Quills: وبعض الحقيقة مؤلم ،فكيف كلها؟

محمود الصباغ
2018 / 10 / 24

هل سبق وتخيلنا كاتباً يصل به الجنون إلى حد أن ييتعمل دمه حبراً ليكتب به على ثيابه، ثم يجري فرحاً يرقص فوق مائدة مجانين مثله ،ثم يصرخ متحدياً الرقابة :" كتابتي تعيش"..جملة بسيطة لكنها تحمل في طياتها صدى صرخة عميقة تحاول أن تجعل الحقيقة ،ولاشيء سواها أو بديل عنها، واضحة للجميع و أمام الجميع مهما كانت صادمة وقاسية.
هذا ما يتحدث عنه الفيلم (المقتبس من نص مسرحي) عن كاتب هو المركيز دوساد نزيل مصحة الأمراض العقلية في قصر شارنتون.ويظهر المركيز لطيف المعشر، عطوف و دائم التأنق يعتني بهندامه فضلاً عن لباقته التي لا تخلو من الوقاحة "المحببة".و من العمق تبدو شخصيته مركبة و معقدة و يصعب تقمصها ..فهو كاتب ارستقراطي مرهف الحس ثائر على جميع الأفكار المتعارف عليها، شخص متمرد و وقح كما يصفه البعض، صبور كما يصفه البعض الآخر، نظراً لقدرته على تحمل سبعة و عشرين عاماً من السجن متنقلاً من مصح لآخر ، شخص متهم بأخلاقه وعقله والبعض يؤكد جنونه المطلق ، وهو غير مكترث لكل هذا ،شخص يرى أن مأثرته تكمن في تمرير أفكاره التي كانت متعته و متنفسه و عذابه و حزنه بنفس الوقت لذلك نراه يمضي وقته في كتابة القصص.
تعرض أولى مشاهد الفيلم المركيز وهو يكتب قصته حول الآنسة الأرستقراطيّة الشبقة "رونار"التي تلتقي بساديّ مشهور بساديته. ومع أن الرقابة الرسمية كانت قد حاصرت ومنعت مؤلفاته، إلا أنه ينجح في الاحتيال عليها حين يقنع الشغالة مادلين بتهريب أوراقه مع الغسيل إلى خارج المصحة بأن تعطيها لفارس مجهول ليصار إلى نشرها على يد ناشر سري، وهنا تبدأ المتاعب له إذ أن فحوى قصصه يثير غضب السلطات،بسبب قصصه الجنسية الفاحشة المسربة التي يتناقلها الشعب سراً, فيتم إرسال الدكتور كولارد وهو طبيب في العقد الخامس من عمره، عنيد،وفظ، وصاحب طرق مبتكرة لتعذيب المرضى نزلاء المصحات العقلية، يوصف بأنه عنيف و متوحش للتعامل مع المركيز ،فيقوم كولارد بتنحية مدير المصحة الراهب فرانسوا ليتولى بنفسه إعادة ضبط و تهذيب دوساد على طريقته الخاصة.
يتحرك الإطار الزمني للفيلم في فرنسا قرب نهاية القرن الثامن عشر في فترة طور"الرعب"من عهود الثورة الذي خلق مناخاً عالياً من الاضطهاد والخوف من السلطة وعدم المساواة ، لاسيما العهد البونابارتي،حين كانت تقبض، بالقوة،على البلاد سلطة مستبدة ( الملك وحاشيته و فريانه وكبار الموظفين ورجال الدين والمؤسسة الكهنوتية وحتى المهنيين كالأطباء و سواهم) في وسعها إنزال أقسى العقوبات و أقصاها في من تراه أو تعتقد مخالفته للتعاليم بتشجيع من طبقة دينية و "تكنوقراط مهني" يعتقدون -بسطحية مفرطة- بإمكانية إصلاح الإنسان الفاسد من خلال تطبيق عقاب صارم عليه دون النظر إلى عواقب هذا العقاب ، مثل أن يتم غسل قطعة قماش قذرة بماء نظيف، فربما صارت القطعة نظيفة، لكن لم يعد الماء كذلك ، ومع ذلك يطلبون من البعض أن يشربوه باعتبار أنه كان نظيفاً يوماً ما .غير أن شخصاً مثل دو ساد لا يمكن أن تنطلي عليه هذه الحيلة .
