كان تلميذاً لأستاذنا الطاهر مكتشف المواهب.

شكيب كاظم
2018 / 10 / 28

الدكتور محمد حسين الأعرجي كسبته الكتابة وضيعته السياسة.
بين ولادته في مدينة النجف سنة 1947, ووفاته في بغداد سنة2010, إذ قرأت من على شاشة التلفاز نعيه يوم الثلاثاء 28/ كانون الأول/ 2010, بين هذين التأريخين ما ينوف على ستة عقود, هي عمر محمد حسين الأعرجي الذي أمضاه في الدرس والتدريس والكتابة وتحقيق المخطوطات, حتى زادت حصيلته الكتابية على السبعين كتاباً, فضلاً على رسالته لنيل الماجستير عن (الشعر في الكوفة) وأطروحته للدكتوراه والموسومة بـ (الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي) التي كتبها باقتراح من أستاذه وأستاذي الدكتور علي جواد الطاهر – طيب الله تعالى ثراه- وإشرافه عليها.
كان أول تعرفي إلى الدكتور محمد حسين الأعرجي, يوم قرأت لقاءه الصحفي مع الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري المنشور في مجلة (الرابطة) المجلة الثقافية التي كانت تصدرها جمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف, بعددها الثاني, من سنتها الثانية الصادر في شهر أيار سنة 1975, المجلة الرصينة التي تولى رئاسة تحريرها الشاعر المحلق الدكتور مصطفى جمال الدين – رحمه الله- وكان محمد حسين الأعرجي, عضو هيئة تحرير المجلة إلى جانب عدنان البكاء ومحمد الخاقاني, وإذ أقتني العدد الخامس من المجلة ذاتها الصادر في تشرين الثاني من السنة عينها 1975, استمتع بقراءة قصيدته الجميلة الموسومة بـ (الجواهري والمدينة) وفي العدد هذا قصائد عدة مرحبة بمقدم الجواهري إلى مدينته ومسقط رأسه لحضور الحفل الذي أقامته جمعية الرابطة الأدبية, وفيها القى الجواهري الكبيرخريدته العصماء (أزح عن صدرك الزبدا), أقول في العدد قصيدتان للشاعرين صالح الظالمي وجميل حيدر, حتى إذا صدر سنة 1978 كتابه (فن التمثيل عند العرب) عن الموسوعة الصغيرة وفي ضمن منشورات وزارة الثقافة والفنون, اقتنيته, وهو الصغير في حجمه الثري بمادته شارحاً سبب اختياره هذا العنوان: التمثيل, ولم يقل المسرح, بسبب ان هذا الفن, التمثيل لم يتطور بحيث يغدو مسرحاً, وكما كان الدكتور علي جواد الطاهر, حاثاً إياه على دراسة ظاهرة الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي, لنيل الدكتوراه, فإنه – رحمه الله – كان دافعاً له لدراسة فن التمثيل عند العرب, إذ زوده بكتابين هما: (العرب والمسرح) لمحمد كمال الدين و(العرب وفن المسرح) للدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي, قائلاً له : خذهما فقد يفيدانك في المناقشة.
وكما علت السياسة على صوت العلم والدرس لدى مناقشة رسالة طالب الدكتوراه عبد اللطيف عبد الرحمن الراوي والموسومة بـ (المجتمع العراقي في شعر القرن الرابع للهجرة) والتي كان الدكتور الطاهر مشرفاً عليها, ونوقشت سنة 1971, وتولت مكتبة النهضة ببغداد نشرها سنة 1974, بمقدمة كتبها المؤرخ الدكتور فيصل السامر, فأن السياسة المنغلقة كانت حاضرة في مواجهة العلم لدى مناقشة أطروحة الدكتوراه لمحمد حسين الأعرجي المعنونة- بـ ( الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي) وكما كان الطاهر حاضراً في الذب عن عبد اللطيف عبد الرحمن الراوي, فإنه كان مدافعاً عن تلميذه الأعرجي, وقد طال وقت المناقشة حتى جن الليل على الحضور, كان أستاذه علي جواد الطاهر في أثناء ذلك, أثناء المناقشة يدون كلمات على ورقة, كما يقول ذلك الأستاذ الدكتور عبد الاله الصائغ في مقالة رائعة أبَّنَ بها الراحل الكبير الأعرجي – وكأنه مما سيقوله إذا حان وقت الكلام, ويحين وقت كلامه, وقد دخل الليل, والأعين مرتقبة, فيمضي إلى غاياته مُعرِضاً عن السَفَه مبيناً عن الحق حتى إذا بلغ قوله: إنه نابغة, وأن كتابه كتاب رأينا الدمع يأتلق في عينيه ويحرز الدكتوراه على الرغم مما بيت.
أطروحة هذا شأنها من العلم والألمعية والشمول, كانت جديرة بأن تنشر حتى إذا نشرتها وزارة الثقافة والفنون في ضمن سلسلة دراسات سنة 1978 اقتنيت نسخة منها.
