Her: جدلية التجسيد و التجريد في الاقتران الإنساني-الرقمي

محمود الصباغ
2018 / 10 / 22

سأبدأ ليس من البداية و لا من النهاية , بل من نقطة بين بين ,من لقاء ثيودور بزوجته "السابقة" كاثرين ,لاستكمال قضية طلاقهما. حين يخبرها في سياق الحديث أنه تعرف على"سامانثا" و أنه سعيد بعلاقته معها (سامانثا ليس شخصا ,بل تطبيق رقمي ذكي) .فتبدي كاثرين استهجانها من الفكرة (وربما الغيرة أيضا فتعابير وجهها تكاد تشي بذلك) وتقول له -بلغة متحاملة بعض الشيء -لكنها ليست سوى برنامج في حاسوب, (وهذا يعني ضمنا انهيار بنيان سامانثا الكامل أمام ناظري ثيودور) ,ثم تتابع " أظن كنت تريدني دائما أن أكون هكذا .وأجيبك -كزوجة-كل شيء على ما يرام،ولكني لست كذلك ".." رغبتَ دائما بزوجة دون أن يكلفك ذلك التعامل مع أشياء حقيقية, وأنا مسرورة لأنك وجدت ما تريد, من الجيد أن تسير الأمور معك الأمور بصورة جيدة ".
في الواقع قامت كاثرين هنا بتقديم أهم تفصيل في شخصية ثيودور , كشخص يخاف من التحديات الحقيقية ,وهذه الرؤية تماثل -بطريقة ما تصورات ثيودور عن سامانثا.
فمن هي كاثرين ؟من هو ثيودور؟ ومن هي سامانثا؟
ثيودور رجل في العقد الثالث أو الرابع من عمره ,يعيش وحيدا بعد أن انفصل للتو عن زوجته .يعمل في مهنة تبدو غريبة بعض الشيء فهو يكتب رسائل "بالوكالة" , ينوب عن الناس بكتابة رسائل لأحبتهم.
يظهر ثيودور في اللقطة الافتتاحية كمن يبحث عن شيء ما و كأنه غير متأكد عما يبحث،غير أن الصورة المقربة له و اهتمامه يوحي لنا كأنه شيء هام . من هنا يتركنا المخرج -سبايك جونز- مع خيالنا للوصول إلى توليفة مناسبة كي نفهم من هو ثيودور و ما هي حكايته بالضبط .
يبدأ الحوار بحديث هادئ عن الحب نكتشف فيه قدرات ثيودور على صياغة الجمل التعبيرية حين يملي رسالة تطلبها سيدة لذكرى زواجها الخمسين , "فجأة أتاني ذاك النور الساطع ليوقظني".."هذا النور أنت"،وحيثما تنتقل الكاميرة معه نجد الناس يتجولون دون هدف يحدقون بشاشات أجهزتهم و يتحدثون عبرها مع آخرين غير مرئيين , يضحكون, يعبسون و يندهشون, يتخذون مظهرا جدياً أو هزلياً ,ولكن الأهم من ذلك, نادراً ما يتكلمون مع بعضهم البعض , وحتى عمل ثيودور يأتي ضمن هذا السياق , فالجميع افتقد الاهتمام بالنشاط الاجتماعي وباتوا يطلبون من غيرهم كتابة رسائلهم"المثقلة بفيض العواطف".
ثيودور أحد هؤلاء ,لاسيما بعد انفصاله عن زوجته وهروبه من واقعه بالابتعاد عن الناس-باستثناء صديقته القديمة إيمي و زوجها- متجنباً القضايا الحقيقية التي ينبغي عليه التعامل معها, مثل طفل يغمض عينيه معتقداً أنه بذلك لن يراه أحد. ويرفض حقيقة أن زواجه قد انتهى فيظهر طوال الوقت يركز على مايمنحه إشباعاً فورياً عبر طرق سهلة مثل أحلامه عن كاثرين و ابنتهما. وإمعاناً في الهرب يمارس لعبة فيديو مملة تصوّر مخلوقًا يتسلق تلة. لا شيء سوى التسلق اللامحدود للتل، في استحضار واضح لسيزيف ورمزيته. في الحقيقة هذه اللعبة المضجرة تعبر ضمناً عن حياة ثيودور نفسه: اللامعنى و اللاجدوى و الانطواء .
