سانت كاترين … هنا نُصلّي معًا

فاطمة ناعوت
2018 / 10 / 23




لو أمسكتْ مصرُ قلمًا وورقة لتكتب تاريخَها العريق، هل تُراها عسراءُ؛ تكتب باليسرى؟ هكذا أراها دائمًا. ليس تحيّزًا للعسراوت مثلي، بل لأن يُمناها مشغولةٌ بتشييد الأثر الخالد الذي عَبَرَ الأزمانَ وجابَ مجدُه الأمكنةَ يصنعُ الحضارةَ ويؤرّخ للخُلد والفرادة.
نخلعُ نِعالنا، لنصلّي معًا. فنحن بالوادي المقدّس الذي باركته السماءُ. نخلعُ نِعالَ الطائفية والإقصاء. ونقفُ في حضرة الله نعتذرُ إليه تعالى عن كلّ نقطة دمٍ أهدرتها الطائفيةُ البغيضةُ على أرضنا الطيبة. نقفُ ها هنا، في باحة دير سانت كاترين لنُصلّي معًا على اختلاف عقائدنا وأعراقنا. نُرحّب بوفود العالم من سفراء وقناصلة ووزراء، جاءوا ضيوفًا على مصر ليشهدوا أثرًا مصريًّا من أقدم خوالد الدنيا، في ضيافة اللواء أركان حرب خالد فودة، محافظ جنوب سيناء، ود. خالد العناني، أستاذ علم المصريات ووزير الآثار، ود. محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المثقف، والأب ديمتري ديميانوس مطران الدير اليوناني المصري، على شرف مؤتمر السلام العالمي الذي أشرق من مذبح الدير على وجه الأرض. جئنا لنشهد على فرادة مصرَ التي خَصَّها اللهُ بما يليقُ بها من خصوصية واستثناء. مصر التي كتبت السَّطرَ الأولَ في كتاب التاريخ، تحملُ مِسطرةَ مهندس، وإزميلَ نحّاتٍ، وريشةَ رسّامٍ، وقيثارةَ موسيقيٍّ، وقلبَ شاعرٍ لا يعرف إلا الحبَّ والخيرَ والجمال. وعلى ظهرها مِخلاةٌ من الكتّان المصري داخلها ورقةُ بردي مُدوّنٌ عليها معادلاتِ تركيب إكسير الخلود وحجر الفلاسفة، وفوق رأسها كان كتاب. كتابُ الحياة والخروج إلى النهار. وكان على مصرَ نهارٌ، فكان على الدنيا نهار. ها هي مصرُ تحمل مشعل نور يفيض على الأرض بالسلام والسماحة. أسجِّل على التاريخ اليوم أنني أشهد لحظة إطلاق "ميثاق سانت كاترين للسلام العالمي"، الذي يؤكد على أن "السلام" رسالةُ الأديان كافّة ووصيةُ الله للإنسان. وأن لا أمن ولا استقرار ولا بناء ولا حضارة إلا حيث يعمُّ السلامُ العادل. ننشدُ السلامَ الذي يقضي باحترام آدمية الإنسان كونه إنسانًا، إيًّا كان دينه أو عِرقه. نباركُ السلامَ الذي يأمر بحق الإنسان الأصيل في العيش الآمن على أرضه. السلام الذي ينصُّ على احترام مبدأ المواطنة المتكافئة وإعلاء شأن الدولة المدنية التي لا تعرف العصبيات العرقية أو الدينية أو المذهبية، تلك التي تدمّر الشعوب وتطوي الحضارات. السلامُ خصيمُ فيروس الإرهاب الذي يجوب الجغرافيات والحدود يهدد البشرية ويطعن خصر المنجز الحضاري. وليس من سبيل للتخلص من ذلك الفيروس القاتل إلا باتحاد جميع بني الإنسان يدًا واحدة قوية تقفُ في وجه داعميه ومموليه وحاضنيه، خصوم البشرية أرباب الظلام الذين يكونون هم، أولى ضحاياه، ولكنهم لا يعقلون.
جاءت وفود العالم لتملأ عيونَها من حُسن مصرَ التي أشرق في واديها فجرُ الضمير الإنساني ، وغُزلت في باحتها أولى حضارات الأرض. فالحضاراتُ تنشأ حيث ينشأ الضميرُ. وكان مولدُ الضمير في بلادنا، وكان أولُ شعاعٍ من صبح الحضارة هنا في تلك الأرض الشريفة: مصر. لهذا نحن هنا اليومَ في أحد نهارات شهر أكتوبر الخريفية؛ نُطلقُ يدً بيضاء ناصعةً تلوّح بالسلام لكل الأرض، فكيف لا يكون سلامٌ في قلبِها وبين قلوب بنيها؟
نقفُ على الأرض المقدسة التي خلّدها الكتاب بقوله: "اخلع نعليك فإنك بالوادي المقدس طوى". الوادي الشريف الذي وطأه الأنبياءُ والرسلُ ليغدو حاضنةًا للعقائد والمذهبيات تضمُّ آثار العقائد السماوية الثلاث. نرفعُ وجوهَنا للسماء نُمجّدُ الَله ونشكر فضله على مصر أمام جبل موسى الذي من فوقه ناجى النبيُّ ربَّه وتلقّى وصاياه. من وراءنا شجرة "العُلّيقة" التي اشتعلت بالنور والنار لتدلّ موسى إلى حديث الله ولم تحترق. وعلى مرمى حجر يقف أنيقًا وطيبًا دير القديسة كاترين الذي يحجُّ إليه مسيحيو العالم، وترعاه قبائلُ مسلمةٌ من شرفاء المصريين، ويحتضن بين جدرانه الجامعَ الفاطميّ.
أُشير إلى الدير وأهمس لمن حولي، هذا هرمٌ من أهرامات مصر الاستثنائية بحضارتها؛ التي لو تعلّمها النشءُ، لعرفوا أيَّ شرفٍ يحملون، ولاجتهدوا أن يكونوا أفضل شباب العالم وأكثرهم علمًا وتحضرًا وتسامحًا. طوبى لصُناع السلام.
***