أيامُ الرجل الكفيف

فاطمة ناعوت
2018 / 10 / 20



بعد أيام سيموتُ الرجلُ الكفيفُ الذي عشقتُه حدَّ الهوس. الرجلُ الذي حوَّلَ مِحنتَه القاسية إلى منحة للبشرية ينهلون من نبعها العذب ويشربون من ماء عينيه المُطفأتين فيبصرون. سيموتُ حبيبي بعد عشرة أيام، ويصيرُ أيقونةً إنسانية وفكرية عزَّ نظيرُها.
أحببتُه منذ صباي الأول، حينما وقعت بين يدي مذكّراتُه التي سجّل فيها كلَّ يومٍ من أيام طفولته، فعشتُ معه مأساة ألا ترى لونَ السماء حين يقطعُ زرقتَها طائرٌ أبيض. كانت "الأيام" من أوائل ما قرأتُ في طفولتي من كتب ذات شأن. أتأملُ وجه ذلك الصبيّ الأسمر، وأمسحُ بأناملي على عينيه المقروحتين، وأحمل لأمّه صحنًا به بقايا زيت من قنديل المسجد، كي تدسَّ الزيتَ المقدّس في حدقتيْ عينيه المطفأتين، علّهما تبصران. كنتُ أنامُ إلى جواره في الليل، وألتصق بالحائط وأحكم الغطاء فوق جسدي النحيل وجسده حين نسمعُ عواءَ الذئب وهزيمَ الرياح وحفيفَ الشجر. حيث أخبرني أن تلك الأصواتَ لعفاريتَ تسعى في الحقول لتخطف الأطفال. عماؤه كان يضخِّم الرعبَ من الأصوات في قلبه الصغير، وفي قلبي. نقرأ "المعوذتيْن" لكي نحرق العفريتَ، ونختمُ بسورة يس: "… إنّا جعلنا في أعناقهم أغلالًا فهي إلى الأذقانِ فهم مُقمحون...". فإذا ما وصلنا إلى قوله تعالى: "فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه تُرجعون."، يكون العفريتُ قد احترق وخمُد صوتُه. فنطمئن وننام. بكيتُ مع كل حزن ضربه، وغضبتُ من قسوة عَريّف الكُتّاب وهو يحفظّنا القرآن. وكنتُ أجمعُ معه أقماعَ السكّر لنرشو الشيخ فلا يضربنا بالفَلَكَة حين نلْحَنُ في الترتيل أو يخوننا الحفظ. فرحتُ بكل سورة أتقن حفظها ورددتُها معه. وعند المساء، أقف خلف باب المندرة أتلصّصُ وأصفّقُ حين أبوه يدعو أصدقاءه ليستمعوا إلى معجزته الصغيرة، الشيخ طه الطفل، وقد أتقن تلاوة جزئيْ "عمّ يتساءلون" و"تبارك". تحسّستُ معه السياج المعشوشب في طريقنا إلى البيت، وعيناي على يديه اللتين صارتا عينين مبصرتين، بدلا من عينيه المغدورتين.
قدّمت مصرُ للحياة رموزًا بشريةً وحضاريةً فريدة على مرّ عصورها، لكن طه حسين يظلُّ عندي النموذجَ الأكثر إثارة للعجب والإعجاب. فرغم عاهته البصرية (أم ترى بسببها؟) كان الأقدرَ على كشف تخوم الحقيقة منذ صباه. ليس صحيحًا أن مدينة النور التي صافحتْ شبابَه هي التي بذرت فيه نواةَ النور والشك في حُجُب الظلام التي تكاثفت ظلالُها فوق سماوات مجتمعاتنا. وليس صحيحًا أن بدايات حِسّه النقديّ الرفيع ظهرت عام 1926 في كتاب "في الشعر الجاهلي"؛ بل كان تمرّده على الظلامية والنقلية جزءًا من بنيته الفكرية ومكوّنه الفلسفيّ، ظهر مبكرًا حين ضجر، وهو صبي، من محاضرات المشايخ الاتباعيين الدوجمائيين. كان ذلك في بدايات عهده بالقاهرة التي جاءها أوائل القرن الماضي طالبًا للدرس في الأزهر؛ بوصفه الكفيفَ الذي لن يستطيع شيئًا إلا حفظ القرآن، وتلاوته على المقابر مقابل بعض القروش وثمرات البلح. لكنه، يدخل الجامعة ويكتب رسالة عن أبي العلاء وينال أول درجة دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية عام 1914، ثم يطير إلى باريس ويكتب رسالته الثانية عن بن خلدون فينال درجة الدكتوراه الثانية بعد خمس سنوات فقط.
سألتُ جدّي سؤالا طفوليًّا: "لو أن طه حسين، وهو مَن هو في عالم الأدب والفلسفة واللغة، قد وافق على إجراء عملية ترقيع قرنية وصار مبصرًا، ثم أمسك ورقة وقلمًا ليكتب، هل كان سيكتب؟ أم كان سيكتشف فجأة أنه أميٌّ لا يعرف الأبجدية؟" أطرق جدّي في حزن وقال: “هو الذي علمنا كيف نكتب ونقرأ، وكيف نفكر.”
تقول النظريةُ العلمية إن بداخل الإنسان طاقةً تكافئ طاقة ثلاثين قنبلة هيدروجينية. نعطلها ولا نُفعّل إلا أقل قليلها. فهل فَعّل الرجلُ طاقاتِه كاملةً ليحوّل البلاءَ إلى عظمة وسموّ؟ مَنْ مثله حورب ورُمي بالكفر والإلحاد ولم يُكسر؟ مَن مثله تناولته الأحجارُ والأحقاد أينما حطَّ وحيثما ولّى شطرَه فلم يزدد إلا علوًّا ومجدًا؟ ومَن سواه صدّر أحد كتبه قائلا: "أُهدي كتابي هذا إلى الذين لا يعملون، ويسوؤهم أن يعملَ الآخرون." طه حسين، حبيبي، كان المبصرَ بين أرتال من العميان.

***