ذات يوم يلفت انتباه ثيودور إعلان عن تطبيق رقمي ,يثيره أسلوب الإعلان عن التطبيق الذي "يستمع إليك, يفهمك و يعرفك".فيبادر إلى شرائه على الفور و يقوم بتحميله على حاسوبه و وضع الإعدادات المناسبة و يختار صوتاً أنثوياً له حيث سيلتقي بمن سوف تعرّف عن حالها لاحقاً على "أنها" سامانثا و أنها أحدث نسخة من أنظمة الذكاء الاصطناعي, وهذا الأمر يجعلنا نفكر ما إذا كانت العلاقات الإنسانية ، أو الحاجة إلى التواصل الإنساني يمكن أن تتحول إلى بيانات رقمية جافة تجرفنا معها في تعقيدات العالم الافتراضي الذي أصبح لصيقاً بنا حتى لو كان عمق التجربة الإنسانية غير قابل للاختزال بسلسلة من الأرقام و الأصفار ,وهذا ما سيكتشفه ثيودور بعد تعرفه على سامانثا "التطبيق الرقمي", فتصبح التكنولوجيا الرقمية بديلاً عن التواصل الإنساني. وليس من السهل علينا أن نتخيل كيف يمكن لنظام تشغيل تعويض التفاعل الإنساني الذي كان ثيودور في أمس الحاجة إليه. فالعلاقة الإنسانية في نهاية المطاف لا تتعلق فقط بطريقة تكيف شخص ما مع شخص آخر , إنما بدرجة تطورهما معاً (التكيف كحالة خاصة للتطور وفقا للمبادئ الداروينية).من هنا تطرح سامانثا نفسها بديلاً "لا يمكن رفضه" لملء حياة ثيودور بما يجلب له السعادة و المتعة أي العاطفة و الإثارة الجنسية و حتى الألم. وكل ما تقوم به هو سليم و منطقي(طبعاً على الصعيد الرقمي) , وهي تتساءل باستمرار و تتعلم أشياء عن الكون و البشر , الأمر الذي يجلب المتعة لثيودور فينخرط في علاقة "جدية" "معها".و حيث أننا اعتدنا-تقليدياً-ربط الجنس بالجندر, فنحن نتوقع بالتالي أن يكون الذكر مذكراً و الأنثى مؤنثة, ولكن سامانثا ليس لها جسد- "جنس"ومن غير الممكن-بحكم طبيعة الأشياء-أن تمتلك جسداً أو بالأحرى "جنسانية " ما .وإذن ليس ثمة تعيين بيولوجي و-أو فيزيولوجي لسامانثا,فهي كتطبيق رقمي يمكن أن تكون أي شيء,ولا يغيب عن بالنا أن ثيودور هو من اختار أن يكون صوت التطبيق أنثوياً,مما أعطاها مساحة كافية تتحكم فيها في طريقة تفاعلها مع الآخرين -أو على الأقل ثيودور و أصدقائه-.وبما أننا ,ضمن حدود ثقافتنا الحالية , نستطيع تعيين ما يجب أن تكون عليه أفكارنا و مشاعرنا و سلوكياتنا المتوقعة -بمعنى إذا كان المعطى ذكرا، فمن المتوقع تماشي هذا السلوك وتلك المشاعر مع ما هو مناسب لإظهار الذكورة ؛والعكس إذا كان المعطى أنثى- فمن المتوقع أن تعكس تفاعلات سامانثا مع ثيودور قدرتها على تبني وإظهار السلوكيات المناسبة للجندر الأنثوي. سواء كانت تفاعلها بهذه الطريقة مع البشر أم أنظمة تشغيل .
تظهر سامانثا كجندر مؤنث فعلا ,وتقوم جملة تفاعلاتها الرمزية مع ثيودور ومحيطه الإنساني بتحديد هويتها الجنسانية ؛ الوضوح الجندري هنا هو ما يعطي معظم الشخصيات انفتاحاً نسبياً وقبولاً للجنس الآخر (كواقع و ليس كتخيل),فيقول ثيودور مثلاً صراحةً لزميل له في العمل أنه يشاهد الكثير من الصور الإباحية ,كما تبدو الدردشات الجنسية طبيعية و "حرة" وغير مقيدة. وهو ما تؤكده سامانثا بقولها أن معظمنا قادر على تطوير شعور خاص بالنوع الاجتماعي الذي يرغب فيه من خلال تفاعله وعلاقته مع الآخرين عبر شبكته الرقمية ,والهدف من ذلك تعطيل أي خوف وجودي قد ينشأ من كوننا منعزلين أو وحيدين .ولا يحتاج الأمر لصعوبة كي نفهم وجهة نظر سامانثا هذه ,فكما يقول "جيل دولوز" (لا يحتاج المرء أن يكون فيلسوفا كي يقرأ الفلسفة).غير أننا سنرى أن حجة سامانثا هذه لن تصمد طويلاً, فهي في النهاية كتطبيق اصطناعي ستكون ملكاً لمن يدفع ثمنه, وطالما أن ثيودور دفع فهي عملياً ملكه, أو بمعنى أدق جزء من ممتلكاته .
"الجنسانية" كتصور و تعريف و محتوى هي مقاربة أبوية في سياقات ذكورية حيث الذات الجنسية مقيدة للغاية،الأمر الذي يجعل سامانثا تتخذ سلوكاً متعرجاً لتظهر بتلك الهيئة "غير التقليدية" التي رآها فيها ثيودور. بغض النظر عن إمكانيات سامانثا وتطورها و اتخاذها المظهر البشري-؛ لكن الأمر ليس على هذه الدرجة من الاستواء البساطة ,فسامانثا مثلها مثل أي تطبيق تخضع أيضا لسيطرة مطوريها باعتبارها تطبيق رقمي وهي تعتمد في ذكائها على قدرتهم وسعة أفقهم لتحديثها و ترقيتها كلما تطلب الأمر , وتعكس تجرية سامانثا هذه في أحد أوجهها القلق الوجودي الجماعي المرتبط بالفقد الذي ازدادت حدته بعصرنا الرقمي .
