آرثر ميللر وساحرات سالم و إسرائيل

محمود الصباغ
2018 / 10 / 27

مشهد : 1.....في أحد مطاعم هوليوود الفاخرة ,أمالت مارلين مونرو رأسها لجهة اليمين بغنج احترافي وتمايلت مع تمايل ضوء الشموع و قالت للرجل الذي يجلس قبالتها و هي تعض على حرف قدح النبيذ الفرنسي الفاخر "مممممم. ولكن بصراحة يا عزيزي آرثر ودون أن تغضب! مسرحياتك..تلك التي تكتبها .. في الحقيقة لست معجبةً بها"..كثيراً ما كان آرثر ميلر يتساءل "ما نفع الكاتب إذا لم يختزن في كتاباته الطاقة الاستقرائية لزمانه الحاضر والمقبل؟ .ولعل هذه المقولة تنطبق أكثر ما تنطبق على أشهر أعماله"موت بائع جوال"( 1949) التي تحمل نقداً للحلم الأمريكي ؛والتي بنى موضوعها على ما حصل له عندما كان صبيا في الرابعة عشر من عمره ، عندما عاد أبوه إلى المنزل بوجه لا يفسر ويخبر أسرته أنه طرد من عمله ..هذه المسرحية التي كانت السبب المباشر لاستجوابه لاحقا ، واتهامه بالنقد الضمني للرأسمالية، وميوله اليسارية فتم اتهامه بازدراء الكونغرس الأمريكي و أدين من قبل "لجنة تحقيق النشاط المعادي لأمريكا" لرفضه البوح بأسماء حلقة أدبية يشتبه بشيوعية أعضائها فتم وصفه بالشيوعي وهو ما كان يعتبر اتهاما آنذاك .دافع ميلر عن موقفه قائلا "أنني لا أستطيع استخدام أسماء أشخاص آخرين لأجلب لهم المشاكل". بعد انتهاء محنته تلك ألف ميلر مسرحيته الشهيرة البوتقة (المحنة) (1953) و المعروفة أكثر باسم ساحرات سالم .ففي "ساحرات سالم" , ثمة قرية نائية بعيدة، تعيش فيها فتاة شابة هجرها حبيبها، فتقرر الانتقام منه بأن تشيع في القرية أن الشيطان مس نساءها (عن طريق زوجة عشيقها )مما دفعهن إلى ممارسة السحر والشعوذة والقيام بتصرفات جنونية كالرقص عراة ليلاً في الغابة تحت ضوء القمر ،فتتدخل السلطات المحلية الدينية لتمارس إرهابها على الجميع "وليس النساء فقط"بهوس ديني غير مسبوق فتدفع الكثير من الأبرياء نحو الموت بذريعة إعادة السلام والأمان إلى أهل القرية المنكوبة من خلال طرد الأرواح الشريرة من أجساد النساء حتى لو اضطر الأمر إلى قتلهن أو بأحسن الأحوال إجبارهن على الاعتراف بالتعامل مع الشيطان . كانت المحاكمات تقوم دون دليل مادي على الانخراط في السحر , لم تكن "الحقيقة" هي الأساس الذي قامت عليه المحاكمات؛بل كان "الكذب" على ما يبدو هو السبيل الوحيد للنجاة ,فكان مبدأ المحاكمات " إمَّا أن تعترف بممارستك للسحر، وبالتالي سيتم انتزاع أملاكك منك، ولكنك ستكون حرًا، وإما أن ترفض التُّهمة الموجهة إليك؛ مما يعني أنك منخرط في أنشطة السحر، وبالتالي تواجه حكماً بالإعدام شنقاً.
مشهد:2..... فهم النقاد أن"ساحرات سالم" هجوم عنيف و ساخر بذات الوقت على الإرهاب السياسي و الفكري الذي مارسته "المكارثية" باعتبارها فكرة سقيمة مرتجلة ضد المثقفين والفنانين في أمريكا خلال الحرب الباردة بحجة تخليص البلاد من شرور الشيوعيين "الكفار" .
كيف لعاشقة يائسة فقيرة أن تكون مصدر كل هذه الشرور؟. ثم كيف تقبل السطلة على نفسها أن تقفل عقلها عن السبب الرئيسي لغواية العاشقة للفتيات لتنفذ أجندتها الخاصة دون النظر إلى عواقب فعلتها "أي السلطة"؟كيف يهيمن الوهم الديني الزائف على الحقيقة , فيتقاتل الناس فيما بينهم دون أن يدركوا أنهم تحولوا إلى دمى تتلاعب بهم إرادة رجال الدين العمياء.يصرخ آرثر ميلر في نهاية المسرحية على لسان جون بروكتور صرخة إنذار ضد مجتمع يمارس الإرهاب على مواطنيه بحجة حمايتهم "أقدام إبليس تطن في أذني ووجهه القذر يطل أمام عيني لتحل علي جنسنا لعنة الله .. نحن الجبناء الذين نضعف وكما ضعفت أنا وكما ضعفتم أنتم ..إذا تعلمون في قرارة أنفسكم مقدار ما أنتم فيه من كذب وبهتان ..ضعفنا عن إعلاء كلمة الحق وجبنا عن إظهار ما يعيش فيه الناس من جهل.. ليلعن الله جنسنا الجبان وليدخلنا جهنم .. فلقد نكستم علم الله ورفعتم شأن عاهرة"!
