النحت المجتمعي للرموز

عبدالله احمد التميمي
2018 / 10 / 17

من خلال مطالعتي لكتاب سوسيولوجيا الفن للكاتبة ناتلي والصادر عن المنظمة العربية للترجمة ، تحاول نتالي ان تطرح عدة نظريات معاصرة في مجال الفن المجتمعي ، بما في ذلك صورة الفنان الذي لا يترجم الواقع بل يؤلف ويخترع من ذاته ،وتؤكد الكاتبة على ان توسع مفهوم الفن المعاصر ،يحتم علينا ان ندرك ان الفنان الحقيقي هو من تتولد عنده الفكرة المتخيلة ،ويعمل على تجسيدها على ارض الواقع بمهارة وحرفية عالية ،تتصف بالأبداع المدرك من خلال الحواس ، وليس بالضرورة ان تتصف بالديمومة ،لذا ان المشهد الاجتماعي بما في ذلك المكون الطبيعي للواقع الإنساني ،لا يمكن له ان يكون مردداً او معاكساً لمنظومة الحياة المدركة .
وما لفت انتباهي في هذا السياق ،هي قضية الفنان العربي الذي يتاجر بالرموز الوطنية ليستدر العطف والمال من الجمهور المتلقي لعمله، فهل من المعقول ان هذا الفنان لم يتأثر بالواقع المعاصر المحيط به ، فعلى سبيل المثال هل يمكن اختصار القضية الفلسطينية بقبة الصخرة الأموية ، او جذع لشجرة زيتون رومية ،وهل كل نضال الشعب الفلسطيني فقط من اجل بناء اموي ، الا يوجد طريقة مجدده للتعبير عن حجم المأساة التي يتعرض لها الأنسان الفلسطيني بكل يوم ، وهذه الحالة أيضا يمكن نسخها على الفنان العراقي ،الذي تعرض لحرب طاحنة في العقد الأخير من القرن الماضي وما زايل يعاني من تبعات سقوط ملاين الأطنان من المتفجرات على أرضة ، وهو لغاية الأن ما زال يرسم الشناشيل وأزقة بغداد وصور الدواب من الجمال والخيل المرصع ، هل من المعقول ان هذا الفنان لم يتأثر بالحالة المجتمعية بمرحلة ما بعد الحصار والحرب .
علما ان الساحة العربية في القرن الواحد والعشرين ، قد دخلت نهج القرن الواحد عشرين بكل معنى الكلمة شئنا أما أبينا ، حيث سقطت دول وتغيرت الأنظمة والأفكار في العشر سنوات الماضية ، وما زال الفنان العربي يرسم الأزهار والطبيعة والبورترية ،وينحت الجمال المجتمعي بكل تفاصيله ، ما هذه الرومنسية المغلفة بعدم المبالاة ، أين هو الفنان المؤلف المخترع المعبر عن هذه الحالة المجتمعية التي تأثرت بهذا النهج المعاصر .
ان التأثر بكل المدركات الحياتية للوسط المجتمعي المحيط بالفنان ،يجب ان يدفعه الى التفكير العميق والمقترن بالربط بين مفاصل العمل الفني والمشهد الحقيقي للعالم العربي في هذا العصر ،وترك فكرة المتاجرة بالرموز والانسلاخ من الواقع ، على الرغم من ان الفنان الغربي الأن التفت الى هذه الحالة التي أثرت على ساحتنا العربية في السنوات الماضية ، ونفذ أعمالا ضخمة ومؤثرة تعكس حجم الفاجعة ،وهذه الأعمال قد تكون هي بمستوى الحدث الجلل وسيدة الموقف المعاصر ،من خلال توليف عدة أعمال تحاكي الوضع العربي بكل صدق وشفافية ، أما فنانينا العرب حتى هذه اللحظة منشغلين بالمفردات والرموز المكانية ، دون اكتراث في التعبير عن مشاكلهم بصورة عصرية غير اللوحة واللون والصندوق الأبيض الذي يعرض أعمالهم المغطاة برموز تجارية طوى عليها الزمن