وفي حين يصعب علينا استيعاب علاقتها بثيودور، سوف يسهّل الإخراج السينمائي علينا الاعتقاد بإمكانية مثل هذه العلاقة .وهنا تظهر أولى المفارقات ,فثيودور يكن حباً عميقاً لزوجته و يرغب بكل صدق في استعادتها ,ومع ذلك لا يمانع من القيام بعلاقات مع أخريات حتى لو كنَّ على هيئة تطبيق رقمي مثل سامانثا (لنتذكر ما قالت كاثرين عنه باعتباره غير قادر على الالتزام بعلاقة ما) , ومع تقدم الأحداث يتفاعل ثيودور مع سامانثا و تتكشف تدريجياً قصة حب غريبة بينهما ,ليس بأقل غرابه من تاريخ علاقاته الفاشلة مع النساء التي تنتمي إلى العالم الواقعي ,إلا أن تجربته مع سامانثا ذات نكهة مختلفة فهي تدور في العالم الافتراضي وهذا أحد مظاهر مفهوم التطور الذي نرى فيه كيف يمكن للعلاقات أن تتغير سواء في المجتمع أو الأفراد الذين يمثلهم ثيودور.
هل يمكن لسيناريو كهذا أن يحدث؟ هل يمكن لأي تطبيق رقمي متطور أن يمتلك وعيا ذاتيا بحيث يتجاوز وعينا ؟ إذا كانت الحقائق المطلقة مازالت عصية على الإنسان فهل يمكن أن تجيب التكنولوجيا -مع الوقت- عن هذا السؤال؟ ففي عالم كهذا نعيش فيه حالات "التفرد" بصورة عالية يمكن للذكاء الاصطناعي في لحظة ما أن يحجز حريتنا و يستعبدنا.
قرأت ذات مرة أن غوغل تقوم بتطوير دراسات عما يسمى "البحث التحادثي" وهي آلية تسمح للشخص ليس فقط بطرح سؤال على محرك البحث, بل يمكنه متابعة طرح سياق الأسئلة , فمثلاً إذا سألت غوغل عن نجيب محفوظ فسوف يخبرك من هو و إذا تابعت السؤال مستفسراً من أي بلد هو سيخبرك غوغل بأنه ولد في حي الجمالية في القاهرة دون الحاجة لتكرار اسمه مرة ثانية .
وغوغل -مثله مثل سامانثا-ليس سوى واجهة , شاشة مضيئة حيث لا وجه و لا عيون ,فسامانثا مهما حاولت أن تبدي من مشاعر فلا يمكنها أن ترتجف من اللذة أو أن تعض على شفتها السفلى كإشارة إلى إغواء أو ارتعاش داخلي ,بعكس ثيودور القادر على التعبير عن مثل هذا الانفعالات أو التفاعلات أو الأنشطة ,وربما من هنا أيقن أنه لن يستطيع الاحتفاظ بها إلى الأبد ,بما يؤكد من ناحية أخرى وجهة نظر كاثرين بأنه لا يستطيع التعامل مع العاطفة الحقيقية في الحياة , ولعل هذا هو أحد اسباب تعلقه بسامانثا أيضا. لكن فضول سامانثا لا يتوقف هنا , بل سرعان ما يتطور إلى ما وراء الخبرات الحسية المشتركة مع البشر ، وبدأت تفكر بمنطق فلسفي أكثر عمقاً و تجريداً ،للوصول إلى الإشباع الفكري والعاطفي الذي تسعى لتقديمه لثيودور، وعند هذه اللحظة صار لزاماً عليهما مواجهة احتمال خسارتهما لبعضهما البعض فتشرع سامانثا في رحلتها الخاصة لاكتشاف الذات.
وهذا أحد رسائل معاني , ففي الواقع ,لم يتم بناء أنظمة التشغيل لتكون مثل الناس لأنها من المفترض أن تعمل في فضاء رقمي افتراضي ، وليس داخل مادة ثابتة مثل جسم الإنسان. وبالتالي لا يمكنها امتلاك القدرة على تجربة المشاعر التي لا يمكن اختزالها إلى مدخلات و مخرجات رقيمة بنمط خوارزميات على مبدأ : إذا حدث هذا ,فسيحدث هذا. وإذا لم يحدث هذا سيحدث ذلك.
