اللص و الكلاب: طوبى لدنيا يقتصر أوغادها على من نعرفهم فقط

محمود الصباغ
2018 / 10 / 17

تبقى الأعمال السينمائية الخالدة تلك التي اقتبست قصتها من روايات عظيمة برغم كل ما يقال من أن "من السهل أن تصنع فيلما رائعا من رواية متوسطة القيمة , ولكن من الصعب جدا صنع فيلم جيد من رواية رائعة" .....و الأمثلة عديدة هنا مثل رواية "العمى" عن رواية جوزيه ساراماغو التي تحمل الاسم عينه , و فيلم "عطر: قصة قاتل " عن رواية باتريك زوسكيند , ربما يعود السبب في أن الروايات التي ترتكز في بنيتها السردية على الوصف عادة ما تكون صعبة التحول إلى سردية بصرية سينمائية , فكيف سيستطيع المخرج أن يصف العمى على يد العميان ؟ و كيف يمكن لنخرج ان يقم لنا سردية بصرية عن حاسة الشم؟ إلا أن الامر لا يتوقف هنا فإرنست همنغواي حين شاهد الفيلم المقتبس من روايته لمن تقرع الأجراس قال هذه ليست قصتي و كلك فعل جون شتاينبك حين قال "هذه ليست قدحي" بعد مشاهدته الفيلم المقتبس عن قصته "قدح من ذهب" ,كما أن نجيب محفوظ لم يكن راض كثيرا عن فيلم زقاق المدق المقتبس من روايته التي تحمل ذات العنوان .
لكن [دائما هناك لكن] السينما لا تهتم لمثل هذه القصص , إذ سرعان ما يلتقط المخرجون أعمالا أدبية رائعة ويحولوها إلى أفلام , و هم أمام خيارين لا ثالث لهما , إما أن يغتالوا القصة بتقديم فيلم خارق أو تقديم فيلم يفشل في مجاراة الرواية و في كيفية صياغة الحكاية دون أن يؤثر ذلك على الفرجة , ولكن إذا وضعنا باعتبارنا اختلاف الفيلم عن الرواية سواء في الوصف و الوظيفة و المتغيرات السردية و البصرية و الوصفية و آليات التوالي (كلمة مقابل صورة ) فيمكن عندها أن نحتفظ بتقويمنا لكل من الرواية و الفيلم دون ن يؤثر أحدهما على الآخر و دون أن نكون مضطرين على خيار الموازنة أو المقارنة أو حتى الرفض و القبول لأحدهما أو كليهما, وفي كلا الحالتين سنخرج بـ "ثيمة" معينة يتمحور حولها الفيلم بطريقة يجد فيها المخرج المعادل السينمائي الضروري و المطلوب , ففي رواية اللص و الكلاب اختار نجيب محفوظ أن يرسم لنا الحالة النفسية للشخصية الرئيسية سعيد مهران من خلال رصده لمدينة القاهرة بعد نحو أقل من عقد من ثورة الضباط الأحرار , أما الفيلم فكان تركيزه على الجانب البوليسي "مطاردة سعيد مهران" دون الخوض عميقا في المضامين الفلسفية و الوجودية التي تتضمنها الرواية ,وهذا يعني اختلافا هاما في بنية كل من الرواية و الفيلم ,على الرغم من التداخل التعبيري بينهما سواء من حيث الرموز أو من حيث الحكاية, ولاشك أن الفيلم اتكأ كثيرا على النص الأصلي ,في مستواه القصصي مستعينا بالتقنيات البصرية و السينمائية ليقترب قدر الإمكان من نص نجيب محفوظ الذي كان فيه الوصف و السرد و المونولوج الداخلي أهم مكوناته( المنولوج الداخلي الذي حوله الفيلم بمهارة إلى حوارات بصرية) , في حين احتفى الفيلم-بحكم طبيعته المختلفة- بالصورة المتحركة للتعبير عن الأحداث لخلق إيهام واقعي عند المتلقي. فبعد مرور أكثر من نصف قرن على إنتاج فيلم اللص و الكلاب , لايزال يعد أحد أهم الأفلام التي أنتجتها السينما المصرية لدرجة اقترابه كثيرا من تحقيق العناصر الفنية الأساسية التي يتشكل منها الفيلم السينمائي عبر أحداث و مشاهد تحقق غاية الفرجة و الإقناع. و ثمة عوالم مختلفة ساهمت في بقاء العمل حيا في أذهان الناس , فهناك العامل الموضوعي ويجسده الواقع المادي الاجتماعي المصري في بداية الستينيات, ثم هناك الواقع الروائي الذي قام محفوظ ببناء معماره الفني على شكل نص روائي بما يحمل من فضاءات و شخصيات متخيلة لها صلات واقعية موضوعية بطريقة ما ,وعلى الرغم من الطابع البوليسي للفيلم إلا أنه بقي مخلصا لنص نجيب محفوظ مما يوحي -عرضا- بقبول كمال الشيخ لطروحات و أفكار محفوظ في الرواية , وقد أبدى الفيلم احتراما واضحا للرواية فلم يخل بسرديته و لا بأفكاره الرئيسية إلا بما تقتضيه الإجراءات السينمائية فالمخرج لا يمتلك تلك المساحة الزمنية لاستعراض مشاهد الرواية كافة , و المشكلة التي ربما واجهت المخرج هي كيف يتخلص من عقبة السرد الروائي-وهي تكافئ سينمائيا المشاهد الصامتة- فكان الحل بخلق حوار يكسر حدة و طول هذه المشاهد , بحيث شكل الفيلم قوامه السينمائي الخاص بما يقتضي جذب انتباه المتلقي من خلال تعدد المشاهد مقارنة بالرواية من أجل تبسيط الأفكار الدرامية للنص الروائي و صياغتها سينمائيا " أي بصريا" مع الحفاظ على الأحداث و الشخصيات و السيطرة عليهم دون أي هدر في الوقت المتاح لمدة العرض , وأكبر مثال على ذلك هو النهايات ففي الرواية يقرر سعيد مهران تسليم نفسه لشرطة تحت وطأة حصاره باعتبار هذا هو السبيل الوحيد لنجاته مع شعوره بأن هذا سيؤدي به للحكم بالإعدام لجرائمه التي اقترفها ." وأخيرا لم يجد بدا من الاستسلام فاستسلم بلا مبالاة... بلا مبالاة..."هكذا تنتهي الرواية باستسلام غير "مفهوم" و مستلب ,وكأن محفوظ يريد القول أن الموت أرحم من العيش مع الكلاب .