لقد ضرب العصف السياسي الذي اجتاح العراق, هذا الباحث الرصين والشاعر المرهف الحس ولقد عجبت كيف تواءم البحث, مع الشعر في إهاب هذا الإنسان, فشتان ما بينهما لكن شاء الله, لا ما شاءت الأقدار, فجمع محمد حسين الأعرجي بينهما, وعاشا في كنفه وظله.
هذا الباحث الشاعر ضربه عصف السياسة والسياسة في بلادي مغامرة كبرى, فأضطر إلى الهجرة نحو بولندة, ومن ثم نحو الجزائر, حتى إذا عصف القتل بها بعد إلغاء الجيش الجزائري لنتائج الانتخابات العامة, وفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ الوطني فيها بقيادة عباس مدني وعلي بلحاج سنة1991.
فأن زميله وصديقه وابن مدينته الأستاذ عبد الاله الصائغ الذي كان نزيل ليبيا بداية العقد التسعيني يوجد له عملاً في جامعة الفاتح بطرابلس بدرجة علمية اقل من مرتبة الأستاذية, التي يستأهلها.
الصائغ في مقالته آنفة الذكر يسردلنا حادثة جديرة بالاعتبار وانعام النظر, وتبيان عصف الغربة, بالذين لا يستطيعون مبارحة الوطن, على الرغم من خطورة عيشهم فيه بسبب العصف السياسي وسيادة الرأي الأحادي في مناهج الحياة, يقول الصائغ: حدثني الأعرجي عن أنه هيأ لمصطفى جمال الدين كرسي تدريس النقد, وقد كان جمال الدين وصل إلى الجزائر, ولم يصحب معه شهادات ثبوتية, فذهب الأعرجي وجمال الدين إلى رئيس الجامعة وأخبراه ان جمال الدين جاء من غير شهادات ثبوتية, فأبتسم رئيس الجامعة وقال: إيش تعني الشهادة بالنسبة إلى رجل يعادل جامعة؟! وقبل التدريس بأسمه وشهرته لكن جمال الدين شعر ببعده عن العراق, فقرر العودة إلى سوريا, كي يكون قريباً من هذا العراق الرائع, هذه الحادثة تعيد إلى ذهني عدم اهتمام المجتمع العراقي بكفاءات أبنائه, إذ قرأت مقالاً للشيخ جلال الحنفي البغدادي – رحمه الله تعالى- وكان من الداعين إلى إنشاء معهد أو مركز للدراسات النغمية والمقامية لحفظ أنغامه من الاندثار بموت مقرئيه تباعاً من غير نقلها إلى الأجيال الشابة, حتى إذا تقرر إنشاء معهد الدراسات النغمية ووجد الحنفي ان مقترحه أصبح حقيقة واقعة, قدم إلى العمادة طلباً للتعيين فيه, وهو المعروف بدرايته الواسعة في المقامات والانغام, فلم يقبل طلبه, كونه لا يحمل مؤهلاً علمياً يشفع له بالتعيين!! كان حديث الشيخ الحنفي ينضح أسىً وغصة.
كل الدنيا تحترم كفاءات الناس, حتى وان كانوا من حملة جنسيات أخرى, حدثَ أن توجه الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور مهدي المخزومي وغيرهما منتصف الستينات للعمل في جامعة الرياض, فأكرم رئيس الجامعة وفادتهما, غير ان ثمة عراقياً موصلياً, لن أذكر أسمه, كان يقدم برنامجاً صباحياً من إذاعة العراق عنوانه (على مائدة القرآن) يوم كان في بغداد, بدأ يكيد لهما ويشي بهما لدى رئيس الجامعة, بوصفهما يحملان فكراً سياسياً لا يأتلف مع توجهات الدولة السعودية, فوبخه رئيس الجامعة قائلاً له ما معناه: "لا شأن لي بأفكارهما السياسية ولا غبار على عملهما وإخلاصهما في التدريس والعمل وأنا باحث عن العلم لا السياسة".
وعاد الدكتور محمد حسين الأعرجي إلى بلده بعد عام 2003, وكان يظن ان العودَ أحمدُ, ولكن عصفت به الحياة العراقية وندم على عودته, ولكن لات ساعة مندم, فهذا تلميذه الشاعر حسين القاصد, الذي اشرف الأعرجي على رسالته للماجستير, يسرد علينا, كيف كتب الأعرجي مرثيته سنة 2006, وقبل ان يستوطن جسَده المرضُ الوبيل, فللشعراء, بعضهم من أمثال الأعرجي, حواسهم السادسة, لا بل قل السابعة! نادماً على عودته إلى العراق ذي المجتمع الصعب الطارد لكفاءات أبنائه وقسوته وإلا هل يعقل ان تحتوي مسلة حمورابي, التي نفخر بها لأننا لم نقرأها ونعرف حقيقتها, ان تحتوي المسلة كل هذه القسوة التي – ربما- أنتجت قسوةً مضاعفةَ سنظل نتوارثها جيلاً بعد جيل, فوا أسفاه على ما فرطنا في جنبنا لا في جنب يوسف!!.