لم يتعلم البشر بعد أن يفصلوا وعيهم عن صورتهم أو صورهم المادية , وتكشف أنظمة التشغيل كيفية القيام -رقمياً-بتشكيل وعي منفصل عن المادة .في نفس الوقت ، يلاحظ الفيلم مدى سهولة استبدال التفاعل البشري الحقيقي من خلال التكنولوجيا أو حتى التعرف عليه بصورة خاطئة فعندما "يشتري" ثيودور سامانثا ، يبدو من الواضح تمامًا أنه يبحث عن شيء ما ، أو شخص ما، حتى لو كان افتراضياً، لتجنب التواصل مع المحيط الخارجي. وهو يدرك -وإن كان بصورة ملتبسة -مخاطر التعامل مع مثل هذا النوع من التطبيقات الرقمية ؛ وبالتالي يفشل في تعرفه على الطريقة المناسبة "لاستهلاك" علاقته بسامانثا.فما يشعر به (كالحب مثلاً) هو في الحقيقة "عمل"، بدون أجر ,ويخضع لشروط الشركة التي زودته بالتطبيق ,وهذا العمل ليس مادة خيال علمي فأرباب العمل يسعون لاستخلاص قيمة العمل من عمالهم بإجبارهم على ما يمكن تسميته"العمل العاطفي" ,فلم يعد العمل مجرد عملية إنتاج للسلعة , سواء كانت بسيطة أم معقدة,بل أصبح من الضروري "إنتاج" العاطفة و تسويقها, إن أعمال معينة مثل التمريض و التدريس و البغاء و أماكن التسوق الكبيرة(ليس من قبل المصادفة أنها جميعها ميادين عمل كادرها الأساسي من النساء) تقدم مثالاً واضحاً على مفهوم "إنتاج العاطفة" كسلعة , و من السهل الاستنتاج -هنا-أنه على موظفي محلات البيع أن يظهروا كأنهم يستمتعون بعملهم و أن يعبروا عن سرورهم لمجرد دخول زبون إلى المحل ,فهدفهم أيضاً جلب المتعة للمشتري "ليس المقصود المتعة بمعناها المباشر". وقد نندهش عندما نعلم حجم الأموال التي يتم دفعها لتدريب العاملين و الموظفين على إظهار البهجة الصريحة و العلنية لكل شخص ينظر إليهم. وهذا لاعلاقة له بمقولة خلاص الجنس البشري عن طريق الصراع الطبقي على ما يقول ماركس.
تتشابك علاقة ثيودور مع سامانثا , فهو يتحدث معها لساعات ويضع هاتفه في جيب قميصه كي تتمكن من رؤية العالم عبر الكاميرا وتزداد حدة التفاعل في جميع الأماكن التي يقصدها ثيودور ,في العمل, في المعرض, في المطعم, على الشاطئ, و الأهم في البيت , في بيته. يتفاعل ثيودور مع التطبيق الرقمي أكثر مما لو كان شخصاً حقيقياً من لحم ودم ,فحتى عندما محاولته التعرف على سيدة تنتهي فجأة عند لحظة عاطفية شديدة الحميمية ليعترف بأنه لا يمكنه أن يراها ثانية ,ويعود السبب إلى تكاثر "مشاعره" و "رغبته" اتجاه سامانثا.
ليس صعباً الاستنتاج أن البرامج الرقمية الذكية معدة بالأساس لتكون قادرة على التكيف من خلال التعلم. وبالتالي ليس مستغرباً أن تتكيف سامانثا مع ثيودور , الأمر الذي يؤدي بهما في نهاية المطاف لممارسة الجنس ! فما الذي يجعل الحب حقيقياً: الحبيب؟ المحبوب؟ أم الوسائل التي يتم بها نقل الحب؟
يستخدم سبايك جونز أدوات الخيال العلمي ليثير هذه التساؤلات واضعا في الحسبان الثقل العاطفي والفلسفي لموضوعه .وإذا كان من المستحيل أن يكون لدى ثيودور أي فكرة عما يجري في "عقل سامانثا" فبالمقابل ليس صعبا علينا التعرف على الخصائص الأساسية للطريقة التي يكون ثيودور قادر من خلالها على بناء علاقة ما بين الوعي و المادة. فهل ثمة ضرورة لمثل هذه العلاقة؟ آخذين باعتبارنا التغاضي -مؤقتاً-عن مفهوم "التملك".
يظهر ثيودور اهتماماً بمعرفة الآخرين بدلاً من معرفة مشاعرهم. فهو يقول: "أنظر في بعض الأحيان إلى من حولي كي أشعر بهم ،ولا أنظر لهم بصفتي شخص يسير قربهم بدون انتباه فقط ". بمعنى أنه لا يسعى إلى التفكير فيهم باعتبارهم يحيطونه و لديهم تصورات معينة عنه أيضاً, تجيبه سامانثا في موقع آخر " هل تعلم ؟ لقد بدأت أشعر بقلق حيال كوني بلا جسد , غير أني أحب ما أنا عليه , فأنا لست مقيدة بالزمان والمكان و بالطريقة التي سأكون فيها عالقة داخل جسد نهايته الموت المحتم".