ومن المهم القول،هنا، أن الفيلم لا يروي سيرة المركيز دو ساد ،بل هو في الواقع قصة متخيله تناقش مواضيع حساسة كالجنون والإباحيه و الأمراض النفسيه و الفن و الحريه و الدين بأسلوب جذاب و حبكه مسرحيه فيها الكثير من اللمحات الجمالية المذهلة.(تشير الوقائع التاريخية أن رواية دوساد الشهيرة"جوستين" نُشرت في السوق السوداء أثناء اعتقاله في مصحة شارنتون رغم تشديد الرقابة عليه، ويقال أن نابليون أمر بإحراق كل النسخ ، كما أمر بقتل الناشر).
هذا هو عصر دوساد الذي عاشه في تلك الحقبة من عمر الثورة الفرنسية ليبزغ في سماء فرنسا المتدينة,مما حدى بشخص مثل سارتر أن يعتبره " أحد آباء عصر التنوير أسوة بإيمانويل كانط وفولتير وجان جاك روسو, مع الاختلاف في المنهج والتطبيق."
كان المركيز دوساد يكتب روايات من سجنه قبل أن يمنع عنه الحبر ، وهذا أمر لا بد أن كاتب السيناريو على علمٍ به ،إلا أن بقية الأحداث كانت من حدس كاتب النص ،فنحن لا نعلم إن كان فعلاً قام دو ساد بجرح نفسه من أجل الكتابة أو حتى أنه التقى فعلاً بشخصيات مثل الخادمة مادلين أو فرانسوا الراهب الكاثوليكي الشاب أو الطبيب كولارد صاحب المزاج السيء و الطباع الحادة، فالسيناريو يتبع حدس المؤلف حين يفترض أن دو ساد التقى بهم ،وأنه كتب رواياته بدمه بمساعدة مادلين. مثل هذه الافتراضات قد تبررها اشتراطات أدبية من نوع معين تتعلق بطبيعة العمل الروائي أو المسرحي الذي يختلف عن تدوين التاريخ ، ولعل ما يؤكد ذلك هو اختيار المؤلف لشخصية فرانسوا الراهب المتدين كمدير للمصحة(الذي يشعر بانجذاب نحو مادلين) وقد اتى الفيلم بتوليفة رائعة مكنت من إعادة رسم دقيق للدور المحوري لهذا الراهب ،لاسيما في اللمسات الرائعة لمشاهد النهاية،ليستكمل لوحة سينمائية متقنة و متكاملة .
لم يحظٓ الفيلم بالشهرة ،ربما لغرابة موضوعه و"شذوذ"بطله. غير أن هذا الأمر من ناحية أخرى هو ما يجعل الفيلم ثرياً ومغرياً للسجال كونه يناقش شخصية إشكالية مثل دوساد. وأي تأمل لعنوان الفيلم سواء فنياً أو غير ذلك سيضعنا في فضاء بنيوي فاقع ،لجهة الدلالات العميقة لمفهوم"المراقبة و المعاقبة" و "تاريخ الجنون".
لقد قام دو ساد بالتحايل على الرقابة الصارمة المفروضة عليه واستطاع نشر الكثير من أعماله سِرَّاً رغم قوانين التحريم والمنع والتفتيش وهو في قلب دائرة الرقابة.وهنا تلوح لنا تلك القدرة الإبداعية المولودة من رحم مقاومة الرقابة وهذا ما يوحي به عنوان الفيلم Quills "#رِيَشُ_الكتابة" الذي جاء بصيغة الجمع ليوحي إنّه يمكن للسلطة مصادرة ريشةٌ واحدةٌ أو اثنتين أو ثلاثة أو مئة أو أي عدد من الريش، لكن من الصعب ، إن لم يكن من المستحيل مصادرة ريشاً "دون أداة تعريف"، فطالما يمتلك الإنسان الإرادة و التصميم على الكتابة فهناك إمكانيات لا تحصى لابتكار ريشٍ . ومع أنّ المؤرّخين والنقاد، اعتبروا الفيلم غير مخلص للوقائع و لحياة المركيز دو ساد نفسه، فإنّ ردّ القائمين على الفيلم يوضِّح أن تركيزهم كان قائماً على العلاقات المتداخلة للرقابة و الدعارة والجنس والأمراض النفسية والدّين.
