خيبتنا … مرآةُ ميدوزا في يد المايسترو

فاطمة ناعوت
2018 / 10 / 25

فاطمة ناعوت


ها هو المايسترو يقفُ في كامل بهائه فارسًا للمسرح دون منازع، ليُهدينا دُرّةَ عِقده الثريّ الحافل باللألئ والأحجار الكريمة. صاحبُ مسرح "رساليّ ورسوليّ". فالكوميديا دون "رسالة" حقيقية؛ تغدو عرضًا هزليًّا وظيفتها إضحاكُ الناس وإلهاؤهم عن القضايا التي تضرب خِصر المجتمع. والكوميديان إن لم يكن "رسولاً" يحمل رسالةً جادّة، يغدو مجرد مهرّج يُخدِّرُ الناس بالنكات والقفشات، لينسوا همومهم، بدل أن يواجهوها. علّمنا المسرحُ القومي العظيم أن المسرح مُعلّمٌ لا يقلّ أثرًا عن المدرسة والجامعة. وشهدنا في كثير من المسرح الخاص كيف تكون الكوميديا إلهاءً بلا قيمة. لكن المعادلة الصعبة، هي الإضحاك مع إعمال العقل لمواجهة المشكلات بالعقل والعمل. ذلك ما تعلّمناه من مسرح صبحي، المايسترو، في مشروع "المسرح للجميع".
وكذِبَ صبحي حين قال لي: “أنا اتكسرت خلاص يا فاطمة. أنا انتهيت!" كانت الدموعُ تقطرُ من عينيه وتُبللُ كلماتِه يوم غادرته جميلتُه وحبيبتُه ورفيقةُ دربه الفنانة "نيفين رامز"، ورحلت عن عالمنا. وكتبتُ بدموعي يومها قصيدة "دموع الفارس"، التي ختمتُها بقولي: “حبيبتُك سوف يزورُ الفرحُ عينيها/ إن هدأ قلبُكَ المصدوعُ/ وعدتَ إلينا/ فارسًا نبيلاً/ عاشَ يُعلِّمُنا/ أن الفُرسانَ/ يبكونَ/ وأبدًا لا ينكسرونْ.” وصدق حدسي وعاد الفارسُ الذي لا ينكسر؛ ليثبت لنا أن الفرسان يخرجون من المحن أقوى يعلّمون الناس كيف يواجهون مشاكلهم مواجهة الندّ لا مواجهة الكسير. عاد المايسترو ليُقدّم لنا أحدَ أجمل وأخلد أعماله: “مسرحية خيبتنا" التي تُعرض الآن من الخميس إلى الأحد من كلّ أسبوع، على مسرح مدينة سنبل.
عملٌ خالدٌ سيعبرُ الزمنَ شاهدًا على لحظة مُرّة يعيشُها عالمٌ تسيّدت فيه قيم الهوى والأنانية والعنف والاستنساخ، على قيمة العقل والخير والجمال والفرادة وبناء البشرية. عبر كوميديا رفيعة المستوى، تُجبرك على الضحك المُتسرّب من العقل إلى القلب، ينادي المايسترو بإعمال العقل لأنه طوق النجاة. فالأوطان تسقط لحظة سقوط العقل. كلّ عمل من أعمال صبحي يُمثّل منظومة أخلاقية وفكرية ومجتمعية، مُِشبّعةً بالضحك والبهجة. هموم المجتمع المصري، والعربي، تتجلّى في مسرحية "خيبتنا" التي تُعالجُ أزمة العقل العربي المشغول بالدعاء بالويل على العدو لكي ينهار، فنعلو على "مُنهار"، بدلا من اعتماد العلم والعمل فنعلو على "قويّ"؛ فننتصرُ على خصمنا بالعمل وليس بالدعاء الذليل. يضفِّرُ صبحي في "خيبتنا" أدبياتِ العلم والتكنولوجيا ليقدّم فانتازيا واقعية رمزية تنطلق من قانون الجينوم البشري ليستخلص الرمز من تيمة "الاستنساخ البيولوجي"، فينتقد مبدأ الاستنساخ المتّبع في ثقافتنا العربية الذي يهدم الفرادة ويحارب التميّز. المدهشُ، وربما المحزنُ أيضًا، أن صبحي كتب "خيبتنا" عام 2004، إثر سقوط العراق، وتأخر عرضها لأسباب كثيرة، بينما الأزمات التي يناقشها العمل قبل عقد ونصف، حالّة وقائمة ومطروحة اليوم على مائدة الساحة المجتمعية والسياسية الراهنة. وكأنه كان يستشرفُ المستقبلَ بكامل أزماته الراهنة. ولا عجب في ذلك، فالفنان العضوي المثقف، هو الأقدر دائمًا على استشراف أخطار المستقبل، مثلما هو الأقدر على كتابة التاريخ الحقيقي للمجتمع، بعيدًا عن تزييف المؤرخين والساسة. وربما لهذا السبب رفض صبحي منصب الوزير، مرةً تلو مرّاتٍ، لأنه يدرك أن الكرسي مهما اتسع يظل ضيّقًا على الفنان الذي يقبض بأصابعه على خيوط العالم.
حضرتُ المسرحية أكثر من مرة، وكعادة مسرح صبحي، في كل مرة تكتشف زوايا جديدة ونقاط ضوء لم تنتبه إليها في المرة السابقة. وهذا شأن الأعمال "المُشعّة" بالتعبير النقدي. مثل حجر كريم اسمه "أليكسندريت" ِAlexandrite يتغيّر بريقُ إشعاعاته وفق كمية الضوء وزوايا سقوطه على مدار اليوم. تلك سمة الأعمال الخالدة التي لا تموت بل تعبر الأزمان والأمكنة.
ولماذا أُطلق عليه لقب "المايسترو"؟ لأنه يقود فريقَه بدقّة لا تسمحُ بالخطأ أو النشاز؛ ليقدّموا معًا معزوفةً مسرحية فائقة الجمال بالغة الإتقان. لكنه لا يكتفي بدور المايسترو/ المخرج، إنما يعزف مع الأوركسترا لحنه الخاص، ثم يجعلنا نحن المشاهدين، متورطين معه في العمل، بعدما تشتبك أفكارُه مع أفكارنا؛ فنخرج من المسرح، ليس كما دخلناه ننشد البهجة والضحك، بل مشغولين بكيف سنغيّر من أنفسنا ونعلو حتى ننجو بسفينة الوطن من السقوط. نخرج نردّدُ شعار الختام مع أوركسترا المسرحية: “إحنا نجاتنا في الوطن… والوطن لينا نجاة"، فلا نجاة لنا إلا بقوة أوطاننا وتماسكها.
تحية لأعضاء الأوركسترا: العظيمة “سميرة عبد العزيز"، والصوت الساحر "ندى ماهر"، والكوميديانة الرائعة "ميرنا"، والفنانة "سماح السعيد" والطفل "عبد الرحمن"، وعبقري السينوغرافيا محمود العقبي، والشاعر "عبد الله حسن"، ومصمم الديكور والأزياء والإضاءة، وجميع صُنّاع العرض المدهش الذي يرفع في وجوهنا "مرآة ميدوزا" لنرى عيوبَنا ونعالج قبحَ ملامحنا. وتحية احترام للمايسترو العظيم محمد صبحي.

***