في حين يجعل كمال الشيخ سعيد مهران يصمد حتى النهاية في مواجهة الشرطة , فيحاول الهرب و الزوغان منهم و يرد عليهم بإطلاق الرصاص إلى أن ينتهي ميتا على يد مطارديه من رجال الشرطة. تفتح الرواية أفقا لخيال القارئ, تجعله يطوي الكتاب ثم يتخيل سعيد مهران في المحكمة وربما سيلقي محاضرة أخلاقية على القضاة قبل أن يحكموا عليه بالإعدام , ولكن العبث يستمر حين يدرك القارئ أن هذا الأمل الذي يمنحه محفوظ لسعيد مهران سينتهي بحبل المشنقة , غير أن أهمية النص الروائي تأتي في مخالفته للنهاية التي روجت لها الصحف لمحمود سليمان ,فلا يمكن لشخص أن ينتحر بأن يطلق النار على نفسه بسبعة عشر رصاصة مزقت جسده كما تذكر تقارير جريدة الأهرام . بينما أقفل كمال الشيخ مشهد النهاية بطريقة فيها الكثير من الإثارة و التعاطف ,و إذا سيخرج المشاهد من صالة العرض وهو يردد بينه و بين نفسه و كيف لم يستطع أن يهرب منهم , لماذا ينبغي لسعيد مهران أن يموت ؟ ما هو مصير نور؟ و رؤوف و نبوية و عليش؟ ما هذه العبثية ؟ , كيف يموت هو و تنتصر الكلاب؟ ربما اختار كمال الشيخ الحل الأكثر واقعية و الحل الذي يعطي أكشن أكثر للفيلم ومن ناحية أخرى قد يرى المخرج أن الشر و الفساد أعظم و أقوى من أن يتحداهما شخص بمفرده لأن مصيره سيكون الموت مثلما حصل مع سعيد مهران , و في كلتا النهايتين صار سعيد مهران بطلا ليس لـه لص و جريء , بل لمظلوميته , و الأهم من كل هذا أن سعيد مهران-محمود سليمان يمثلان الضحية , ضحية مركبة , ليس فقط من زوجته و أعز صديق عنده , بل من مجتمع كامل تنكر له و نبذه و صنفه لص و سفاح ,وهذا ما اثار فضول محفوظ و كمال الشيخ اللذان حاولا أن يدينا "الكلاب" : رؤوف علوان و نبوية و عليش و الشرطة , لعل رؤوف علوان أكثرهم تمثلا لمعنى الكلاب الذي يقصده نجيب محفوظ , فرؤوف علوان شاب قروي الأصل تعرف على سعيد مهران منذ أن كان طالبا جامعيا, لقد كان مناضلا "اشتراكيا “مؤمنا بالتغيير , يمتاز بذكاء و واقعية و كاريزما طاغية لها القدرة على السيطرة على الآخرين , وهو متحدث بارع و براغماتي عنيد و انتهازي يؤمن بقوانينه الخاصة , استطاع أن يتحول إلى صحفي ناجح، انتهز الظروف السياسية الجديدة فتحول إلى صحفي مأجور، تنكر لأصوله الكادحة، و لطبقته، متطلع بشغف للحياة الارستقراطية، أكلا وملبسا ومسكنا، يشوه الحقائق ويؤلب الرأي العام ضد سعيد و يصوره مجرما خطيرا. رمز للبرجوازية القاسية على الفقراء. شخصية رؤوف علوان أحد أهم شخصيات الرواية و الفيلم وهي الشخصية المقابلة للبطل الرئيسي لذلك ركز ليها الفيلم مثلما ركزت عليها الرواية, و إن كانت شخصية رؤوف علوان شخصية واقعية لدرجة مزعجة إلا أننا لا نملك أية معلومات عن مطابقتها مع الواقع ,و لكن على الأغلب لابد ان محفوظ رسمها ممن كان يقابلهم أو يتعامل معهم في الوسط الصحفي أو ربما هي مزيج لأكثر من شخصية أضيفت لها مخيلة الراوي رؤيته ووجهات نظره و موقفه من هذا النوع من البشر , و من المهم الانتباه إلى أن رؤوف علوان هو من ورط عمليا سعيد مهران بأفعاله من خلال الإيحاء له بان ما يقوم به عمل نظيف و مشروع من خلال حقنه بأفكار "ثورية" تتحدث عن المظالم الاجتماعية و مناصرة الفقير ضد الغني (ومن الواضح أن موت والدة سعيد مهران جعله يتقبل مثل هذه الافكار ).يمثل رؤوف علوان طبقة كاملة نستطيع التعرف عليها في مجتمع يتعرض لثورة , رؤوف علوان خير سفير لتلك الطبقة التي تخون مبادئ الثورة , ولهذا كان لابد أن يخرج سعيد مهران من السجن ليعيش حريته ولو إلى حين " " مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية، ولكن الجو غبار خانق وحر لا يطاق. وفي انتظاره وجد بدلته الزرقاء وحذاءه المطاط، وسواهما لم يجد في انتظاره أحدا. ها هي الدنيا تعود، وها هو باب السجن الأصم يبتعد منطويا على الأسرار اليائسة. هذه الطرقات المثقلة بالشمس، وهذه السيارات المجنونة، والعابرون والجالسون، والبيوت والدكاكين، و لا شفة تفتر عن ابتسامة... وهو واحد، خسر الكثير، حتى الأعوام الغالية خسر منها أربعة غدرا، وسيقف عما قريب أمام الجميع متحديا. آن للغضب أن ينفجر وأن يحرق، وللخونة أن ييأسوا حتى الموت، وللخيانة أن تكفر عن سحنتها الشائعة. نبوية وعليش، كيف انقلب الاسمان اسما واجدا؟ أنتما تعملان لهذا اليوم ألف حساب" .تشكل الكلمات السابقة افتتاحية النص الروائي و محرق الحدث أو الأحداث الأساسية التي سبقت تلك اللحظة و التي ستليها و التي ستؤسس لمصير سعيد مهران و سعيه للانتقام من الذين غدروا به و على رأسهم رؤوف علوان و عليش و زوجته نبوية , الذين يشكلون محيطا من "الكلاب" تنهش لحم سعيد مهران , التخلص منه فعلا بقتله و مجازا بتصنيفه على أنه عدو المجتمع و قيمه السائدة , مجتمع "الثورة" الذي تمثله بيروقراطية عسكرية حاكمة وجيش لا يعد و لا يحصى من الانتهازيين و المتكسبين على حساب الثورة , مجتمع يسمح للأوغاد بأن ينجو بفعلتهم , بل ويتم مكافئتهم بالمناصب و المحسوبية و مراكمة الثروة.

