير قابل للجدل على الأرض القارية المجاورة و الحدود البحرية , وتتميز هذه الصيغ التحالفية ببنية مرنة تأخذ في الحسبان الخصائص المحلية العرقية، الدينية، الثقافية، الأخلاقية بالنسبة لكل منطقة وأن تضفي الصفة القانونية على هذه العناصر,إذ لا معنى لوجود الشعب الروسي كجماعة تاريخية عضوية دون إبداع قاري يقوم على البناء الامبراطوري. ولن يغدو الروس شعباً إلا في إطار الامبراطورية الجديدة التي عليها -وفق المنطق الجيوسياسي- أن تتفوق من الناحية الاستراتيجية والفضاء المكاني على الحالة السابقة (أي الاتحاد السوفييتي) وعلى هذا فالأمبراطورية الجديدة ينبغي لها أن تكون قارية و عالمية.فمعركة الروس من أجل السيادة على العالم لم تنته بعد وهي تعتمد على قدرتهم على التحمل وهذا لا يدخل في حسابات مثل الحق و الباطل و الفضيلة وعلاقات الاضطهاد ,لأن الأهم هو ما سيحدث و ليس ما هو حاصل. وهناك في روسيا من يرى أن عدو بوتين الحالي هي النخب السياسية المحابية للغرب و لأمريكا تحديداً كما يوضح ذلك القومي المتشدد ألكسندر دوغين في كتابه "بوتين ضد بوتين". (2014) الذي يرى أن عدو روسيا الآني هو” الولايات المتحدة ” التي يراها مجرد " ثقافة متخيلّة غير اصيلة منقطعة الجذور عن مداها المكاني في أرضها الحالية [ فهي نقلت من أرضها لتزرع في أرض أخرى ] و ليس لدولتها حالة من القداسة [ ربما يقصد تبجيل السكان لدولتهم ] أو التقاليد أو التربة الثقافيّة ، و لكن و مع كل ذلك تحاول أن تفرض بالقوة نموذجها العنيف و الفوضوي و المعادي للتقاليد و الأعراق بالقوة على القارات الأخرى ". مثل هذا التصور يجعل روسيا اليوم تتعبد في شرنقتها الذاتية و تنحشر في نمطين من التفكير الجيوسياسي , روسيا الأوروبية؟ وروسيا الآسيوية؟ أو في أحسن الحالات في منزلة بين المنزلتين (أوراسية).فالسؤال الذي يستوقف غلاة القومية هناك ,هل روسيا دولة عظمى لأنها هي كذلك؟ أم لأن الغرب عموما و الولايات المتحدة خصوصا سمح لها وظيفيا أن تكون عظمى بهذا القدر أو ذاك لحين انتهاء الدورالمنوط بها ؟يرى ألكسندر دوغين** والذي عارض انهيار البنيّة السوفيتيّة وآمن-كما بوتين اليوم- بأنّ انهيار الاتحاد السوفيتي كان أعظم و أخطر الكوارث الجيوسياسية خلال القرن ويجنح بخياله إلى ما يصل إلى نوع من الشطط الرومنسي حين يصف الصراع الجيوسياسي الحالي بأنه صراع بين قوتين عالميتين : قوى "الأرض القارية" و يسميها "روما الخالدة" - و التي تستند إلى مبادئ الاستقلاليّة و التكافليّة بين الجماعات المحليّة و المثاليّة و منح الأولويّة القصوى للصالح العام .و بين قوى "حضارة البحر" أو"قرطاج الآثمة" - المستندة إلى النزعة الفردية و التجارة و النزعة الماديّة في استحضار غريب و منافٍ لأي منطق لتعبير "حضارة البحر" و هو ما يمكن أن يفهم منه أيضا "شعوب البحر" بما يحمله من خلفيات تاريخية و ثقافية عن الهمجية و التدمير الحضاري ,ويرى دوغين أن "قرطاج السرمدية" تجسدت تاريخيّاً في الديمقراطيّة الأثينيّة و الإمبراطوريتين الألمانيّة و البريطانيّة ، و اليوم يعاد تمثيلها من قبل الولايات المتحدة .أما "روما الخالدة" فتجسدها روسيا القوية الإمبراطورية و المزيج السلافي الآسيوي الأرثوذكسي , و بالنسبة له سيستمر الصراع بين القوتين حتى تتدمّر احداهما تماماً كما حصل سابقا في التاريخ. و لا يمكن لأي نوع أو نمط لنظام سياسي و لا لمقدار من التجارة أن يوقف ذلك . ويؤكد أنه من جل أن يتمكن الخير"روسيا" في نهاية المطاف من هزيمة الشر"الولايات المتحدة" فإن الثورة المحافِظة يجب أن تأخذ مكانها الجديرة به, وبهذا القدرأو ذاك يرى دوغين يرى الحرب في سوريا على أنها المرحلة الثالثة من الصراع بين الأوراسيين " محبي روسيا" والأطلسيين "محبي الغرب"، بعد حربي الشيشان وجورجيا، وهي بالتالي قد تكون اللحظة النهائية في انكشاف الصراع مع الغرب. و يستنتج بمنطق قومي شديد التعصب بأنه إذا قبلت روسيا بالدور الأميركي في سوريا وخانت بشار الأسد، سيكون ذلك عصفاً شديداً بهوية روسيا السياسية، وإذا حدث العكس ستكون بداية النهاية للولايات المتحدة كقوةٍ عظمى متفردة. فهزيمة روسيا في سوريا بالنسبة لدوغين ستتبعها حروب في منطاق أخرى متاخمة "للقارة الروسية" مثل إيران والقوقاز، ما يعني أنه يتوجب على بوتين عدم التخلي عن الأسد، وإلا سيكون ذلك انتحاراً جيوسياسياً له و للبلاد. فالحرب في سوريا لا تقبل حلاً وسطاً أو تفاهماً من أي نوع غير التفاهم الروسي ،بل هي الطريقة الوحيدة لتأكيد الوقائع. ولهذا انسحبت روسيا من عدة معارك جيوبوسياسية للحفاظ على موقع متقدم هناك.
