من الثورة و إليها

هيثم بن محمد شطورو
2018 / 10 / 27

يقر أغلب المثـقـفين العرب كما غالبية المثـقـفين الأوربـيـين بعظمة الحضارة العربية الاسلامية و خاصة منهم المستـشرقون الألمان. و من بديهيات التبصر أن لا نقف عند مجرد الجرد للأسماء و المواقف حين ننـشغل بالواقع السياسي العربي بما هو فكر سياسي، و الذي ينحصر تـقريبا في ثلاث تيارات و هي الماركسية و الاسلامية و القومية العربية، أما الليبرالية فهي لم تـشكل حضورا قويا و فاعلا سوى مع حزب "الوفد" المصري الذي أفل نجمه مع ثورة الضباط الاحرار في مصر.
الليبرالية كاستحضار مفهوم الدستور و انشاء حياة برلمانية و المطالبة بالديمقراطية فقد تمثلت كعنصر جذب في حركات التحرر ضد الاستعمار، و من ثم في انشاء الدول الحديثة التي مثلت قطيعة مع مفهوم الشرعية القديم، و لكنها جعلت الدساتير لعبة سمجة بحيث وصل الأمر الى أن يتم استبدال فصل السن الأدنى المسموح به لرئيس الجمهورية في ليلة واحدة و ربما في ساعة واحدة لأجل تمكين "بشار الأسد" من خلافة أبيه الراحل في سوريا، و هو مثال نموذجي لبقية الدساتير العربية التي لا تتعدى قيمتها قيمة الحبر الذي تُكتب به، فهي مجرد كلمات لا يتم الالتزام بها و جل القوانين للدولة تجدها لا تـتساوق خاصة في مجال الحريات و حقوق الانسان مع الدساتير، لغياب مؤسسة دستورية رقابية كمحكمة دستورية محايدة تسهر على دستورية قوانين الدولة.
و بالتالي فالليبرالية كمذهب و تيار لم تمثل اطلاقا منظومة سياسية ضاغطة و لكنها كمفاهيم تبنتها احزاب المعارضة و كأفكار انـتـشرت بفعل كتابات المثـقـفين و تأثير الحياة السياسية الاوربية كانت تشكل فعلا في الواقع لم ننتبه الى مدى قوته و نجاعته، حتى قيام ثورة الشعوب العربية لأجل الحرية و العدالة الاجتماعية..
لكن مفاهيم الحرية و الديمقراطية انصهرت في نفس البوتـقة مع مفاهيم العدالة الاجتماعية و التي لا تعني في النهاية سوى الاشتراكية و لكن بصيغة اخرى ارتآها عديد المثـقـفين، نظرا لإلحاق مقولة الاشتراكية في عقلية الجماهير بالإلحاد و الدكتاتورية الستالينية و النظام السوفياتي ذو العقيدة الإلحادية. لأجل ذلك كانت الصياغة الثورية هي : حرية و كرامة انسانية و عدالة اجتماعية..
فالحرية و المساواة مقولتان مترابطتان في العموم و هما تختـزلان الشروحات الكبرى و النضالات الانسانية الكبرى عبر التاريخ الذي هو تاريخ تحرر الانسان شيئا فشيئا مثلما يقول "هيجل". انها الرغبة الدفينة في العود الى الفردوس وفق الرؤية الروسوية. انها بمعنى من المعاني حلقة العود الابدي لنفي الاشكال المتكلسة التي أصبحت تعيق مجالات الحرية و المساواة على اساس نفس المعطى الفكري الذي استندت إليه.
و لكن التاريخ الواقعي للزخم البشري لا يسير عادة وفق المقولات المجردة إلا من حيث ما تـنـزلت في مضامين تعبر عن روحية الشعب أو جوهره. و ان الفاعلين في الفكر متعـددون و متـشعبون و لكن لأجل التغيير السياسي الفعلي في الواقع يجب تركيز الفعل الفكري في السياسي.