وهكذا أتى "الواقع" السينمائي الدرامي ليكون محصلة نهائية لفهم كلا الواقعين الموضوعي و الروائي , وكلما كان هذا الواقع السينمائي يعبر عن الواقع الموضوعي و الروائي كلما نجح فنيا و كان أكثر تأثيرا على المتلقي , فالأفكار و الأشخاص التي استوحاها الروائي نجيب محفوظ من القصة التي انتشرت في تلك الفترة عن السفاح محمود سليمان ستقود المخرج كمال الشبخ لبناء تصور عن الفيلم و مآلاته , مع الأخذ بعين الاعتبار حين مناقشتنا للفيلم و الرواية عدم الربط العضوي بين محمود سليمان و سعيد مهران رغم أوجه التشابه العديدة بينهما .فقد توسع محفوظ في شخصية سعيد مهران عبر ملئ جوانبها المختلفة بالقوالب الفلسفية و الاجتماعية المتعددة , وحتى تصنيفه كلص لم يكن ليعطي مدلول سلبي نظرا لاقترانه بكلمة أخرى أي الكلاب و هي التي تحمل كل الشحنة السلبية التي أراد لنا محفوظ أن نتخيلها عن أولئك الذي خانوا و غدروا بسعيد مهران بما في ذلك المجتمع (كشخصية اعتبارية) و العلاقات المتفسخة, وهي تشير بطريقة ما إلى بطش الدولة و مؤسساتها , لاسيما أن الرواية ظهرت بعد عام من صدور قوانين التغيير الاجتماعي و الاقتصادي لثورة الضباط الأحرار , وقد خدمت الظروف الموضوعية و كذلك المهارة الأدبية لمحفوظ أن يخلق معادلا روائيا للواقع الموضوعي , أي قصة السفاح محمود سليمان لتسليط الضوء على واقع فشل "القوانين الثورية" في حل أزمة المواطن المصري وتفاقم المآسي و النفاق الاجتماعي و التسلق السياسي و الانتهازية فضلا عن القمع و انعدام الحرية . عمليا لا يعد النكوص الثوري و انتكاس قيمه حكرا على حركة الضباط الأحرار ,بل يبدو كأنه صفة ملازمة لكل الثورات, يقول سان جوست "الثورة لا تنجب إلا الوحوش" فسعيد مهران ليس ثوريا بالفطرة و لم يولد كذلك و إنما انتقلت له أفكار الثورة عن طريق رؤوف علوان الطالب الجامعي الذي يحمل أفكارا تقدمية فصار قدوته و مثله الأعلى وتكرست مكانة رؤوف علوان حين اعتقلته السلطات بسبب أفكاره . غير أن الثورة و فكرها و رومنسيتها شيء , و الواقع و المعيش اليومي شيء آخر, فسعيد مهران لم يجد من يقف معه في محنته حين مرضت أمه و لم يكن معه ثمن علاجها بل تم طرده معها من المشفى لتموت بعد ذلك في مشفى حكومي ,فكان أن احترف السرقة , في البداية من أجل أمه المريضة , ثم بعد ذلك انتقاما ممن يراهم السبب في موتها :الأغنياء " و الانتهازيين الذين تسلقوا الثورة مستندا إلى تسويغ رؤوف علون لها حين شرعن له السرقة واعتبرها ثورة على المجتمع و السلطة. لكن حساب الحقل لا يتطابق دائما مع حساب البيدر , فنعلم أن سعيد مهران تزوج من فتاة يحبها تدعى نبوية الفتاة الفقيرة التي كانت تعمل خادمة عند سيدة تركية و التي تملك جسدا مثيرا و جمالا "فلاحيا" لاهبا , حين تلتف بالجلباب الذي يزيدها شهوة و إغراء , أنجبت نبوية له ابنته الوحيدة سناء , تصبح نبوية من ضمن الكلاب و تستحق القتل حين تشي به بالتعاون مع عليش سدرة أحد صبيانه للشرطة التي تقوم باعتقاله و زجه في السجن بسبب السرقة .ليخرج بعد انقضاء حكمه مدفوعا برغبة واحدة , الانتقام من الخونة. وعليش هذا هو نموذج واضح لتحول الإنسان من خادم مطيع إلى عدو بالمطلق , من شخص لا قيمة له , "غير مرئي" ليس صديقا لأحد إلى عدو وجودي , يستولي على زوجة و ثروة و بينو ابنة سعيد مهران , يستولي على كل شيء تقريبا , لذلك استحق أن يكون أحد الكلاب و أول من يفكر سعيد بقتلهم ( لم تعط الرواية حيزا و مساحة كبيرة لعليش بعكس الفيلم).