و لكن مهلا ؛في الحقيقة لن نجد صعوبة في تفسير الدلاﻻت و رمزية الأحداث إذ لا يوجد معنى ما عصي وخفي يقبع خلف طبقات سيكولوجية معقدة ، فليس على المتلقي سوى الربط بين دلالة الحدث وطباع العشيقة أبيغيل وبين طباع الحبيب جون بروكتور ونظرة أبيغيل له في كما يبدو الحقيقة، وبين اسم العمل نفسه و دلالاته الذي له دور مركزي في تفسير الأحداث. ومن الواضح أن الهدف الدرامي من "الحدوتة"هنا هو التفكير في "الحدوتة" نفسها مما يمنح طاقة للمتلقي ينفذ منها نحو الأرضية المشتركة التي يمكن أن يقف عليها مع المؤلف حيث تكمن هنا الروح لتي تحمل قدرًا من التحدي والاستفزاز النفسي والشعوري والفكري عند مستوى من الوعي الذي يتاخم الحلم أو اللحظة المتخيلة في زمنها الخاص المتداخل الذي يشبه بيت المرايا؛فيتم إسالة الزمن وتحويله إلى كتلة واحدة ممتدة من المشهد الاول للأخير ووجود درجات من الوعي يتداخل فيها الحلم بالواقع والمتخيل بالحقيقي.....إذن أليس من الواجب أن يهمس أحدهم في أذن جون بروكتور هذا ليذكره من جعل من الفتاة أبيغيل تلك عاهرة؟حتى لو كان ميلر رسمها كمركز جذب و شرور في صنع الأحداث بتآمرها وعشقها وحقدها ثم اختراعها لقصة السحر وتأثيرها على رجال الدين و الفتيات القرية و سكانها و مسؤوليتها عن سقوط العديد من الضحايا الأبرياء.
مشهد:3......أن تكون فناناً مبدعاً يعني أن تتجنب الأفكار المألوفة ؛فالدفاع ،مثلاً،عن النقاوة الدينية لايعني بالضرورة أن تكون متدينا.والوقوف إلى جانب الدولة/الحلم ليس بالضرورة وقوفاً سليماً حتى لو كنت لم تكن ترى في الدولة وهمًا ومتخيلاً جماعيًاو اختراعًا تاريخيًا. لم يكن آرثرميلر مؤرخاً و لا لاهوتيا يرى في الدولة صورة البطل البيروقراطي العظيم الذي تكمن مهمته في الحفاظ على الإيمان الرسمي ومواصلته عبر طقوس ومناسك وشعائر .كما لم يكن يهودياً متديناً في بداية حياته فلقد كانت زيجته الأولى في كنيسة أما حين تزوج مارلين مونرو فقد عمل على جعلها تقابل حاخاما يهوديا لمدة ساعتين ونصف تحولت بعدها إلى اليهودية. لم تظهر يهودية ميلر في كتاباته عدا مسرحية "بعد السقوط" التي كتبها في منتصف ستينيات القرن الماضي التي تناولت الهولوكوست ومعاداة السامية وروايته الوحيدة "التركيز". التي نشرها قبل مسرحيته تلك بنحو عشرين عاما .ويروي د. عبد الوهاب المسيري عن "ميلر" أنه قد تنبه لذلك التناقض -الذي وقع هو نفسه (أي ميلر) فيه- حول مفهوم "الدولة اليهودية". ففي مقال له في مجلة التايمز اللندنية (3 يوليو 2003) يقول: إنه عند إعلان الدولة الصهيونية عام 1948، تصور أن ذلك الحدث السياسي يشبه أحداث العهد القديم، واهتزت مشاعره بعنف، ولكنه تنبه بعد ذلك إلى أن أبطال هذا الحدث بشر عاديون، تجد من بينهم سائقي الحافلات ورجال الشرطة والكنّاسين والقضاة والمجرمين والعاهرات ونجمات السينما والنجارين ووزراء الخارجية. واعترف بأنه نسي في غمرة فرحه أنه إذا أصبحت الدولة اليهودية مثل كل الدول فإنها ستتصرف كأي دولة تدافع عن بقائها بكل الوسائل المتاحة، شرعية كانت أم غير شرعية، بل ستحاول أن تتوسع على حساب الآخرين. في أثناء حرب فيتنام دعا الرئيس الأميركي جونسون الكاتب آرثر ميللر إلي البيت الأبيض، لكن الكاتب الشهير رفض الدعوة، وأرسل إلى الرئيس برقيةً مختصرةً يقول فيها: "عندما تتكلم المدافع يموت الأدب والفن. بمعنى آخر: كفانا حربًا أيها الرئيس، كفانا قتلاً وتدميرًا للشعوب الفقيرة، كفانا عنجهية واستكبارًا في الأرض". وبعبارةٍ أخرى، فإن "ميلر" يعترف بأنه أخطأ في تصنيف دولة إسرائيل ولم يستطع التمييز بين الدولة اليهودية ودولة اليهود. فالدولة اليهودية، كما تصورها، لا تنتمي إلى التاريخ لأنها خرجت من صفحات الكتب المقدسة، أما دولة اليهود فتخضع للقوانين التاريخية التي تنطبق على الظواهر المماثلة. وحينما راجع "ميلر" حساباته، صنف الدولة الصهيونية التصنيف الصحيح، وسجل احتجاجه عليها. وقد فكر ميلر في رفض جائزة القدس ولكنه قبِلها بعدما أرسل شريط فيديو ينتقد فيه سياسة الاستيطان وقتل المدنيين قائلاً: "ان قمـع الفلسطينيين والمستوطنات في الضفة الغربية خيانة لمثل التوراة العادلة التي ألهمت تأسيس دولة إسرائيل". ودعا إلى قيام دولة فلسطينية وقال "ان ما بقي من الحلم بمجتمع تقدمي مسالم في 1948 هو الضد تماماً: مجتمع مسلح يائس على خلاف مع جيرانه والعالم"..