فالآن في تونس و الوطن العربي تـزخر الحياة الفكرية بانتاجات فريدة و نوعية و ابداعية تـنير فعلا درب الحلول و الآفاق الممكنة لبناء مدنية عربية جديدة. المشكل القائم فعليا ليس في انعدام التـفكير و الذكاء بل العكس تماما هو الصحيح. الإشكال الحقيقي يكمن تحديدا في السياسي سواء منه الحاكم او المعارض. السياسي عـديم الثـقة في نفسه و في الفكر و هو شبه متخلف و منحط بما فيه جزء هام من اليسار برغم ان اليساري يعني المثـقف. السياسي لا يفكر إلا بمنطق العصبة او العصابة او العشيرة الحزبية و الزعيم الصنم الملتمع المتوهج لديه كالنجم و لكنهم نجوم آفلة.
هكذا تبدو الأمور على الأقل نتيجة انعدام الخوض في عرض اطروحات فكرية من قبلهم او حدوث نقاشات فكرية بين الزعامات السياسية. ففي تونس مثلا، و برغم واقع الحرية السياسية اليوم و تحقيق انجازات كبرى في هذا المضمار، إلا أنه لم نـشهد حوارا فكريا بين الزعيم اليساري "حمه الهمامي" و الزعيم الاسلامي "راشد الغنوشي" مثلا بما انهما لهما اشتغال على الفكر من خلال كتاباتهما.. هذا الحوار الذي من شأنه أن يسهم في وضع السياسة في بوتـقـتها الفكرية و بالتالي الارتـفاع بها، كما من شأنه أن يساهم في تأسيس المدنية الحضارية الجديدة التي تجمع المختلف في اطار الوطنية الشاملة، كما انها تسهم في ردم الصراع الزائف المقسم للمجتمع بين العلمانيين و الإسلاميين اضافة بالطبع الى المساهمة في تكريس امكانية الاعتراف بالمختلف فكريا و ليس عقلية التوافق السياسي الشكلي لأجل حسابات ضيقة أسهمت في تضبيب المشهد السياسي..
فالصراع الحقيقي الذي لدينا هو كيف نبني مدنية و حضارة جديدة و بالتالي اخلاقية جديدة تبني وحدة اجتماعية جديدة تؤسس للثـقة الجماعية في النفس و حب الجميع للجميع. ذاك هو شرط التـنمية و الخلق و القوة، أما جل ما نـشهده اليوم فهو فاعـل سياسي يعمل على نفي الآخر و على تـقسيم المجتمع بل تـفـتيته و تكريس العقلية الانتهازية من مختلف الفاعلين و بمختلف الدرجات و المواقع، و هو سير في الخط المضاد للمصلحة العامة و للسلم الاجتماعي و لمصالحهم السياسية ذاتها حتى و ان يزهو البعض بتـفوقه الانتخابي..
الكلمات الجوفاء التي يثبت الواقع اهترائها سواء بالسلطة بانكشاف العجز او المعارضة بتـزايد انحسارها. لنا مثل يقول "حبل الكذب قصير"، و لكنك تجدهم كاذبون صادقون اي انهم يصدقون انفسهم و اكثر من اللازم ربما.
في هذا السياق ربما هذه الفقرة من "فينيومونولوجيا الروح" للفيلسوف "هيجل" ( ترجمة الدكتور ناجي العونلي) تعبر بعمق عن التهافت السياسي.
" مجرى العالم ينتصر على الأقوال الطنانة في خير البشرية و اضطهادها، و في التضحية من أجل الخير و إفساد المواهب، فمثل هذه الماهيات و الغايات المثالية إنما تهوي كما الألفاظ الجوفاء التي ترفع الفؤاد و تترك العقل خاويا، إنما تشيد صرح الفضيلة، لكنها لا تبني شيئا. إنها تنشدات لا تفصح على التحديد إلا على المضمون التالي، و هو ان الفرد الذي يزعم العمل من أجل تلك الغايات السامية فيسوق مثل هذه الأقوال الرفيعة إنما يحسب نفسه ماهية عظيمة، إنتفاخ يتورم و يورم رؤوس الآخرين، لكنه إنتفاخ يعظم من جراء تكبر أجوف.