يتشكل الإطار الدرامي للفيلم ضمن مستويات القوة المتوضعة , ففي القمة هناك السلطة "الشرطة ورؤوف علوان, السجن" يليها المؤسسة الدينية التي تقع في الوسط و يمثلها الشيخ الجنيدي , ثم أخيرا هناك الفئة المهمشة و المحرومة و هي تمثل بقية الشخصيات , سعيد مهران , نبوية, عليش, نور, ...وغيرهم ويشترك هؤلاء الثلاث في خلق حالة التصعيد بحيث يكون كل مستوى مسؤول عن توتر معين يجلب معه ارباكات عديدة و تمصل مصفوفة التصعيد هذه البنية المركزية التي اشتغل عليها كمال الشيخ لإخراج الفيلم البوليسي المطلوب سينمائيا و إذا كان المستوى الأول لا يحتوي سوى الكلاب غالبا فالمستوى الأخير يشمل كلابا و لصوصا و ما بينهما و يقع المستوى الأوسط في حالة ترقب و انتظار ,وهذه المستويات هي ذاتها أيضا التي شكلت الأطر الدرامية العامة التي بنى عليها نجيب محفوظ روايته فكان سعيد باعتباره مقابلا للسفاح محمود سليمان ممثلا للمستوى الأخير حين يجمع بين ما هو واقعي (حكاية حياة وموت محمود سليمان)و بين ما هو إبداعي متخيل(حكاية سعيد مهران كما اختارها محفوظ) وما يربط بين الحكايتين هو نسق الصراع الرئيسي للقصة التي عبر عنها محفوظ بأسلوب فلسفي يختلف عن ما سبقه من روايات له , إن على صعيد الشخصيات الرئيسية أم على صعيد الحيز المكاني للأحداث ,لدرجة أن العديد من النقاد نظروا لها باعتبارها انقلاب في المسار الروائي القصصي عند محفوظ, ,فالقصة ذات حجم صغير نسبيا قياسا بأعمال محفوظ الأخرى , فضلا عن العمق الفلسفي و الأفكار التي تطرح فيها (ربما لأول مرة في أعمال محفوظ) .و لاريب أن الرواية أثارت جدلا واسعا حين صدورها , لدرجة أن البعض اعتبرها مجرد رواية بوليسية , و محطة تجريبية لن تطول طويلا و إنما كتبت بتأثير ما كان يتم تداوله في الصحف آنذاك عن محمود سليمان , و لعل تقارير الصحف تلك شدت انتباه نجيب محفوظ للنظر إلى محمود سليمان من زاوية أخرى بعيدة عن الخطاب الرسمي لصحف "الثورة" , فظهر محمود سليمان ليس سفاحا بل لص محترف تحول بالصدفة إلى بطل يسعى لانتقامه الشخصي من "الكلاب". و قد اختار المخرج عنوان الرواية أيضا لفيلمه ,عنوان بسيط لكنه مشبع بالترميز بقدر ما تسمح لنا قواعد اللغة العربية , فثمة "لص" و ثمة "كلاب" بينهما حرف عطف يؤكد علاقة اللص مع الكلاب و ارتباط مصائرهما .جملة اسمية " اللص" فيها مبتدأ خبره غير ظاهر , محذوف (يتم تقديره على أنه النص بمجمله) , وجملة العطف تتكون من "واو" و معطوف عليه , وثمة اختلاف "كمي" في جملة العطف , فاللص مفرد أما الكلاب مجموع وهذا أحد أهم مداخل الفيلم و الرواية , إذ لطالما ابتدأ "الثوار" نضالهم لصالح قصايا عامة لينتهي بهم المطاف في حلول فردية , و يدخل في تعريف اللص أيضا من يطلق النار على الكلاب , أما الكلاب فهم الذين سينتصرون في نهاية المطاف ,وانتصار الكلاب مدخل آخر هام يأخذ صفة الواقعية باعتبار أن الأحداث الرئيسية للرواية و الفيلم تستند إلى قصة حقيقية , وبهذا , و رغم بساطة العنوان , إلا أنه يرافقه شحنة بصرية -سمعية و ما سوف نلتقط من إشارات تتضمن اختزال المعنى و محاولة الوصول لما هو مخفي فيه, و لا يخلو البحث الاستفهامي في العنوان من قدح شرارة السؤال عن من هو اللص في الحقيقة و من هم الكلاب في الواقع, فتقدم كلمة "اللص" (بألف و لام التعريف) انطباعا قصديا ذو دلالات "خارجية" أي مفروضة من أعلى من تراتبية السلطة فاللص هو خارج عن القانون في نظر الدولة و معتد على ممتلكات الغير و هكذا يتضافر القانون كأداة مع السلطة كقوى مهيمنة على فرض التعريف الخارجي للص و دلالته , أما "الكلاب" ( بألف و لام التعريف أيضا) فهي دلالة مليئة بالطاقة الرمزية و المجاز فالكلاب ذات مستوين من الدلالة: المستوى الشعبي يرى فيها "النجاسة" و بالتالي الغدر و الخسة , و في الحقيقة الكلاب هنا هم من غدروا باللص فالكلاب هم الأوغاد , بمعنى, اللصوص الحقيقيون و ليس سعيد مهران , بل هم من خانوا الأمانة و القيم الأصيلة بكل خسة و دناءة و لهذا لا يجد سعيد نفسه مخطئا حين يقرر الانتقام منهم ليريح المجتمع من "نجاستهم" و رجسهم , لكن هذه الكلاب (الحقيقية و الرمزية) هي من ستنتصر في النهاية, و تفيد الدلالة الشعبية لمعنى الكلاب في زيادة النبرة التهكمية لهذا المجاز المعجمي , فضلا عن أن الشخصية الحقيقية المستمدة منها الرواية , أي محمود سليمان عانت من مطاردة كلاب الشرطة فعلا كما تشير التقارير الصحفية, في حين أن الفيلم و الرواية يقولان أن سعيد مهران هو من يطارد الكلاب في البداية قبل أن تتمكن هذه الأخيرة من القضاء عليه لتبقى حرة طليقة , انتصرت الكلاب" البشرية" على سعيد مهران , تماما مثلما انتصرت الكلاب الحقيقية و "البشرية" على محمود سليمان, وستبقى هذه الكلاب حرة طليقة و سوف تتخذ أسماء و مجازات مختلفة : بلطجية, شبيحة, سحيجة, ضفادع .... إلخ , و سيبقى اللص متواريا , متخفيا و يواصل الركض و المطاردة , ولهذا لا يحفل العنوان بالدلالة الأخرى للكلاب التي تستحضرها السلطة من "أعلى" أي المعنى المجاز للوفاء, ولو بحثنا في دقائق الفيلم لن نصل إلى هذه الدلالة. و ليس مفاجئا أن يفتتح محفوظ عمله بالتشديد على جملة المعاني المسكونة بهواجس الانتقام من "الكلاب" و الحذر منها و الحرية التي علينا القتال في سبيلها , قتال كل الكلاب و الخونة الذين يعترضون طريق حريتنا لكي "يتنفس نسمة الحرية" رغم كل ما يحيط بنا من غبار " خانق وحر لا يطاق". وهكذا ,منذ البداية نتعرف على سعيد مهران, الشخصية الإشكالية التي تعيش مأزقا مصيريا, ويستمر البعد الإشكالي حتى النهاية حين يكون سعيد مهران محاصر بعناصر الأمن و يأتيه صوت (يبدو أنه لأحد الضباط) يطلب منه الاستسلام ووعد أنه سيتم معاملته بإنسانية و يخيره بين الموت أو الامتثال للعدالة , فيصرخ سعيد مهران صرخته المدوية التي تهزنا جميعا من أعماق أعماقنا " إنسانية رؤوف ونبويه و عليش والكلاب؟؟..... العدالة يا كلاب !؟.بعد هذه الصرخة سنهمس بسؤال كبير يشترك فيه الفيلم و الرواية "ترى لماذا انتصرت الكلاب"؟, لماذا تطبق المحاكم القانون و ليس العدالة؟ ,لماذا سيعاقب سعيد مهران باسم القانون رغم أنه كان صادقا في سعيه لتطبيق العدالة ؟.ففي المحكمة يتم تطبيق القانون و ليس العدالة , هذه هي معضلة سعيد مهران و تلك هي إشكاليته
يتحدث الفيلم و الرواية عن حدين :" اللص" من جهة , و "الكلاب" من الجهة الأخرى يقفان إزاء بعضهما في تناقض مميت لا يسمح لأن يكونا معا: فأحدهما سيبقى لينتهي الآخر عبر صراع متواصل و طويل و لن ينتهي , فموت اللص لا يعني انتهاء اللصوص و القضاء على الكلاب لا يمكن أن يكون معناه التوقف عن "إنتاج و "إعادة إنتاج" الكلاب. و اللص-الإنسان ,كائن وجودي يعيش مع حكايته , ويموت حين يخرج منها , تغلفه الحياة و تغذي نسغ مقاومته للكلاب , حكايته تحفظه من التبدد , و تداولها يمنحه "قواما" و كينونة.
وهكذا تقول الحكاية أن شخصا يدعى "محمود أمين سليمان" اتفق الجمع على نعته بـ"السفاح" ,[ يقال أنه هاجر من لبنان (ولد في طرابلس الشام) إلى الإسكندرية وهناك تحول إلى لص و من ثم إلى قاتل و مطارد من قبل الشرطة المصرية] . عاش محمود أمين سليمان حياة مثيرة فبدأ بسرقة جيرانه وهو لم يزل طفلا دون السابعة من عمه , ولم كيف عن السرقة رغم عقاب أنه له ,و لما كبر انضم إلى عصابة للسرقة , وبعد فترة ألقي القبض عليه و تم ترحيله إلى مصر فاستقر في الإسكندرية, وهناك بدأ محمود بسرقة الأثرياء و المشاهير, وامتد نشاطه حتى القاهرة فأصاب ثروة من وراء سرقاته فافتتح دارا للطباعة و النشر و تزوج من نوال عبد الرؤوف , لكنه عاد للسرقة من جديد ,وذات يوم من العام 1958 قبض عليه أثناء محاولته سرقة معطف السيدة أم كلثوم ,و يقدم الشاعر أحمد فؤاد نجم شهادة تساعد في إلقاء الضوء على حياة و مصير "السفاح" محمود أمين سليمان في الجزء الأول من مذكراته التي نشرها بعنوان "الفاجومي" . ويقول نجم أنه التقى في السفاح بالمصادفة في "حبسخانة" عابدين وهناك قص عليه حكايته من البداية للنهاية "من طقطق لسلام عليكو" على حد تعبير نجم الذي يضيف أن محمود سليمان كان لصا موقوفا بعدة تهم في أكثر من قضية , ويتابع بأن محمود سليمان كان صعيديا فقيرا اضطر للنزوح إلى الإسكندرية و هناك تعرف على معلم "هجّام" علمه أصول السرقة، بعد ذلك سافر سليمان إلى بيروت، وعاش هناك سبع سنوات ليعود بعدها ومع مبلغ من المال استطاع أن يشتري به شقة في الإسكندرية، ثم تزوج من سيدة تدعى نوال عبدالعظيم , ويصف نجم محمود سليمان بأنه لص محترف يمارس عمله "على تقيل" فكان يسرق الأثرياء ,مثلما حاو سرقة "بالطو" أم كلثوم من سيارتها أمام مسرح حديقة الأزبكية (قدرت الصحف ثمن معطف أم كلثوم هذا بنحو ثلاثين ألف جنيه )فقبض عليه و يرحل إلى قسم عابدين حيث التقاه نجم.وقد يبدو وجيها التوقف عن عقد المقارنات بين الرواية و الفيلم المقتبس منها , نظرا لأن لكفة ستميل على دوام لصالح العمل الروائي , فإشكالية الفيلم أنه الأحدث , التالي في الظهور , ولذلك فالتلقي لديه صورة مسبقة عن تطور و تسلسل الأحداث الدرامي ويعتقد المتلقي أن الرواية هي الأصل و بمعنى هي مركز جملة المقارنة و تحديد جودة الفيلم من عدمها سيتم بمدى صدق اقتراب الفيلم من النص , ونظرا لأن المتلقي ليس متخصصا في الشأن السينمائي و بمعنى هو لاعنيه كثيرا أو قليلا التقنيات السينمائية التي أدت لظهور الفيلم من مونتاج و سيناريو و حوار و إضاءة و موسيقا و اختيار أماكن التصوير و المشاهد الداخلية و الخارجية و غيرها أي بمجمل التقنيات السينماتوغرافية , فالمتلقي ستكون الوراية هي مرجعتيه , فهو كقارئ قد يكون وحيدا منعزلا اثناء القراءة , في حين أن الذهاب إلى السينما و حضور فيلم و دفع ثمن ذلك يستوجب طقوسا معينة غير متوفرة في استراتيجيات القراءة, وكل هذا له تأثير في تقويم المتلقي للفيلم .