هذه هي التربة التي غُرست فيها فلسفة روسيا السياسية الراهنة. وعبر عنها السياسي اليميني الشعبوي فلاديمير جرينوفسكي حين قال إن النزاع في اوكرانيا "منحنا فرصة للعودة الى دائرة القوى العظمى. ومن الضروري أن تصبح روسيا مرة أخرى امبراطورية كما كانت في زمن القياصرة أو الفترة السوفيتية. وعندما نحقق ذلك نستطيع التركيز على تطوير اقتصادنا. ولكن علينا ان نتحرر أولاً من الغرب".ولكن هذه "الروسيا"التي حققت وتحقق عائدات ضخمة من تصدير مواد أولية ، عاجزة(عمداً؟ أم سهواً ؟) عن شق طريق حديث بين موسكو وسان بطرسبورغ.. وفي عمق المدن الروسية تغلق معامل ومستشفيات ومدارس أبوابها ويرحل الرجال إلى شرق أوكرانيا للقتال من أجل عالم روسي وهمي. وتُقام لهم احتفالات توديع بمباركة من السلطات. ومازال بوتين -وهو يدرك أنه يحظى بإعجاب كل ديكتاتوريات العالم-يصر على أن يبدو أمامهم كقيصر زمانه , ولاعجب أن يكون الأسد جونيور من أشد المعجبين به."هو يشبهه على كل حال" ,ولاعجب أيضا أن يكون المعجبين ببوتين هم ذاتهم المعجبين بحاكم دمشق .فإذا كانت روسيا تساهم الآن بموت السوريين بطريقة فعالة , فإنها لاشك -إذا ما تابعنا التفكير بمنطق دوغين الجيوسياسي-ساهمت و مازالت تساهم في" القتل البطيء لفلسطين و الفلسطينيين" ***و قد بات من الواضح أن الاستراتيجية السياسية الخارجية الروسية أو ما يعرف بـ"العقيدة الجديدة للسياسة الخارجية الروسية" ,كما أقرها الرئيس بوتين ,حذفت و للمرة الأولى ,فيما يتعلق بتسوية النزاع العربي الإسرائيلي ,نقطة إقامة دولة فلسطينية مستقلة. لقد قررت موسكو على الأرجح ترك مسألة الدولة الفلسطينية خارج نطاقها عبر حجج تبدو "فلسفية " في معظمها حول خصوصيات مختلف الشعوب والثقافات والحضارات و أن مثل هذه القضايا "الخلافية" لا ينبغي لها أن تُستخدم كأداة لتصعيد التوتر السياسي,وهذا ، كما يقول البعض ، يساعد في فهم الضراوة التي تكتسبها المعارك السياسية اليوم. فتنقل مجلة ديرشبيغل عن الكاتبة الروسية سفيتلانا اليكسييف ما تسميه "متلازمة عنف" لا فكاك منها أصابت روسيا. وتقول اليكسييف أن روسيا كانت في حرب طيلة تاريخها تقريبًا، وأن هذه حقيقة صنعت شخصية تعاني "عجزًا أساسيًا في العيش حياة مدنية سلمية". وبدلاً من ذلك ينظر الروس على حد وصفها الى كل شيء بمنظار النصر أو الهزيمة.
باختصار :لوثة الانتقام السياسي والأحلام الجيوسياسية الإمبراطورية أصابت النخبة السياسية الروسية ، وهي لوثة انتقلت عدواها إلى أولئك الذين لا يريدون بناء حياة طبيعية داخل بلدهم أو غير قادرين على بنائها ، كما كتب صحافي ذات مرة على موقع غازيتا الروسي مضيفاً أن هذا لا يمكن أن ينتهي إلا "بكارثة قوميةهائلة". لم تعد موسكو تدار من قبل "مكتب سياسي" ؛فقد حلت فكرة "روسيا القوية" باعتبارها منتج نهائي لليمين المتطرف محل الشيوعية وتتشارك أفكار القومية المتطرفة مع سمة القداسة للعقيدة الأرثوذكسية المسيحية "رش الماء المقدس على أحدث نسخة من الكلاشينكوف"في إضفاء المزيد من التشدد على الموقف الروسي لتمكين روسيا من لعب دورا مميزا وإسباغ لقب "روما الخالدة" على روسيا...
يقول أرنست رينان" ليست الأمم جديرة بالعناية الإلهية ,فهي بدأت و ستنتهي" .... نعم بدأت و تبدأ و ستبدأ الأمم دون تدخل الآلهة.. لكن البعض مازال يزعم أنها ستبقى بفضل هذه الآلهة .. يكفي أن نلتفت جنوب الشام لنلحظ ذلك
................................
*جوزيف ياكوب" مابعد الأقليات.بديل عن تكاثر الدول .المركز الثقافي العربي 2004
** ألكسندر دوغين: أسس الجيوبولتيكا.. مستقبل روسيا الجيوبولتيكي دار الكتاب الجديد, بيروت 2004
***العبارة مستوحاة من مقال لإدوارد سعيد في جريدة الحياة 10 آب 2002