سلالة النسائين العظام - شعر

ماجد الحيدر
2018 / 10 / 17

سلالة النسّائين العظام
ماجد الحيدر

أنا من سلالةٍ مشتتةِ الفكر
كثيرةِ النسيان.
جدي كان يعرف جيدا
أن بغداد تقتل قاصديها،
لكنه ترك الجبال
والجوز والعسل والشياه
وجاء يسكن فيها
في أزقتها المعتمة،
فمات اختناقاً بالندامة!
..
أبي أيضا كان كثير النسيان:
بكى إذ رأى المناشير
تحز رقاب الرضّع اليهود
في عام رشيد عالي،
لكنه نسي وتغاضى
بعد ستة وعشرين عاماً،
وتحمسَ لجمال عبد الناصر،
حين وعد بإلقاء من نجا في البحر!
..
أمي أيضا كانت سريعة النسيان:
رأت الحرس القومي يأخذون الفتية من أمام البيوت
ويدفنونهم تحت قصر النهاية
لكنها بعد عقدين فقط
نسيت أن تغلق الأبواب على أولادها
كي لا يأخذهم البعثيون الى مثارم اللحم!
..
أنا أيضا نسّاء عظيم بطبعي
كلما هممت بحفظ قصيدة
صاح المؤذن وأنساني ما قرأت.
وفي كل مرة توصيني امرأتي فيها
بألاّ أنسى الاتصال بها حالما أصل الفندق،
أنسى وأهاتفها في طريق عودتي:
- حبيبتي، ذكّريني..
ماذا أوصتِني أن أجلب معي!؟
..
أولادي كانوا يحلمون
بأن يجوبوا العالم الفسيح.
أحدهم مثلاً كان يريد أن يسافر،
حين يكبر، الى كوثتاليكا*
لكن شيئاً ما، شيئا باثوجينيّأ**
في هواء هذه البلاد
أنساهم اتجاهات الخرائط والبوصلات
ودلّهم على طريق المخبز!
..
حفيداتي فقط لا ينسين،
حتى الآن في أقل تقدير:
واحدة عددت لي ألوان الطيف،
الثانية رددت عليّ كل الحروف الانكليزية،
والثالثة سألتني، ها قبل قليل:
- جدي.. أين الوتَن*** الذي وعدتنا به؟!
..
أنا من سلالةٍ،
من أمةٍ
كثيرة النسيان!



*كوستاريكا
**الباثوجين: المسبب المرضي
***الوطن