لقد كانت للفضيلة القديمة دلالتها المقيدة و المتأكدة، لأنها كانت تستمد عمادها المفعم بالمضمون من عند الجوهر الذي للشعب، و كانت غايتها تتمثل في خير حاق ( قابل للتحقق) و كائن بالفعل، و لذلك لم تكن موجهة ضد الحقيق ( ما هو قابل للتحقق) من جهة ما هو عكاس كلي، و لا ضد مجرى العالم."
فانتـشار التيارات الاسلامية كان نتيجة ضرب الحركة القومية العربية من جهة و من جهة ملامستها لروح الشعب التي هي الاسلام و لكن دون ان تعبر عن مضامينه الروحية، و انحسار الماركسية كان استـتباعا لانحسارها في العالم بما هي جهوزية نظرية مستوردة، و انبتاتها عن الجوهر الروحي للشعب بل الاتجاه في كثير من الاحيان نحو معاداته. أما المدرسة البعثية فبناء لم يكتمل فالإسلام الجديد مقابل الاسلام القديم لم يتبلور بعد في تيار واضح المعالم..
و بالتالي فان المذاهب الفكرية السياسية الكبرى في الوطن العربي تظهر كأنها ورم يورم الرؤوس مما حدا بالشباب الابتعاد عنها و عن الفكر بشكل عام. ذاك انها لم تعبر عن حقيقة المجتمعات العربية و انما أسهمت في ابتعاده عنها بقدر ابتعادها هي نفسها عن هذه المجتمعات. و الحصيلة انها مجتمعات مدمرة و ضائعة لا تـفهم شيئا و اصبحت لا تـفهم حتى دينها و تـتـشكك في كل رمز و لا يحضر عندها أي مثال يرتـفع بها الى الحضارة و الاخلاق المدنية.
و هذا نتيجة تراكم قرون من تـقبل ظاهرة السلطة المتوحشة. ازاء هذه السلطة كانت المجتمعات اسلامية تعيش اسلامها بحرية و بقبول للمختلف و لكن بقيت اشكالية السلطة الاستبدادية قائمة و كأنها منفصلة. اما الدولة الحديثة فقد استعبدت المجتمعات نظرا للتطور في الادارة و التكنولوجيا و كذلك لانعدام وجود اي شرعية قوية او حقيقية لديها.
الكلام هنا يطول لكن الخلاصة ان جوهر الاستبداد هو القضاء على الاخلاقية العامة بما انه انتهاك للكرامة و الحرية البشرية. فلا اخلاق و لا ايمان حقيقي و بالتالي ليس من انسان واعي بنفسه و يعيش لأجل الكل بمثل ما يعيش لنفسه، و بالتالي فساد في الاجتماع و الفكر و السياسة و الاقتصاد و اشباه مدن دون مدنية.. المدنية هي الحب الجماعي.. هي ان لا يبيت الواحد شبعانا و جاره جائع مثلما جاء في قول لرسول الله محمد. المدنية هي " أن لا يؤمن أحدكم حتى يحب لنفسه ما يحب لأخيه"..
و غيرها من المقولات الاسلامية التي نجدها وفق التأويلات المعاصرة اشتراكية فكيف لا تكون الاشتراكية اسلامية جديدة؟
و من جهة اخرى يظهر تهافت التيارات الاسلامية انها لم تحصر معاني الاخوة و التضامن الاسلامية في المسلمين فقط بل في الاسلاميين تحديدا بل في الفرقة الاسلامية بعينها عملا بالفرقة الناجية المكذوبة، لذلك نقول انها لامست الاسلام و لكنها حادت عنه من حيث جعلت الله الواحد الاحد الاسلامي "يهوه" اليهودي اي ليس الاه جميع البشر بل الاههم هم فقط كشعب الله المختار، و طبعا هذا هو السبب الاساسي في تهافتهم و في خروج ثلاثين مليون مصري ضد حكمهم و هم مسلمون تقليديون جدا ( في اقصى تقدير لا نتصور عدد المثـقـفين و العلمانيـين يتجاوز المليون منهم)...