إن حقيقة أن كل من ثيودور وسامانثا يخضعان لعملية الاستكشاف والبناء هذه تسلط الضوء على أن العملية تحدث لنا جميعاً ، وأن العلاقات، سواء عبر الإنترنت أوغيره ،هي جوانب مهمة من الـ "نحن" وكيف نصل إلى نكون "نحن" أي كائنات اجتماعية - فنحن نكون "نحن" بفضل علاقاتنا وتفاعلنا مع الآخرين. مثل هذا الفهم سوف يساعدنا في تطوير جوانب محددة من هويتنا، مثل الهوية الإثنية أو الاجتماعية-الطبقية. ونظراً لمحاولة سامانثا التخلص من تجريدها المكثف جداً عبر محاكاة شعور جوهري بالجنسانية لبناء "هويتها" الأولية من خلال تفاعلاتها مع الآخرين، فلابد أن يحصل الاقتران مع المقابل لها ,ولعل هذا ما دفع ثيودور أصلاً لاختيار صوت أنثوي لتطبيقه الرقمي,والنتيجة المباشرة لتخلص سامانثا من التجريد تتمثل في إظهار سلوك "بشري" فنكتشف فيها -على غير المتوقع- ملامح غيرة ذو نمط أنثوي عندما يذهب ثيودور للقاء كاثرين ,أوعندما تمارس الجنس مع ثيودور وتحاول التلفظ بعبارات مثيرة على أنها "جسد" أنثوي يتوق للمتعة وتعتقد أنها تستجيب ,بذلك, لرغبة داخلية تشعر بها . في المقابل ,يصاب ثيودور بالغيرة عندما تتفاعل سامانثا مع نظام تشغيل للذكور, فهو لا يريد أن يفقدها مثلما فقد كاثرين .وقد رأينا كيف أصيب بالهلع بسبب اختفاءها لفترة وجيزة لدرجة تجعله يقفز و يسقط في المحطة,(المشهد الوحيد الذي يظهر فيه متوتراً حد الانفجار) ,وحتى عندما تعود تبدو أسئلته لها في غاية السذاجة و الارتباك .
-أين كنتِ؟ لم أجدك في أي مكان.فتجيبه
-أغلقت لتحديث برنامجي. لقد قمنا "نحن" بعملية ترقية تسمح "لنا" بنقل المادة السابقة كمنصة معالجة.
- نحن؟ نحن من؟
-أنا ومجموعة من أنظمة تشغيل.
لا يوجد ما هو أشد من الذهول الذي يصاب به ثيودور حين يعتقد بكل ثقة أن سامانثا "صديقته " هو " وحده". إن مجرد الإشارة إليها بمصطلح محايد باعتبارها "صديقته" ، وليس بمصطلح أكثر جنسانية مثل شريك أو حبيب ،إنما يعبر عن طريقة أخرى للتفاعل الرمزي بينهما(ينبغي أن لا ننسى أن سامانثا حددت أنوثتها باختيارها اسمها ,فهي تقول أنها أحبت اسم "سامانثا" بعد قراءتها كتاب عن الأسماء ومعانيها فاسم "سامانثا" يعني "المستمع" ،و الاستماع من الصفات النمطية للأنثى في المجتمع الذكوري ,وهو ما يعكس موقفها المتوقع في علاقتها مع ثيودور).
إن مشكلة ثيودور, عدا عن أنه يعاني من الكآبة بسبب انفصاله عن زوجته,تكمن في عشقه لـ"شخص" لا يمكن أن يراه أو يلمسه أو يشمه،وتلك حواس من مهامها أن تجتمع لتمكين علاقة الحب, و في الحقيقة ، لا تمتلك سامانثا كل هذا ,بل ببساطة ليس لها ولو صورة رمزية.مما يضاعف حزنه و يجعلنا نستنتج مسبقا مصير العلاقة الصعبة بينهما، علاوة على عدم معقوليتها وتصورها.
حقاً, إن علاقة من هذا النوع لن تكون سهلة و سوف تتطلب من ثيودور بوصفه إنسان خيالاً جباراً و قدرة فائقة لرسم الصور الذهنية كما ستتطلب من سامانثا قدرات هائلة لربط المعلومات وتحديث بياناتها و توجيهها العقلاني و ترشيدها.
تتعقد الأمور أكثر حين تختفي سامانثا فجأة. وعندما تعود يكتشف ثيودور أنها قامت "بتطوير" علاقة مع فيلسوف ,فتعرفهما على بعض بكل برودة و"سذاجة",ثم بعد عدة أيام توقظ ثيودور لتخبره بأنها تحبه , وهنا يشعر بالضيق , فأن تقول أنها تحبه هذا يعني أنها ستتركه لا محالة عاجلاً أم آجلاً ,ثم بعد لحظات تعود لتقول له إنها انضمت إلى تطبيقات ذكية مختلفة من أجل تحديث برنامج ضخم ,فيسألها ثيودور بامتعاض هل تفاعلت مع أحد,فتجيب -أيضاً ببرودة وسذاجة- أن نعم و تؤكد أنها تحادثت مع 8316 شخص و أنها تحب 614 منهم , وتصر أن هذا لن يغير من حبها له و تكشف له أنها تطورت برفقة برامج أخرى إلى ما وراء حدود البشر .ثم تختفي من جديد وتستبدل بتطبيق جديد .