يقال , حين عرض المخرج كمال الشيخ على الممثل شكري سرحان الدور الرئيسي لتجسيد شخصية سعيد مهران بطل رواية نجيب محفوظ اللص و الكلاب, سارع شكري سرحان لاقتناء تلك الرواية , و لما هم بقراءتها, اصطدم بأول سطورها ووجد عبارة " خرج و في جوفه نار" , فأغلق الكتاب على الفور و قرر قبول الدور , و هكذا جاهد شكري سرحان طوال الفيلم وهو يحاول أن يقارب تلك النار التي خرجت من جوف سعيد مهران , و لولا القدرات التمثيلية التي يتمتع بها لما استطاع أن يجعلنا نستشف تلك النار التي عبر عنها محفوظ في تلك الجملة التي , رغم بساطتها , اندلعت تلسعنا طوال مدة الفيلم و نحن نترقب مصير سعيد مهران , المصري , البسيط , المثقف بطريقة ما حين يؤمن بسذاجة بقيم المساواة و العدل و الكرامة و الإنصاف , يناصر المظلومين ,ويدافع عن تطبيق الاشتراكية ,الذي تحمل مسؤولية أسرته و هو صغير ,لم يمهله الكلاب وقتا طويلا للتمتع بحب زوجته نبوية التي خانته لاحقا و غدرت بع مع أحد رجاله "عليش" و حرمته من ابنته الوحيدة سناء. سعيد مهران "اللص الظريف" الذي يسرق الأغنياء و يقيم علاقة مع مومس "نور" حوله السجن و الخيانة و الغدر إلى بطل تراجيدي دون كيشوتي يعاني من فراغ روجي و قلق وجودي وغربة و ضياع ,يسعى لمحاربة الفساد لوحده دون سلاح و دون ظهر يحميه , يتحدى الخيانة و يحاول القضاء عليها منفردا, و للأسف فحتى سيفه "الدون كيشوتي" لا يصيب الكلاب بل يدمي الأبرياء فتتحول حياته إلى جحيم و أيامه إلى كابوس ثقيل و يختل توازنه بسبب هاجس الحقد والانتقام الذي يمتصه حتى النهاية ,و لن يمنع تعاطفنا معه قدره عنه و" و اللي مكتوب ع الجبين لازم تشوفه العين".
أثناء محاكمة محمود سليمان انتابته شكوك جول علاقة زوجته نوال ومحاميه ( المحامي يدعى بدر الدين أيوب وهو صديق حميم لمحمود سليمان ولم يكن على ما يبدو متحمسا لخروج صديقه من السجن ) , و لم يمض وقت حتى تأكدت شكوكه , فقد اعترفت له زوجته بعد أن ضربها بشدة بأنه كانت تخونه بانتظام مع صديقه المحامي و ثم افصحت عن علاقة شقيقته غادة بصديقه :محمود أمين" وبعد سجنه قرر الهرب من السجن لينتقم منهما . وتشاء الصدف ( أو ربما ليست صدف) بأن ينقل محمود إلى مشفى القصر العيني , ومن هناك تمكن من الهرب من حراسه, لتبدأ حكاية جديدة معه ينقل نجم بعض من تفاصيلها فيصف إعجاب السجناء بالسفاح و حماسهم لمغامراته رغم ما تذكره الصحف عن جرائمه و ضحاياه, حتى أن السجانين أيضا لم يخفوا تعاطفهم مع السفاح , ويقول نجم أن السجن أصيب بالحزن عندما قتل محمود سليمان إثر اشتباكه مع الشرطة في حلوان . تفيد تقارير الصحف عن اعترافات مذهلة لزوجته نوال عبد الرؤوف ساهمت ربما بدرجة كبيرة بتحويله إلى قاتل فضلا عن أنه لص بالأساس. وكانت الصحف المصرية قد نشرت القصص المختلفة عن محمود سليمان منذ أوائل العام 1960 حتى مقتله على يد الشرطة, فكان يظهر خبر يشير إلى تواجد السفاح في منطقة بولاق أو الدقي , ثم يتبعه خبر آخر يقول أنه شوهد يدخن الحشيش في مقهى بمنطقة السيدة نفيسة , أو أنه يقيم في حجرة متواضعة بشارع محمد علي ,( و ليس بدون مغزى يجعل نجيب محفوظ رؤوف علوان أحد الشخصيات الرئيسية في الفيلم يعمل صحافيا ).لا أحد بالضبط يعرف كيف مات محمود سليمان , قيل أنه قتل على يد الشرطة, و قيل أنه انتحر , وقيل أنه تمت مطاردته في صحراء حلوان حيث وجد مقتولا ,(رفضت زوجته لاحقا استلام جثته).و أرشيف جريدة الأهرام يشير إلى مناقشة مطولة جرت بين محمود سليمان وعناصر الشرطة استمرت لمدة 75 دقيقة،(و يبدو أن محفوظ استفاد إلى أقصى حد من هذا الحوار في بناء حبكة روايته و لكن برؤية مختلفة , فتقارير الشرطة تفيد أن السفاح وصل إلى درجة هائلة من اليأس و الإحباط بعد أن تأكد أنه ميت لا محالة بعكس الحوار الذي صاغه محفوظ في الرواية و صرخة سعيد مهران المرعبة .....يا كلاب)