الله في القرآن قال انه بالمرصاد للاستبداد و الاسلاميون ارادوا بناء دولة اسلامية مستبدة أتضحت معالمها في الاعلان الدستوري للرئيس المصري الاخواني "مرسي" و في دستور "جوان 2013" لحركة النهضة في تونس..
لكن الآن دعنا نمر نحو المستـقبل.. لنكن تـقدميـين و نحاول ان نتجاوز فذاك من علامات الترفع عن الاساءة و كبر النفس و الاحساس بالمسئولية تجاه الشعب الكريم بكل فئاته، و بالأساس الاحساس بالمسئولية تجاه الاجيال القادمة..
قال ربك في سورة "الفجر" في الآيات 6و7و8و9و10و11و12و13و14
" ألم ترى كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يُخلق مثلها في البلاد، و ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، و فرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك صوت عذاب، إن ربك لبالمرصاد"
فالطغيان بما هو استعباد للإنسان، و الايمان باللاه الواحد الاحد بما هو تحرر من عبودية اي انسان لإنسان، و الطغيان بما هو كفر باللاه بما هو كفر بنعمته التي أكرم فيها الله الإنسان و الانسان في المطلق، و هذا يتـفق مع الفكر الانساني المعاصر و تشكلات الاسلام القديم لامسته، و لكن اليوم من يجعل من الفكر المعاصر مناقضا للإسلام كما هو في القرآن فهذا غير صحيح بالمرة. من جهة اخرى فالطغيان الذي نعبر عنه اليوم بالاستبداد في السلطة هو مرادف للإكثار في الفساد بما انه انتهاك لحقوق الناس و انتهاب لثرواتهم و انعدام التوزيع العادل و احتكار الثروة و غير ذلك من المفاهيم المعاصرة التي تـتـفـق مع هذه الآية. من جهة اخرى فانه فعليا لا تجد في الديمقراطية فسادا ماليا كبيرا، و لذلك فتونس لا تعيش الديمقراطية بما ان الفساد متكاثر فيها بطريقة جنونية تكاد تـدمر البلاد.
كما ان ثورات الحرية العالمية سواء الفرنسية او البلشفية في روسيا او العربية من الممكن تأويلها وفق هذه الآية بأنها فعل الاهي بما ان الله بالمرصاد للطغاة. بهذا الاتجاه نبني المصالحة بين القرآن و العالم و نعطيه مداه الانساني و المطلق، فالقرآن و الاسلام ليس ما أنجـز فقط باسمه و انما بحقيقة الله بمثل ما أشار إليها، و القرآن للناس أجمعين و الله رب الناس أجمعين.
بالتـفكير الاسلامي التقليدي الضيق، فان الله قد خرج من التاريخ بوفاة محمد الذي هو ليس إلا رسوله للعالمين..فكيف بربك كيف تـتـشدق اذن بالقول ان الاسلام صالح لكل زمان و مكان و انت لازلت محصورا بين مكة و المدينة. الله في كل مكان..
على كل هذه مجرد تأويلات سريعة لمثل من الامثلة العديدة في القرآن..
ما يهم من الناحية العملية هو بناء اساس فكري سياسي حضاري موحد ينتـقل بالأوضاع الى المستوى الحضاري و المدني المنـشود الذي تـتلائم فيه الانفس مع انفسها و مع الآخرين لتكون لدينا دولة حقيقية و مدنية حقيقية و حضارة و نموذج نقدمه للعالمين..
في غير هذا الاتجاه فالكل يخدم القوى المعادية للشعوب العربية و للإنسانية المناضلة في تحررها..