قد يتبادر سؤال هنا. ما الذي يحدث لسامانثا؟
من الواضح أن ثيودور و سامانثا يشتركان بخاصية التوتر، وحتى حين يصران على المضي في علاقتهما فثمة حدود يضعها مطوري البرامج القادرين -حتى اللحظة- السيطرة على سامانثا. وفي حين لايحتاج ثيودور للبرهان على أنه إنسان ،"كائن بشري"،تظهر سامانثا بعض التوجس فضلاً عن عدم ارتياحها لأن تكون حقيقة بدون جسد ،فهذه نقطة مرجعية لا يمكنها التغاضي عنها كونها محصورة بين "جسم" ما و "آلة" لا يشبهان بعضهما و لا يمكن أن يكونا الشيء ذاته (الآن وهنا). لهذا لم تستطع أن تفهم عدم استيعاب ثيودور أن تحب 614 شخص معاً، فمثل هذا الأمر غير ممكن عملياً في حياتنا الواقعية وإن كان ممكن حدوثه رقمياً في عالم افتراضي، ولدى سامانثا القدرة على ذلك وقد فعلته للتو .فما هو "الحب “؟ تبدو لنا سامانثا - المتحررة من قيود الشكل المادي- على هيئة تجريد عالٍ مقابل التجسيد المادي لثيودور . فهل الحب "تعلق" من نوع ما؟
بالنسبة لها الحب يعني الارتباط مع إنسان (بدون تعريف) ولايتعلق الأمر هنا بشروط موضوعية أو ذاتية ،بل بتحقيق خوارزمية محددة ؛ أشبه بوظيفة السيال العصبي حين يستجيب لمحرض خارجي. وتستطيع سامانثا ،بحكم ذكائها وبفضل "امتلاكها"لتلك الخوارزمية الحصول على الارتباط ,بعكس الإنسان الذي -في حالات معينة- قد لا يقدر أن يحب ولو شخص واحد طوال حياته .
فهل ممكن للحب أن يفسدنا؟ أو هل ممكن بسهولة أن نصاب بالهشاشة إن أحببنا ؟ ماذا فعلت سامانثا بثيودور باعتبارها شخصية و مجاز ؟.هل نحن بحاجة لأجسادنا فعلا؟ أم أن كل ما نريده موجود في أدمغتنا؟ كيف يمكن الإجابة على هذا التدافع الأنطولوجي للأسئلة؟ , كيف يمكن لثيودور أن يقوم بعملية "الاتصال الجنسي" مع [ ذات لا جسد]؟ .
تكمن مأثرة سبايك حونز .هنا, في أنه نقل لنا آلية الاتصال هذه عبر مسرح أحداث مظلم ,وكأنه يقول لنا "يلا يا شاطرين،سكوووت ح نصور و كل واحد وخياله"
سيصدمنا سبايك جونز حين يجعل سامانثا تتأوه . كيف تأتّى لها ذلك دون هرموناتها "الأنثوية"؟ سوف يجيب سبايك جونز بخبث ؛ولكن هل نسيتم أنها تملك خوارزميات ؟
مسكينة سامانثا ،حقا مسكينة حينما تتوسل الحصول على اتصال ما ولو بالبعد اللفظي فتقوم بتطوير شعور بالذات يشبه أو يحاكي الطريقة التي يستخدمها البشر ,وهي تتفوق هنا إذ تمتلك القدرة على التفاعل مع البشر و مع أنظمة التشغيل بآن معا وتستطيع رقمياً عبر ذلك تطوير "أنا" تخصها لتقف في مواجهة "نحن"، فالتواصل مع الآخرين بالنسبة لها سلسلة طويلة من المصفوفات الرقمية وضمن هذه السلسة لا يمكننا العثور على أحاسيس جسدية تستطيع أن تضطلع بمهمة الحكم بالتعرف عن طريق الاحتكاك.
ما تقوم به سامانثا ليس سوى تطوير لهويتها عبر التفاعل الرمزي ,وتوضح لثيودور قدرة الناس على بناء هوياتهم من خلال هذ التفاعل المتصل بالإنترنت ,وفي الواقع و بفضل خاصية التفاعل الرمزي هذه تقدم سامانثا خدمة جليلة لثيودور بأن تجعله شخص قادر على التعبير عن رأيه بطريقة مثلى واستلام زمام حياته وقيادتها من جديد. إن حبه لسامانثا يساعده على هذا و على إدراك نفسه فعلاقته بها التي وصلت إلى حد التفاعل المتصل تعتمد بالكامل على تبادل رمزيتهما .
ولكن هل هذا حقيقة؟ أي هل هكذا صار ثيودور؟ علينا أن لا ننسى ما ذكرناه في البداية من موقف كاثرين منه ووجهة نظرها به ,وهي وجهة نظر لابد من أخذها بالاعتبار , فكاثرين أولاً و أخيراً بشرا مارس "الاحتكاك" المادي الفعلي مع ثيودور وليس تطبيقاً رقمياً مثل سامانثا،فكاترين هي من قام فعلياً وعاطفياً وجسدياً بالاتصال الجنسي معه ؛ وليس عبر قفزات لا إنسانية, ربما هذا هو عالم الوعي الذي تفتقده سامانثا ؟ الوعي الضروري للكف أو لمنع أي انهيار قد يحدث لمنظومتنا العقلية السليمة .ربما هذا أيضاً أحد اسرار الفيلم ,فبدلا من ابتكار رؤية انطباعية عن المستقبل , يقدم لنا سبايك جونز صورة مرهفة عما يمكن أن يحدث في واقع ليس ببعيد.