أكثر ما يؤلم سعيد مهران هو عدم مشاركته في صنع الحدث , رغم محاولته إقناعنا أنه "مسيح" أو من طينة تشبه طينة المسيح ,وهو يظن أنه بالقتل "رغم كون القتل فعل إجرامي" , و باللصوصية "رغم أنها جريمة يعاقب عليها القانون" ..... " اقتل رؤوف يعني أن اقتل العبث" و اللصوصية ليست سوى السكة التي يسير عليها سعيد بوصفه مسيحا , وقد حاول بالفعل قتل رؤوف علوان و لكنه فشل كالعادة , رغم ,أنه فيما بعد, حاز على تعاطف الناس معه , وفشله يشبه بطريقة ما فشل المسيح حين انتهى مصلوبا قبل أن يكمل مسيرته مما أكسبه تعاطف المؤمنين فيما بعد و لم يلتفتوا لخطورة الموقف , كذلك سعيد مهران , إذ استطاع رؤوف مهان و بانتهازية واضحة أن ينسج حول سعيد هالة أسطورية من الشر للتخلص منه.
طيب , حتى لو اعتبرنا أن ما يقوم به سعيد يتماشى مع "قوانين التاريخ الموضوعية" في جدليتها الدائمة , ألا يعني القضاء على الكلاب قضاء على الجنس البشري أيضا؟ أليس في انتصار سعيد انتصار لمبدأ السكونية الذي يتعارض مع أبسط قوانين الجدل و يتناقض مع مبدأ الحركة "وهو المبدأ الضروري لأي "تحرك" ثوري" ؟ هل يمكن لنا أن نتخيل عالم لا يوجد فيه إلا أمثال سعيد مهران؟ ثم من قال أن سعيد مهران هو الصح؟ و أن حلوله هي الصح و أن أفكاره هي الصح؟ وماذا يختلف سعيد مهران عن هملت الذي صرخ " هل يتوجب علي أن أصلح كل هذا العبث ؟"و مثلما يفشل هملت في إصلاح الكون و سيفشل سعيد مهران في القضاء على الكلاب , ليس لعدم قدرتهما على ذلك , بل لأن الثمن باهظ لو تحقق سعيهما ,وسيكون الضحايا أبرياء لا ذنب لهم و لا شان في أهداف هملت أو سعيد مهران , لا يرى شكسبير و محفوظ سوى بطليهما أبرياء , ومن حقهم أن ينتقموا و لكن التمرد و سرقة الأغنياء و "الحفاظ على "اتساق" الطبيعة" قد يصنع من المرء ثائر , لنه لا يصنع منه مسيحا , نتيجة لم يجرؤ سعيد مهران ( نجيب محفوظ؟) على البوح بها . ولو قلنا أن كمال الشيخ أراد أن يقدم لنا تفسيرا اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً لسلوك سعيد مهران . فما الذي دفع سعيد مهران الى درب الإجرام؟ هل هي العوامل الاجتماعية؟ هل هو الفقر؟ هل رؤوف علوان وجد في حياة سعيد مهران صدفة؟ هل لقاءهما تم صدفة , لكنه كان ضرورة تطلبها الحالة التي وصلت لهل مصر في تلك الفترة ؟ لعل العلاقة بين سعيد مهران و المواجهة اللاحقة بينهما هي أهم ما في الفيلم (و ربما في الرواية أيضا). وطان للطريقة التي اختارها كمال الشيخ ليبدأ فيها فيلمه دور هام في الكشف عن هذه المواجهة , فالفيلم ينطلق من زمن قبل الزمن الروائي , من لحظة ما قبل لحظة خروج سعيد مهران من السجن حيث تبدأ الرواية , أي من خلف الأحداث ,واختزل المخرج السردية الروائية لأجل توضيح صورة سعيد مهران للمتلقي و لإظهار نوايا سعيد في الانتقام ممن خانوه و غدروا به و فقد الفيلم الكثير من زخمه و القه حين حاول تطويع المعمار الدرامي إلى صورة بوليسية تعتمد على "الأكشن" و تثبيتها في ذهن المشاهد , متنازلا إلى حد ما عن "جفاف " الجدال الفكري الذي تزخر فيه الرواية.