قد تقوم السينما بتغيير الحقائق فتشوهها أو تزيفها لغايات مختلفة و متباينة،بحجة أن الغاية من الفرجة تحقيق المتعة و أن تكون مدهشة و تحقق شرط الإبهار وهذا ربما ما يجعلنا نغفر لهذه الصناعة "تلاعبها"أحياناً في التاريخ الحقيقي،
ولهذا ربما كان الفيلم ممتعاً، سواء في بنيته القصصية أم في سرديته البصرية، أو حتى الحوار اللغوي عالي البلاغة أو في إيحاءات العنوان ذاته Quills "ريش الكتابة " بالغة الدلالة ، ولعل ما يؤكد ذلك أحد أجمل مشاهد الفيلم حين ينسل المركيز دو ساد خارج زنزانته ويدور بين النزلاء ليقرءوا ما كتبه على ثيابه، فيعاد حبسه في قبو مقيد بالسلاسل عارياً،فهل تأملنا وجهه حينها؟,عيناه؟ارتجاف شفتيه؟لقد كانت مجمل ملامحه ،في الحقبقة، تفضح فشل المجتمع في ترويضه بفضل تصميمه على الكتابة،ليصرخ في وجه الطبيب كولارد مدافعاً عن نفسه " لماذا تفعل بي ذلك ؟سأموت من الوحدة ليس لي رفقة إلا الأشخاص الذين أختلقهم ". فعشقه
للكتابه و شغفه للحرية هو من يخلق له متاعبه ،فعدم تخليه عن مبادئه سيعرضه للعقاب الذي يعني في نظر السلطة محاربة ما أصبح مرادفاً لاسم دو ساد أي الانحراف ( السادية) و الفكر المتحرر حتى بعصور و عقليات ترفض هذا الفكر المتحرر و ورغم حبسه لم تستطع السلطة إطفاء وهجه وتألقه وتدفق أفكاره، "تكمن السعادة في ما يثير ويهيّج، وليس هناك شيء يثير سوى الجريمة، أما الفضيلة، التي هي ليست سوى حالة خمول واستراحة، فإنها لا تفضي إلى السعادة".هكذا يتحدث ،فهو لا يهذي ولا يكتب ليتلهى،بل ليصف هذا العالم المؤذي، ينقله فقط على الورق، يتوسلهم أن يعطوه الأوراق والحبر لأنه سيجن و يموت إن لم يكتب،هذا هو بفجوره و جنونه؛ و يا للهول عندما يترافق الفجور و الجنون مع الشدوذ و يا للروعة عندما يؤطرهم الإبداع..."نعم، لقدركبت المعاصي، و تخّيلت، فيما أكتب،كل ما يمكن تخيّله، لكنني بالتأكيد لم أفعل كل ما تخيّلته ولن أفعل أبداً. أنا فاجر، نعم،لكنني لست مجرماً أو قاتلاً…أنا أكتب عن الحقائق الأبدية العظيمة التي تربطناً معاً كبشر في كل أرجاء العالم.نحن نأكل, نتغوط, نمارس الجنس, نقتل, ونموت ".هكذا يصرخ المركيز الذي يصفه البعض بأنه أكثر العقول حُرّية على الإطلاق!).
ورغم تحذيرنا أن الفيلم لايقدم الحقيقة "العارية" كاملةً،بل يمزج قصة دو ساد بعناصر درامية لأغراض سينمائية بحتة، ‏فيما يشبه ملحمة عن صراع الدين و الروح الطبيعية للإنسان ،ويكمن نجاح هذه"الحدوتة" في اختيار فترة معبنة من حياة الماركيز دو ساد"وجوده في مصحة الأمراض العقلية" لتكون محور القصة حيث يظهر الإنسان بمثل هذه الأماكن على صورته الحقيقة البعيدة عن "الزيف"و إن بدت الصورة متطرفة بعض الشيء بتحول دوساد إلى "حيوان" ناطق بتجول عارياً بدهاليز المصحة يمارس الجنس أمام الملأ.وكأن المخرج يدفعنا عمداً (ولكن بخفة) للإعلان عن موقفنا دوساد كي سواء بأن نتضامن معه فلا نرى قبحه و جريمته أو جرائمه،أو نقف موقف المتشكك بعقله و "إنسانيته"،فنراه فاجراً ،فاسقاً مجرماً. وفي كلتا الحالتين لابد لنا أن نتساءل: لكن مالذي سيوقف دو ساد عن جنونه و من سيكون الضحيه و الجلاد ؟
