ياسمينة خضرا.... صورة الروائي العربي الجزائري

شكيب كاظم
2018 / 10 / 20


أول مرة تعرفت على الأديب الجزائري ياسمينة خضرا من خلال دراسة نشرتها جريدة (الزمان) على صفحتها التاسعة من ملحقها الثقافي اليومي (ألف ياء) الذي يشرف عليه الأستاذ كرم نعمة, وبقيت أتابع ما يكتب عن هذا الروائي الذي آثر الكتابة بالفرنسية شأنه شأن الرعيل الأول من كتاب الجزائر الذين عاشوا أيام الاحتلال الفرنسي لبلدهم ونشأوا في ظلاله فكتبوا بالفرنسية أمثال محمد ديب الفائز بجائزة (غونكور) السنوية التي تمنح للكاتب غير الفرنسي الذي يكتب بالفرنسية ومبدع ثلاثية دار سبيطار, البيت الكبير, النول, الحريق, وكاتب ياسين, ومولود فرعون والشاعر مالك حداد الذي أطلق صرخته الموجعة في إحدى قصائده قائلاً: أنا ارطن ولا أتكلم إن في لغتي لكنة, إنني معقود اللسان ويسمعه نقاد فرنسة الذين قرأوا شعره فأحلوه في قمة فيحملقون ويقولون: ما هذا التواضع, ان لك لفرنسية رائعة, ولكن مالك حداد يظل يصيح صيحته الموجعة: أنا أرطن ولا أتكلم إن في لغتي لكنة, إنني معقود اللسان أنا لا أغني أنا لا أغني فلو كنت أعرف الغناء لقلت شعراً عربياً, نعم هذه مأساة اللغة لقد شاء المستعمر ان تكون في لساني آفة ان أكون معقود اللسان.
لكن الكثير من كتاب ومبدعي المغرب العربي ظلوا يكتبون بالفرنسية وهنا نجد الفرق بين ان تكتب مختاراً اللغة التي تكتب بها أو تجبر عليها مثل: مالك حداد, أقول ظل الكثير من المبدعين والكتاب العرب يكتبون بالفرنسية مختارين وليسوا مجبرين كما هو الحال أيام الاستعمار إذ ظل هشام جعيط وأحمد المديني وعبد الله العروي ومحمد زفزاف ومحمد شكري وأمين المعلوف الروائي اللبناني الشهير الحائز على جائزة غونكور هو الآخر والشاعر اللبناني جورج شحادة الذي أمضى العمر كاهناً في معبد الشعر والمتوفى في شهر شباط من عام 1989 والروائي المغربي طاهر بن جلون أول كاتب فرنكفوني عربي فاز بهذه الجائزة عام 1989 والروائي الجزائري ياسمينة خضرا الذي أختار الكتابة بالفرنسية مع أنه عاش حياته في ظل الاستقلال عام 1962 إذ استقلت الجزائر وهي يدب نحو السابعة من عمره أختار الكتابة بالفرنسية تحقيقاً لشهرة وذيوع شأن, فالكتابة بها تختصر أمامك الطريق وتجعلك مقروءاً من جميع الشعوب الناطقة بالفرنسية وإذ اختار ياسمينة خضرا الكتابة بالفرنسية بدءاً فإنه أختار الهجرة إلى فرنسة بعد العصف الذي ضرب الحياة الجزائرية إثر تدخل الجيش الجزائري لإلغاء الانتخابات العامة التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة عباسي مدني الذي استفز القيادة العسكرية بقوله: إن هذه أول انتخابات تجري في الجزائر وآخرها فألغى الجيش الانتخابات واستدعى أحد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية محمد بو ضياف الذي أختطف في عملية جوية فرنسية أثناء انتقال القادة الأربعة لثورة الجزائر بطائرة نحو تونس إلى جانب أحمد بن بلة ومحمد خيضر وحسين آيت احمد والصحفي مصطفى أشرف في 22/ تشرين الأول عام 1956 وأقصي إثر اشتداد الصراع على السلطة بين الثوار وإطاحة هواري بومدين بسلطة أول رئيس جزائري أحمد بن بلة في شهر حزيران 1965 فاعتكف الثائر الزاهد محمد بو ضياف الحياة السياسية وانتقل إلى تونس وأنشأ معملاً صغيراً للطابوق ويعمل بيديه.
أقول: استدعي هذا القائد التاريخي لإطفاء اللهيب الذي استعر إثر إلغاء نتائج الانتخابات وليشمله هذا السعير إذ ما لبث بو ضياف ان قتله حراسه صيف عام 1992 ولتدخل الجزائر أتون الحرب الأهلية في هذه الظروف غادر محمد مولسهول الضابط في الجيش الجزائري بلاده ليغير أسمه ويستعير اسم زوجته عنواناً لكتاباته الروائية (ياسمينة خضرا).
إن الذي دفعني لكتابة هذا الحديث, إني قرأت في مجلة (دبي الثقافية) فوز هذا الروائي الجزائري المرموق بجائزة الأكاديمية الفرنسية للآداب ليكون أول أديب عربي يفوز بهذه الجائزة المرموقة بعد ان فاز ثلاثة منهم بجائزة غونكور الفرنسية وهم على التوالي, طاهر بن جلون, محمد ديب, أمين المعلوف, لكن ظل القارئ العربي بعيداً عن إبداعاته ولاسيما لمن لا يجيد الفرنسية لذا فإني أرجو الجهات الثقافية العربية المعنية بالترجمة لاسيما المنظمة العربية للترجمة التي تتولى مشكورة نقل شوامخ الفكر الإنساني العالمي إلى العربية لرفد العقل العربي بكل جديد ومؤثر في شؤون الثقافة لتعيد إلى الأذهان جهود بيت الحكمة أيام الخليفة المأمون العباسي إن توجه أنظارها نحو هذا المبدع الذي شغل فرنسة والناطقين بالفرنسية في حين بقينا نحن لا نعرف شيئاً عن إبداعاته ولنا حق فيه كونه عربي الوجه واللسان والضمير راجين نقلها عن الفرنسية مباشرة ومن غير لغة وسيطة فلطالما أضعفت اللغة الوسيطة جودة النقل ومن ثم متعة القراءة واضعين في الحسبان إننا نقرأ لغة المترجم لا لغة الكاتب فإذا كان المترجم حاذقاً قدم لنا نصاً جيداً ممتعاً وإذا لم يكن حصلت الإساءة للنص المنقول ومن ثم ذائقة القارئ, المترجم المتمكن يضفي ثقافته وظلاله وروحه على النص المترجم, وما يؤكد قولي هذا إني قرأت في عدد المجلة ذاته (آب / أغسطس/ 2011) دراسة بقلم الأستاذ زكريا أحمد من مصر عن رواية يوليسيس للروائي الشهير جيمس جويس وقد أورد الكاتب في نهاية دراسته ثلاثة مقبوسات لثلاثة مترجمين لنص من الرواية الأول لمحمد لطفي جمعة والثاني للدكتور طه محمد طه والثالث للشاعر الرقيق والباحث الدكتور صلاح نيازي لكني إذ حَكَّمت ذائقتي في النصوص الثلاثة وجدت ان النص الذي ترجمه صلاح نيازي كان أروع النصوص الثلاثة وأجملها وأقرب إلى روح النص الانكليزي والسبب في ذلك ثقافة نيازي وذائقته وشاعريته وتمكنه من لغة الأصل كونه عاش في لندن منذ عام 1963 وحذقه للغة العربية كونه باحثاً وشاعراً مرهفاً ما زال على الرغم من سنين الغربة يقرأ بالعربية ويكتب.