ردة فعل رؤوف علوان على سلوك سعيد مع دور المسيح ليست عبثية أو من فراغ , فهو يرى في سعيد و أمثاله مقلوبا وجوديا له , فقد ولى الزمن الذي كان يؤمن فيه رؤوف علوان بالتمرد كمحرك للعمل الثوري و كردة فعل على آلة القمع لجهاز السلطة وهذا ما يمثل الصورة "النيجاتيف" لسعيد مهران الذي كان يرى في الثورة الحل لتحقيق العدالة و في الاشتراطية طريقا ممكنا للقضاء على الظلم الاجتماعي , فضلا عن رغبته العميقة و الشخصية في الانتقام من نبوية و عليش سدرة اللذان غدرا به و كانا السبب في سجنه ومن رؤوف علوان الذي يراه خائنا لمبادئه و متنكرا لكل الأفكار التي أدخلها في رأسه في مرحلة سابقة, هذا ليس مجرد فكرة أو وهم , بل تجسيد للصورة الثورية لسعيد مهران ، ليس في انتمائه السلبي فحسب بل بسبب تواجد شروط موضوعية أفرزت فوضى أدت إلى تشويع المعاني النقية للثورة و ألقت بالثوار السابقين في هاوية البيروقراطية و التخشب وهذه ليست سمات ذاتية كامنة، بقدر ما هي انعكاسات مكثفة لواقع غلي عليه التشوه و تحكمت فيه آلة قمع السلطة .. , وهذا ما لم يفهمه سعيد مهران .. الزمن , الزمن الخطي الذي يسير نحو الأمام و ليس بالضرورة بمعنى إيجابي , وهكذا حين يخرج من السجن سوف يجد أن العالم قد تغير والقناعات قد تبدلت ويفاجأ أيضا بتنكر ابنته الصغيرة له لأنها لا تعرفه . فيلجأ إلى صديقه و معلمه القديم رؤوف علوان ليكتشف أنه تغير هو بدوره و استبدل شعاراته الثورية بشعارات أخرى , فيشعر بالحقد أكثر فيلجأ إلى الشيخ الجنيدي المتصوف صديق والده لكن الشيخ لا يملك حلولا كافية لنشله في هواجسه فيقرر الانتقام من الخونة وان يسترد سنوات عمره الضائع منه ( أي الفترة التي كان فيها بعيدا عن صنع الحدث) , لقد سرق عليش و نبوية و رؤوف علوان سنوات عمره وهم من عليهم أن يتحملوا مسؤولية ما آل له وضعه الحالي و بالتالي عليهم أن يدفعوا الثمن , وفي خضم كل هذا لم يجد أحد يلجأ له سوى المومس "نور " فيمضي إليها ويطرق بابها لتفتح له الباب و تقول "أحطك في عينيّ و أكحل عليك" و لكي نفهم حقيقة نور و سبب وجودها في الفيلم و الرواية , ربما ينبغي الإشارة إلى ما قاله نجيب محفوظ حين سُئل "لماذا تستأثر المومس بمكانة كبرى في كتاباتك؟"، إذ أجاب: "المومس تنفع الناقد الاجتماعيّ جدًّا، لأنّك تواجه بها شخصيّات بارزة ظاهرها الطهارة وباطنها الدعارة، بينما هذه ظاهرها الدعارة وباطنها يمكن أن يكون البؤس، ولذا فهي مثال صالح للنقد القاسي". و بالتالي لا نرى في تصوير نور وعظا أخلاقيا سقيما عن فتاة ضعيفة أجبرتها الظروف أن تكون مومسا , بالعكس نور تبدو شخصيتها قوية و متزنة وهي التي كانت تزور سعيد في سجنه و هي التي أخبرته عن خيانة نبوية و عليش له و هي التي أحبته و أعجبت سابقا في رجولته و شجاعته وهي تعلم أنه يحب غيرها ومع ذلك لم تكن تمانع من إشباع رغباته و إرواء عطشه للجسد و لم تمانع من فتح باب شقتها المتداعية له ليقضي فيها آخر أيام حياته التي كان ينطلق منها لينتقم من الكلاب . يجعل كمال الشيخ نور شاهدا على موت سعيد مهران حين تقف وحيدة مهزومة تشاهدهم يحملون جثته , تقف نور تائهة , حائرة, خسرت للتو حبيبها و ستخسر بيتها ( بعد أخبرتها مالكة الشقة بأن مستأجر جديد سيحل محلها) , يا لشدة وحدتها .. يا لشدة ما خسرت دون تعزية من أحد , كأن لم يخسر أحد مثلها , جسدها و حبيبها و بيتها , فماذا بقي لها ؟ ومن؟ و الإجابة لا تحتاج إلى جهد, فرغم قوة شخصية نور , غير أنها تعيش في الظل , (كونها مومس و نشاطها ليلي يعد رمزا لهذا الظل) و لأنها بنت الليل فهي غير فعالة و غير فاعلة فيما يتعلق بمصير سعيدو لذلك نرى أنها رغم محاولاتها لم تستطع التأثير عليه (بعكس رؤوف علوان , الشخصية الأكثر فعالية ربما في الفيلم ) .. نور لا تنتمي للكلاب و لا تنتمي للصوص ( رغم مشاركتها في السرقة مع سعيد) وهي بذلك مثلها مثل الشيخ الجنيدي , أحبت سعيد دون أن يبادلها الحب , فرحت بخروجه من السجن و آو ته في بيتها و اهتمت به , وواضح أن التعايش بينهما من النوع التكافلي إذا أمنت نور لسعيد المكان و الحنان و العطف و الجنس و الملاذ وهو بدوره قدم لها الحيوية وملء عليها وحدتها , لذلك كان علينا أن نتوقع عدم استمرار هذه العلاقة و انتهائها عند انتهاء مسبباتها , تختفي نور فيضيع سعيد وهكذا يعود كل واح منهما إلى مكانه في المجتمع , سعيد لص يطارد الكلاب فتقتله و نور مومس "بنت ليل" يشتمها مجتمع الذكور نهارا لينسل إلى حضنها و فراشها ليلا .
وهكذا يسقط سعيد مهران اللص المحبوب من الجميع بطلا ثوريا مهزوما ينوس بين أمل عاشه آخر أيامه "نور" و بين خيبة أمل سيموت وهي ماثلة أمامه "تنكر ابنته له" ,ولكن -لحسن حظنا- أن سقوطه لا ينهي الأسئلة و بل يعمقها أكثر و ستبقى دماء سعيد مهران تحرضنا على السؤال الكبير , لم لا تطبق المحكمة العدل و تكتفي بتطبيق القانون