يقول دو ساد في إحدى رسائله التي بعثها من سجنه إلى زوجته و المؤرخة في تموز/يولية 1777:"يقين أنّ أمّك ترتكب وضاعة أخرى من وضاعاتها عندما تستخدم القضاة لإقناعي بأنّ حريتي مرهونة بإقرار كامل من جانبي بتلك النزعات الهدامة التي نسبت إليّ والتي تعرفينها جيداً. أيّ نصر ستحقّقه بالتهديد والقسر ما يمكن أن تحصل عليه بيسر، وما أعدّه واجباً إعطاؤه عربون شكري وامتناني لها إن كان بمقدوري! .إنّ هذه المرأة فائقة الذكاء، كما يقول الأب دي ساد، لا تدرك أنّ أيّ شيء يوقّعه المرء في سجنه لا يساوي قيمة الورقة التي خُطّ عليها التوقيع. كما أنّها لا تعرف أنّ استرداد المرء لأملاكه عند إطلاق سراحه سيعود بالخذلان على أولئك الذين دُفعوا إلى الحصول عليها، وبالعار على من اتُهموا بالحصول عليها. كم كان من الأفضل أن ترضيني من دون شروط، عندها سأفعل كلّ ما تطلبه من دون إكراه. لكنّ هذا يقتضي نعمة الحساسية والإدراك وهذا ما ليس عندها. فتلك الكلمات ليست في قاموسها....يجعلني الاحترام الذي أكنّه للمفاوض الذي تستغلّه أفعل ما بوسعي. لكن ربما ما سأفعله لن يكون كلّ ما تطلبه. ربما تجهلين يا عزيزتي بعض ما فعلته أنا في هذا المجال. أخيراً، أرجو أن تفهمي بأنني لن أكون ضحيّة تلك الحيل السخيفة والحمقاء والأكاذيب والخدع التي يستخدمونها ضدّي. كما لن أكون ضحيةً لك ولأقربائك والحلفاء الفاتنين لهم...كتبت رسالتين كي أسهّل البحث الأكاديميّ للممتحنين والمختصرين والمعلّقين ومحرّري أسلوبي .فبهذه الوسيلة سيتمكّنون من الانتقاء والاختيار...لاشيء يمكن أن يعبّر عن معاناتي وآلامي عندما أدركت أنني لن أخرج من هنا في نهاية حزيران. لقد طال الأمر! يا الله، ما الذي سأصبح عليه؟ أستدفنني هنا وحشيتهم تلك إلى الأبد؟ اصغي إلي للمرّة الأخيرة. إن امتنعت عن الاستجابة لي والتعاطف معي أقسم بأنني سأنساك ولن أتوجّه إليك بمزيد من كلام. كما أقسم بأنّني سأتركك إلى الأبد عندما أغادر هذا المكان. ثمّة رقم 3 جديد كتبته في الرسالة الثالثة بحبر سرّي ويؤرّخ للثالث والعشرين من أيار. أيعني هذا لك شيئاً، أجيبي بنعم أو بلا؟ .إن كان ذلك يعني أيّ شيء، اخبريني في نهاية رسالتك بالحبر السرّيّ بأنني شخص ذكيّ، وإن كان لا يعني أيّ شيء، انعتيني بالأحمق...ثمّة طريقة خفيّة مناسبة وتستطيعين من خلالها أن تساعديني بشأن ما أطلبه. ويقين لن يعرّضك هذا للشبهة أبداً. تأكّدي إن أخبرتني، لن أنطق بكلمة ولن أبدي انزعاجي بأيّ حال من الأحوال.
وداعاً! امنحيني السكينة ولبي ما طلبت. فأنا بأمسّ الحاجة إليه بعد كلّ ما قاسيته هنا في هذه الأيام. ولا تحاولي إخباري بأنّك لم تستلمي هذه الرسالة. فيقين أنّك تلقيت جميع الرسائل التي بعثت بها إليك. عندما تنكرين أنك استلمتها، فلأنّك لا تريدين أن تستجيبي لما تحتويه. أكتب هذا على نحو آليّ بالأبيض والأسود وأنت تدركين ما أرمي إليه.أي حبيبتي إن استجبت، سأكون ممتناًّ لك مدى الحياة."
لعله من هنا يمكن فهم كلام سارتر السابق عنه الذي يضع في حسبانه التفهم الفلسفي للاشتراطات الأخلاقية باعتبارها أعراف وقيم ذات مصادر مختلفة ومتأرجحة بل ومتباينة من عصر لعصر و من طبقة إلى أخرى،فما هو "أخلاقي"هنا،قد لايكون "أخلاقياً"هناك..وهكذا، بمعنى لايمكننا النظر إلى الأخلاق -وبدرجة مشابهة الدين- على أنها مفهوم عام شامل يستغرق جميع البشر، بل أن ما يشترك به البشر هو المصلحة الذاتية و الجري وراء اللذة". سيأتي فرويد لاحقاً ليسميها "الليبيدو"، وبالتالي كان هم دو ساد كشف و تفكيك السلطة ومنظومتها الأخلاقية و كشف حقيقة سلوكنا اليومي المرتبط بشدة بفحوى غريزتنا الجنسية التي ليس بالضرورة أن يكون هدفها الإنجاب "وهو ما سوف يعارضه فريدريك إنجلز حين يرى أن الهدف الأول للوجود الإنساني هو إنتاج و إعادة إنتاج الحياة". غير ان دو ساد يعترف بأن الرغبة ليست سوى نمط من الهوس ،بيد أنه هوس طبيعي و من خلال كونه طبيعي فالرغبة أيضاً هي رغبة طبيعية.
