إسكندرية

مختار سعد شحاته
2018 / 10 / 22

(١)
قولوا للإسكندرية...
أنني الآن متاح ومباح لها بطول المد والجزر...
وأنني عاهدت الله ألا ألبس بردة مدينة أخرى،
وإن تُشابهها...
مصلوب أنا على باب المدينة، وتاج الشوك يغُز أفكار البُعاد...
قلبي الذي نزف الأماكن كلها، الآن يصفو،
يقدم اعتذاره لكل الشواطيء التي داس رملها يومًا،
لكل البارات التي قلدت خمرك يا إسكندرية، ونبيذك الأحمر، وشوارعك التي تحتمي بالعمائر في الشتاء، وصوت البحر في جدار قلعتك...
زحمة المصطافين على باب صيفك تردني عنك، وترميني إلى لسان تخرجينه في وجه العواصف وموج ديسمبر...
تنادين تعالَ... وأنا مطروحٌ في الغياب مثل طفل تاه من أمه في مولد المرسي...
كلما يمر الناس حوله يخاف ألا يراها؛
ويبكي...
قولوا للإسكندرية؛ يا أحلى المدائن والكمائن ويا سيدة الأفخاخ على مرّ الزمان،
يا حبيبة البحر التي تشرب من نيلي محبتها في كأس صياد جاءها يُغني، عبْر أسوارِها، أبوابِها التاريخية، وتمثالٍ روماني يقرر الرأفة به؛ ويفرش له ظلاً من الحرِّ،
ليستريح...
يا مديني التي عاشت معي سبعة أكوان عبرناها؛
مرة ككاتب ومعجبةٍ،
ومرة كأمير يقرر أن يجعلها عاصمة المدائن في قلبه محبةً في أميرتِه،
ومرة كمجنون فرنسي يضربها بالمدافع طمعا في لفت الانتباه...
ومرة أكون غريبًا بات الليل في شوارعها الجميلة...
ومرة...
ومرة...
ومرة؛ ابنك يا حبيبة...
يا سيدتي، وقاهرتي، وصوت طفل كان يناديني ويشغلني،
يا إسكندرية...
يا صاحبة الزعفران والسهران يحادث قلبك المجروح بطول شارع "أبو قير"...
ضميني إليك من جديد، وصالحي أيامي عليك...
يا إسكندرية العالمين والطامحين والراحلين عنك،
أنت الآن مدينتي وحدي.
(٢)
تعود الإسكندرية كل مساء متعبة، يحاول بحرها أن يستعيد ضحكة ولت...
تشكو الناس اللئام والأفيال التي تدوس الأرض في شوارعها،
للإسكندرية صوت مجسم تقلده المذيعات في نشرات الأخبار التي تنقل عنها كل يوم قصة جديدة مشغولة التفاصيل بجرح قديم...
وأنا؛ صيادٌ على باب المدينة يستأذن بحرها للدخول...
المدينة مرهقة من الفواتير، وحساب الأمور، والتفكير في مستقبلها البعيد...
المدينة تُخفي جمال تاريخها عبر العصور، وتتعمد ألا تطيل النظر إلى البحر بعد أن خوّفوها...
وموج الذكريات والضحك والغناء وشلل الصحاب للصباح وألف حكاية من حكايات اللفِّ في الشوارع؛
كلهم ناموا...
الإسكندرية يجافيها النوم، كلما تحاول في الليل أن تستريح، وأن تتهيأ لحلم جديد...
لا تنام،
في حلم لها، كان لها حبيبًا بعيدًا يشبه صوته صوتي حين يحكي لها عن كل المدن التي تحاول أن تشابه صورتها التي أحمل ملامحها تحت جلدي...
وحين أغني لها، تحاول أن تضحك...
للإسكندرية سبعُ ضحكات صرتُ أعرفها، في كل يوم أُخرجُ الضحكات، أوزعها على أسبوعي الطويل...
الضحكة الأولى تقول: تعال، والثانية؛ تفرشها في الطريق نحو مجهولي، والثالثة ملونةٌ برائحة النساء في حواريها الشعبية، والرابعة دومًا تعيدها ك"تراكِ" موسيقى أسمعها في انتظار المحاضرات، والخامسة ضحكةٌ لها من ريح أمي وابنتي في بعدها، والسادسة؛ ككوب القهوة في الصباح لها طزاجة الكادحين، والسابعة تقول؛ أحبك يا بعيدًا في الخرائط المطبوعة في كتب التلاميذ...
الإسكندرية في كل ليل تريح رأسها على كتف صورتنا الافتراضية التي لم نأخذها، ونعرف أننا لم يكن في إمكاننا غير انتظار توقيت مناسب للقبلة الأولى...
مدينتي البعيدة تمسح الآن بعض حزنها الأزلي عن خدّ كورنيش حكايتنا البريئة، وتدعو الله ألا تخطفني سالفادور عبر باراتها وشوارعها المراوغة، وككل ليل تحاول أن تنام.