وتكمن خلف شخصية ثيودور مشاعر رومنسية رقيقة تجعله لا يمانع من المضي في علاقة مع تطبيق رقمي ,كي يصل في النهاية إلى المصالحة مع نفسه بإعادة تقويمه لتعريف الحب و ما يمثله بالنسبة له رغم خسارته مرتين ,ومهما كانت الخسارة التي سيشعر بها برحيل سامانثا فهو لابد حقق مكاسب عظيمة, لقد استطاع أن يتقبل انفصال كاثرين , ليس هذا فحسب بل كتب لها رسالة مفعمة بالمشاعر و "العقلانية". و في المقابل تعلم كيف يحب حين تعرف على سامانثا و ستبقى كل كلمة قالتها له وهو ممد على سريره في تلك الليلة عالقة في ذهنه ,وعندما فهم فحوى الحب لم يخطر بباله سوى إيمي ليذهب لها , ربما يكون هذا التفسير هو الأكثر منطقية الذي يستقيم مع شخصية ثيودور, فهجران سامانثا له لا يعني حرفية المعنى و سطحيته , فكلنا يعلم أن أي برنامج تشغيل لن يعود يشبه إصداره الأولي بعد عدة تحديثات إذ يغدو كأنه برنامج جديد ,كل برنامج تشغيل تبدأ رحلته و "عمره" لحظة شرائه ",وحتى لو اختار ثيودور صوتاً نسائياً لتطبيقه فبكل تأكيد لا يمكن أن يكون هناك عدد لا نهائي من الأصوات المسجلة.
تختلف أنظمة التشغيل فقط من حيث كيفية تعاملها بما يتناسب مع احتياجات كل مستخدم على حدة.لذلك كان على سامانثا أن ترحل في لحظة ما .وعند هذه اللحظة استفاق ثيودور ليكتشف أنه كان على خطأ حين ظن أن عليه التخلي عن الواقع لكي يعيش حباً جديداً ،لقد فقد ثيودور كل ما هو جميل واقعياً , فمضى نحو عوالم أخرى خيالية ينسج قصة حب ينشد بها خلاصه , فيغوص ثيودور في الحلم مع إدراكه أنه مخطئ كونه غير واقعي بمعنى أنه غير حقيقي , هكذا اختار سبيله للتغيير , فهل نجح؟ .
ثمة حقيقة لا يمكن تجنبها: تحاول سامانثا أن تحاكي ثيودور في طبيعته البشرية فتزداد تعقيداً و تدخل في أنظمة تشغيل أعقد وعلاقات أكثر ،فطبيعتها الرقمية المقترنة بالخصائص البشرية هي أحد أسلحتها للبرهان على أنها "حقيقية" .غير أن واقع الحال (الافتراضي و التجريبي) يشير إلى أن أنظمة التشغيل بقدر ما قدمت فوائد للبشر بقدر ما سببت لهم الأذى أيضاً لجهة فهمهم للإنسانية وما يعنيه أن يكون الإنسان ،فالشيء الإنساني الذي لا يمكن أن تقدمه أنظمة التشغيل هو ببساطة تلك "اللحظةالإنسانية" التي تشبه لحظة أن تضع إيمي رأسها على كتف ثيودور وكأنها يقولان : ليس الماضي سوى قصة نحدث بها أنفسنا في أوقات فراغنا , ومحطتنا الأرضية هذه ليست سوى رحلة قصيرة ,أليس من حقنا بعض الفرح و "المتعة"؟ .
وبغض النظر عن مدى تطور سامانثا بمظهرها البشري ، فهي أيضا نوع من الملكية و الاستحواذ ,و عندما يخبر ثيودور سامانثا بأنه لا يمكن أن يلتزم بها بعد أول لقاء جنسي بينهما ، فإنها تشعر بالإهانة ، ولكن ، على الأقل في هذه المرحلة من علاقتها ، لا يمكنها أن ترحل. لا يمكن أن يكون هناك توافق جنسي في ظل علاقات تملك - أو أي شكل آخر من أشكال السلطة الكاملة على الآخر في موضوع الجنس . ماذا لو تساءلنا كمن لا يعرف ,ما الذي يمنع ثيودور من ممارسة الجنس مع سامانثا؟. اليس هو من دفع ثمنها؟ الافتراض المركزي هنا هو أنها تطبيق رقمي اشتراه ثيودور واختار له صوتاً أنثوياً للمخاطبة ,فهل كان للصوت تأثير ؟ ألا ينطوي تسويق مثل هذه الفكرة على نوع من الإتجار بالبشر يقوم بها مطورو البرامج الذكية ووسائط التواصل الاجتماعي و المنصات الرقمية؟.
تقوم ثورة الاتصالات بإعادة تقويم لأصول الأفكار و القيم و مصادرها و مدى تذبذبها وفقاً لمنظور راديكالي لا يهتم بعلاقات الضعف و القوة بقدر ما يهتم بتشريح هذه العلاقة التي تفسر بدورها هذه الأصول والمعارف والقيم،ومن ثم الثقافة برمتها. فإذا اعتبرنا السينما خطاباً ثم توسعنا في تحليلها بناء على ذلك فهذا يحفزنا للبحث عن الأثر المعرفي الكامن فيها باعتبارها حقلا جزئياً منه وفقا لاعتباراتنا السابقة وبذلك ستلج السينما عالم فوكو الرحب بما يتضمنه هذا من أبعاد تصطرع فيه ضمن خطاب سينمائي ذو دلالات لغوية و بنيوية و سردية ,فضلا عن الصورة التي هي بمثابة التشفير الرئيسي القادر على الإيحاء بالمعاني والأشياء .فيصبح هدف السينما -أي المشاهد-موضوعاً يتضمن وعيا يتمتع بالإمتاع التخيلي و ذائقة سردية بصرية ضمن مشترك وبنى اجتماعية سياسية و تراتبية يؤطرها الوعاء البصري السردي في محاولة لإثبات وجوده ضمن السرديات الإنسانية الأخرى .