فالمركيز دو ساد رجل شجاع جرئ متحرر فكريا لا يخاف من الرب نفسه, و يدعو إلى انتقاد الدين بسبب التردي الأخلاقي للمتدينين و الكهنة، وهو فوق كل هذا صاحب قلم لا يهادن . بيد ان دوساد لا يكتفي بانتقاد الممارسات اللأخلاقية للطبقة الدينية بل هو لا يحترم تقاليدهم و عاداتهم فيتخول سلوكه إلى حالة جنسية مفرطة ،عدائية وعدوانية يعزوها البعض إلى رغبة عميقة لديه تريد لصوته أن يكون صرخة احتجاج بالغة القوة في عصر كان تسيطر عليه الافكار البرجوازية عن نقاء العرق وتقنين كل شيء،بما في ذلك الفعل الجنسي.
فالسلوك السادي هنا عبارة عن احتجاج يتجلى في قدرة صاحبه على فتح كوة في جدار الرقابة المُصمت وابتكار وسائل وأدوات وحيل وطرق وأساليب تُعْجِزُ الرقيب وتُؤكّد أنّ الكلمة النهائية هي للمقاومة ولحريّة الكلمة التي تتطلّع إلى كسر قيودها والتسلّل بعيداً عن عيون الرقابة، وبالأخص رجل الدين (الكاهن فرانسوا)، رجل الرب الذي يراقب كلمات المركيز وهمساته و سكناته بصورة سلبية مثيرة للضجر دون أن يحرك ساكناً.كل ما يستطيع فعله هو ترديد عبارة " تذكر أخلاقك "على أناس فاقدين للمعنى الاصطلاحي للأخلاق.
عند هذه الومضة ،وفي غفلة من السلطة ورقابتها و في غرفة فخمة لا تمت للمصحة بصلة وجد المركيز ضالته فبدل أن يتخيل شخصيات فقدت إنسانيتها أصبح يشاهدها على حقيقتها من نافذة صغيرة مستمتعاً بما يرى فيتناول ريشته و يكتب ما يرى: يكتب عن الجنس وعن الشذوذ وعن عنف الإنسان وعن حقيقته .
‏يعرض الفيلم ،في مستوى آخر، سلوك السلطة ضيقة الأفق فنرى كيف نصح المستشار دولبونيه نابليون بالقضاء على المشكلة من جذورها ،أي بمنع دو ساد من الكتابة ومصادرة أوراقه وريش كتابته وأحباره والطلب من فرانسوا تشديد الرقابة على المركيز..وهذا ما حصل، ولكن هذه المصادرة حرَّضتْ لدى المركيز ردَّ فعل عنيفا فما لبث أن ابتكر حيلةً أُخرى مبرهناً أنه لا توجد قوّة يمكن أن تمنع الكاتب من الكتابة. قام دو ساد بتحويل وجبة طعامٍ قُدِّمتْ له إلى ريشٍ للكتابة وأحبار اصطناعية بعد أن نشر عظمة الدجاجة وجعل منها ريشته وحوَّل النبيذ حِبراً وغطاء المائدة أوراقاً لروايته التي استكاع تسريبها كالعادة عبر مادلين.و ما إن علمت السلطات بصدور عمله الجديد حتى فرضت عليه المزيد من الرقابة .ولكنه لايعجز عن تحويل أثاث غرفته إلى ريش كتابة وإلى دمه حبر كتابة وإلى ثيابه ليخط عليها ماتجود به قريحته. فيكون الحل بتركه عارياً،وحيداً يصارع جدران زنزانته بعد اكتشاف تواطؤ مادلين في تهريب مخطوطاته التي عوقبت بالجلد ومنعت من الاقتراب من زنزانته. وهنا نصل إلى أعظم ما تكون المشاهد السينمائية أداءً و روعة، فنرى المركيز يملي نصه الجديد و الأخير بطريقة غير مباشرة على مادلين فهو لا يكتب بدمه أو بالنبيذ ،و لا يمليها النص مباشرة نظراً لأنه لم يعد مسموح لها الاقتراب من زنزانته ،بل ابتكر حيلةً جديدة بأن يتوسط مجموعة من المرضى الذين شكَّلوا سلسلة من حملة الرسائل الشفهية حيث قام المركيز بصنع ثقب في الجدار وأمر جميع النزلاء بصنع ثقوب في جدران زنزاناتهم وهكذا وصولاً لغرفة مادلين ويقوم كل نزيل بنقل عبارته إلى جاره في الزنزانة وهذا ينقلها إلى جاره الآخر إلى أن تصل في النهاية إلى مادلين لتقوم بكتابتها. ويعبر المركيز عن رضاه بالقول" نثري المجيد يمر عبر عقول المجانين إنهم قد يحسنونه ".
‏يُعتبر هذا أحد أجمل مشاهد الفيلم حيث كثيراً ما كان الكلام المنقول يتبدّل ويتحوّر ويضاف عليه وفق مخيّلاتٍ المرضى المزيد من التشويق والإثارة لبتحول إلى منجز جماعي من إبداع خيالات خلاقة لنزلاء مصحة عقلية فيبادر آخر ناقل منهم (وبتأثير الشبق الداعر) بمهاجمة مادلين محاولاً اغتصابها، بينما يقوم آخر(وبتأثير مباشر من النص المتناقل) بإشعال النيران ،ليتحول المكان إلى مسرح كاشف للخقيقة المستورة ، فما كان ينتجه خيال دوساد تحول في لحظات إلى وقائع على الأرض : نار تخرق ما حولها،شبق يقود لاغتصاب جسد شهي،مضاجعة أمام الملأ، جنس جماعي من خلال مشاهد تبين البشر بأقبح صورهم.
‏ولكن لن يتوقف الأمر هنا -وهنا ذروة الإثارة -فبعد سماع صراخ مادلين ينهض فرانسوا للبحث عنها بطريقة جنونية بين نزلاء المصحة الذين يقومون بممارسة الجنس هنا و الاغتصاب هناك ،ويهرع كذلك الطبيب ولكن ليستمتع بما يشاهد ،فيرى مادلين إلا أنه لا يقرر إنقاذها بل ينظر مستمتعاً و يغلق الباب لتُقتل مادلين وتغرق في دمها(لينكشف الطبيب كولارد على حقيقته كوحش على هيئة بشر . ولايغيب عن بالنا أنه متزوج من فتاة تصغره سناً بكثير ويضاجعها بطريقة وحشية خالية من الإنسانية التي يتلطى خلفها،وهو لن ينسى منظر زوجته وتعابير وجهها حين اكتشف أنها تقرأ ما يكتبه دوساد -وهي المسيحية التقية التي ترعرت في دير وتحفظ الإنجيل-،ولعل أكثر ما أثاره أن زوجته تمتلك تلك الغرائز و الروح الطبيعية للإنسان).
‏وبموت مادلين تنفجر غرائز فرانسوا وتطغى على أخلاقياته وعلى تربيته اللاهوتية،فيظهر الجانب المخيف منه(أليس هذا انتصار لأفكار دوساد؟) ،تظهر روحه الخقيقية الطبيعية بعيداً عن الدين و الأخلاق ليقوم بتعذيب المركيز لانه يرى فيه سبب موت مادلين و قتلها فيقطع لسانه (أليس لسان المركيز سبب انخرافه؟أليس لسانه من كان يهمم لالكلمات التي أخبتنا مادلين؟ففقدت،بالتالي، برائتها؟). ومن السهل القول هنا أن فرانسوا أعجب بأسلوب دوساد وصار يحلم بمضاجعة مادلين متحرِّراً شيئاً فشيئاً من تزمّته الدينيّ وتشدُّده الأخلاقيّ، وسيتحول إلى أحد أتباع المركيز ليأخذ مكانه(بعد موته) ، إلا أنه بتحميله مسؤولية قتل مادلين فقد كان لابد من إسكاته وما قطع لسان المركيز سوى معادل للتخلص من آخر ريش دوساد.
‏وهكذا ينتهي الأمر بالمركيز عاريا في زنزانةٍ عارية، مقطوع اللسان، ووحيداً بعد موت المرأة التي تواطأت معه على مقاومة الرقابة، تأخذ صحة المركيز بالتدهور شيئاً فشيئاً، ولكنه يؤكّد عندها من جديد أن بإمكانه أن يخدع الرقابة مرة أخرى فيستخدم يده كريشة كتابة وبرازه كحبر وجدران زنزانته كصفحات لقصته الجديدة..يحاول فرانسوا بعد مضي الوقت التقرب من المركيز، بعد أن فقد مادلين وبعد أن يئس من قدرة ربّه على إصلاح روح الماركيز ، يحاول فرانسوا في محاولةٍ أخيرة أن يقدح ضوء الإيمان في قلب المركيز فيقدّم له الصليب كطريق التوبة ،ولكن دوساد ،القوي حتى في أضعف حالاته لايرى الإيمان على هءه الصورة فما إن يقرب فرانسوا من شفتيه حتى يبتلعه منتحراً ليتحدى أية رقابة محتمله على روحه وعقله.