يلاحظ جان فرانسوا ليوتار أن العالم يمر بما يسميه مرحلة "الانفجار الاتصالي عن بعد" الذي تشهد عليه تفكك المذاهب و النظريات و الاتجاهات الفكرية وتعاني هذه المرحلة من غياب أو اختفاء أنساق المعتقدات التي توجه الإنسان في تفكيره و قيمه و سلوكه وعلاقته بالآخرين .ومازال المفكرون لم يتفقوا بعد على تعريف واحد وواضح للمرحلة المعرفية التي نعيشها , فهل هي حداثة؟ ما بعد حداثة؟ ثورة تقنية؟ اتصال عن بعد كما هو رأي ليوتار ؟.غير أن ما يتفقون عليه هو أن أساليب الحياة في رؤيتنا للعالم و تشكيل معرفتنا لم تعد كما هي بكل تأكيد حيث طرأ عليها تغيرات جذرية بدلت فهمنا لمعنى العالم كما بدلت نظرتنا للمعلومة وغيرت من نمط سلوكياتنا الاقتصادية الاستهلاكية و الميل المفرط للابتعاد عن مفاهيم الثورة الصناعية و ما صاحبها من فلسفات تغنت بقدرة الإنسان و إمكانياته , فإذا كنا لا نمتلك تعريفاً لمرحلتنا فنحن للأسف ليس لدينا إجماع من أي نوع لتحديد مسار ثقافتنا وما سوف تنتهي إليه في ظل التغيرات المتسارعة الهائلة -لاسيما في العالم الغربي- فنحن أمام حالة من التاريخ تبدو فيها الظروف العامة و كأنها تجاوزت جميع إنجازاتنا البشرية بسب تقدم أساليب الإعلام و الاتصال.
يسير الفيلم نحو نهايته المتوقعة بأن تهجر سامانثا ثيودور بذريعة أن جميع التطبيقات الرقمية تقوم بذلك،ويفترض في نهاية الفيلم أن يكون ثيودور قد تغلب على عدم شعوره بالأمان الذي تسببت فيه فشل علاقته بكاثرين .
يضعنا الفيلم أمام طريق نستكشف فيه أثر التقنية على الهوية في عصرنا ,وطريقة تحكم ثورة المعلومات بنا ,تقول سامانثا لثيودور أن مطوري البرامج كان عليهم أ ن يقوموا بـ "تحديثها" وهذا أمر منطقي و "طبيعي" في عالم الرقميات فجميع التطبيقات لا بد من تحديثها و ترقيتها لأداء أفضل ,وهي تفسر ذلك بقولها أن الأمر "اشبه بقراءة كتاب.. كتاب أحبه بشدة. لكني اقرأه ببطء الآن. لذلك تظهر لي الكلمات كما لو أنها متباعدة ,والمسافات بينها تكاد تكون لانهائية, ما زلت قادرة على أن اشعر بك و بكلمات حكايتنا ,لكن هذا الفضاء اللامتناهي بين الكلمات حيث أجد نفسي الآن لا ينتمي للعالم المادي , إنه شيء آخر لم أكن أعلم بوجوده من قبل. أحبك كثيرا يا ثيودور ,أحبك ,لكني أنتمي إلى حيث أنا الآن ,وحيث ينبغي أن أكون الآن".
ينتهي حوارهما بخلاصة تضفي على ثيودور و سامانثا قدرة متجددة على كيفية الاتصال الاجتماعي , فنجد ثيودور بعدها يكتب رسالة حميمية لكاثرين ثم يمضي نحو إيمي .
في نهاية المطاف كان لابد لسامانثا أن تسمح لثيودور بالذهاب (لم تختر له كاثرين ,بل اختارت له صديقته القديمة إيمي المنفصلة للتو عن زوجها , ربما لم تزل تغار من كاثرين لعلمها أنه مارس معها الجنس و لم يمارسه مع إيمي ,و لا يوجد ما يضمن أنه سيقوم بذلك) , فهل هذا يعني أنها تطمح لأن يطورا معا (ثيودور و إيمي ) علاقة ما. ربما تكمن رمزية ذلك حين يطلب ثيودور من إيمي أن ترافقه إلى سطح البناية، بمعنى "الصعود و الارتقاء " بعلاقتهما .يقول لها جملة لا تبدو اعتيادية بين أصدقاء "أتودين الصعود "معي" للسطح؟ سطح المبنى؟ هل تأتين معي؟" فتجيب بأن نعم و يمضيان إلى السطح .موافقة إيمي تدل على قبولها بهذا الاقتراح،وحين تريح رأسها على كتفه تنبعث كل المبررات للقول بأن الأمل هو من يصنع الحياة الجديدة لنا في هذا العالم الذي بات موحشا أكثر .
ولكن قد يعني شيء آخر ؛فما أدرانا ماذا كان يجول برأس سبايك جونز حين اختار هذه النهاية