يموت دوساد،تتلاشى قوته ويفنى جسده،لكنه ترك خلفه تابعاً وفياً يؤمن بقوة الكلمة ويسخر من بؤس الرقابة،فها هو فرانسوا يسير على خطى معلمه متحرراً من الرقابة الدينية المنغلقة ليتفجر معبراً عن حريته و مجونه ويترك قناعاته الدينية لغيره من الضعفاء.
ومن المشاهد التي لا تُنسى حلم فرانسوا لما يحتويه من صدمات بصرية ،فحين يبدأ الحلم سلساً ،جميلاً،سرعان ما يتبدد هذا الجمال و يتحول إلى رعب لرؤيته نفسه يضاجع مادلين الميتة هناك فوق قبب الكنيسة،وتنتقل لنا صورة المشهد من أعلى ، فتبدو جثة مادلين كأننا حية وبدأت تدب فيها الروح من جديد فتستجيب لمداعبة فرانسوا ثم فجأة يظهر المسيح يبكي دماً و مادلين ميته و ملطخة بالدماء .وليس هذا هو المشهد الوحيد الذي أحاد الفيلم تصويره،فهناك عدة لقطات يمكن تصنيفها من بين أفضل المشاهد السينمائية ليس لخروجها عن المألوف أو لاستخدامها تقنية جديدة ، بل لمصداقيتها و نقلها كما أرادها الكاتب مثل مشهد الليلة الأخيرة،فقد كان مخيفاً وسوادياً بكل لحظاته. تلك الصور المخيفة عن الإنسان تجعل المشاهد متسمراً لمتابعة مرور هذه الدقائق الصعبة حيث هناك من يمارس الجنس بطريقة مقززة و هناك من استغل اشتعال النار لمصالح شخصية سواء الهرب أو القتل أو التكتم على أمر ما. ويتحاوب السبناريو مع شدة الألم هذه التي تجرد الإنسان من إنسانيته و يظهره على حقيقته مخيفاً و مقززاً بتلك الصور من الأفكار الجنسية على تلك الشاكلة .وقد سار المؤلف كما يبدو على نهج دو ساد ذاته سواء بدراسة النفس البشرية أو الجنسية و كأنه يريد التأكيد على الفكرة الرئيسية للفيلم : ليس كل نزيل مصحة نفسية يعد مجنوناً بطريقة ما أو كما نتخيلهم ،فالبعض منهم ذواقون لكلمات دوساد وعوالمه الماجنة المتحررة .ويبدو أن المؤلف أراد القيام "بتكريم" دوساد و رد الاعتبار له بشكل أو بآخر فبعد كل هذه السنوات من موته أصبحنا نشاهد السادية تقتحم الأعمال الفنية سواء كانت الرواية أو السينمائية .و لا يكف المخرج فيليب كوفمان عن التأكيد على مقولة المؤلف الجوهرية: "الجنون" فالجنون ،أي الجنون الحقيقي هو شيء يختلف ربما عن الصورة النمطية للجنون التي يتخيلها معظمنا والمرتبط بالنفاق الاجتماعي السائد دون مراعاة لتلك الجوانب المدفونة في أعماقنا و التي لو أتيح لها الظهور لظهرنا كلنا مجانين و فاجرين بطريقة أو بأخرى .ورغم أن الفيلم طويل نسبياً إلا أنه ليس مملاً ،تجذبنا البلاغة المفرطة واللغة السحرية الشعرية الرنانة و الحواريات التي تخاطب روحنا وجسدنا بآن معاً وتقترب بنا أكثر لنصبح شركاء في سردية بصرية حول النزعات الجنسية و الجنون والدين و الرياء المجتمعي ، ويزيد من متعة الفرجة موسيقا الفيلم الجذابة و الأزياء البديعة والأداء المتميز للممثلين، فقد أجاد جيفري راش بلعب دور دو ساد من حيث ارتجال الدور بشكل متوافق مع شخصية دو ساد مما رفع كثيراً من سويّة الفيلم وقد زاد تشويقاً و إثارة براعته المذهلة في تقمصه الغرائبي لجنون دو ساد بمهنية عالية ،إن أي ممثل لن يجد الجرأة لديه للعب دور دوساد ،إلا أن جيفري روش كسر جميع التوقعات، فما قام به كان أداء يلامس السماء وهو يجسد المركيز دو ساد في جنونه و صعلكته و ثورته و عجرفته بالإضافة إلى الجانب الجنسي المخيف بشخصية دو ساد ، فضلاً عن الأداء المميز لخواكين فينيكس بدور فرانسوا و قدرته على إتقان الأدوار الباطنية-النفسية، أما كيت وينسلت التي لعبت دور مادليت فقد أظهرت براعة مميزة لاسيما تلك الإيحاءات العميقة التي اقنعتنا بمساندتها للمركيز دوساد،ولاننسى إيغيل كين الذي استطاع ان يظهر قدرة عالية في تقمص دور طبيب شرير يستمتع بالتعذيب ويتلذذ به .
ثمة كثير من الأسئلة ستلقي بثقلها علينا ؛لاسيما ما يتعلق بالتحول الدرامي المدهش للراهب الشاب، فبعد أن كان يرفض مايكتبه دوساد يجب نفسه غارقاً بما كان ينهى عنه، لتظهر -بعد عدة سنوات- الحقيقة عارية كعري المركيز، فما يبعث الأمل"المخادع"عند المشاهد هو رؤية شخصية تدعو لكل ما هو مفعم بالإنسانية طوال الفيلم. لقدكان فرانسوا الشخصية الوحيدة التي تبعث الأمل للمشاهد ، إلا أن جنونه في نهاية المطاف و جريمته و أحلامه المقززة أظهرت حقيقته .ومن هنا كانت شخصية فرانسوا إضافة جميلة بل أنها لب الفيلم بجانب شخصية المركيز دو ساد، ولايمكن إضافة شخصية كهذه في قوام تجربة المركيز دون أن يقوم من أبدعها بقراءة مكثفة للمركيز دو ساد ليضيف شخصية مثل هذه.
‏ ‏ونعود للسؤال الافتتاحي،هل حقاً يكتب دو ساد عن الحقائق قبل أن ينزلق به الحال نحو الجنون؟
‏يقال ان قمة السعادة تكمن في قدرتنا على التخيل ،ولهذا يقول دوساد"نعم، لقد كنت ماجناً وارتكبت الفظائع، وتخيّلت في كتاباتي كل ما يُمكن تخيّله. لكنني بالتأكيد لم أفعل كل ما تخيّلته، ولن أفعل أبدًا. أنا ماجن، لكنني لستُ مُجرماً".فإن كان الأمر كذلك ،هل نقل لنا المخرج هذه الجزئية؟ واقع الحال التاريخي يشير إلى أن دو ساد مجرم.. لقد كان مجرماً ومداناً من قبل المجتمع، ارتكب الكثير من الجرائم "لاسيما الجنسية"تلك التي وصفها بكتاباته ،أمضى جزء من سنين عمره متنقلاً بين السجون بتهم متنوعة ليس أقلها جرائم الفحش والهرطقة ،فضلاً عن حالات اغتصاب الخادمات والعاهرات وتعذيب خدمه ،وحتى في السجن لم تنج من فجوره ابنة أحد موظفي المصحة.ورغم كل هذه التفاصيل التاريخية يوقعنا المخرح في حيرة حين نجد أنفسنا منساقين للتعاطف مع المركيز دو ساد، فما نشاهده هو عذاب وألم دو ساد بسبب منعه من الكتابة،ويبدو كأنه غير مؤذ ،فزوجته تزوره و تهتم بشأنه ،حتى الراهب تعامل معه بطريقة توحي بمظلوميته رغم هرطقته وجهره بمعاداة الكنيسة ...ثم من منا سينسى مادلين الجميلة،المظلومة؟
‏"مادلين ..مادلين ..مادلين ”.اسمٌ سيتردد صداه في أروقة شارنتون مرتحلاً إلينا عبر أفواه المجانين .سيبقى اسم مادلين عالقاً في ذاكرتنا لبعض الوقت مندهشين من صدق ما تحس به إزاء تلك الأشياء التي لامست شيء ما لديها وهي تقرأ روايات المركيز، فهي تعشق ما يكتب ، تسافر مع شخصياته،فحين يكتب عن عاهرة تتخيل أنها هي و حين يكتب عن سفاحة تتخيل نفسها تلك السفاحة؛ يغويها و يغريها هذا الأرستقراطي المجنون الماجن العاشق للأدب الذي ضحى بكل شيء من أجل فكرة الحرية.
ألم يكن هو من قال "هل يلام السارق على سرقاته ،لا أحد يقدر أن يلومني على حريتي وأفكاري ..هي جزء مني"