الماء يلون أجنحة الفراش قراءة في قصيدة فرشات تونسية ل عبد الواحد السويح

نائلة الشقراوي
2018 / 10 / 15



في أسلوب شعري يغلب عليه السرد ،وباصرار مهم و شديد على تحديد مختلف الأزمنة والأمكنة ،تلاعب الشاعر عبد الواحد السويح جيدا بمضامين قصيدته وأسلوبها الذان كادا أن يكونا تصويرا تاريخيا وطيبوغرافيا لخارطة التغييير السياسي الذي شهدته تونس و كان عنوانه ثورة جانفي 2011.لكن الشعر وان استند إلى التاريخ فلابد أن يتقن قائله التوظيف ويقدم نصا لا يخلو من الشعرية حتى يقال أنه قصيدة .لينجح الشاعر...في الإقناع اعتمد كثيرا على الرمز وجعل لكل مفردة ماهية مختلفة متصلة بالسياق العام للمعنى وتتماهى معه .
الماء عنوان للحياة ،للرواء ،وحتى للتغيير فحين يشتد فيضه يجرف ما أصاب الارض من شوائب ويغسل الأدران ،وحين ينساب في انهمار سلس يتحول الى ثمار وطلع نضيد .من هنا كان الماء هو المفردة الأساسية المتكررة في النص والتي تغير مواقعها بين كل صورة شعرية وأخرى ، في مجمل القول إن الماء والمطر في قصيدة فراشات تونسية هو الشيفرة او الكود السري للتغيير ،والذي تنتظره القلوب العاشقة ، النسوة و مدونو الفيسبوك ،العصافير الواشية وحتى المترصدون بالجبال ،كل واحد من هؤلاء ينتظر إشارة بدء السيل لينفذ ما خُطط له أو ينهي المرحلة اللاحقة للفعل .
الشاعر كان كمن يرسم مشهدا تشكيليا يعتمد فيه تقنية الواقعية التعبيرية الحديثة التي تقطع مع عزلة الأدب عن الناس ومع اخفاقات الحداثة الشعرية التي توغل احيانا في الرمزية الى الحد الذي ينفر القارئ العادي من القراءة حين يجبره الشاعر على الإجهاد العقلي لتفكيك أسرار النص .فتصبح القصيدة حينها رغم أسلوبها التعبيري واجهة رمزية و رسالة أدبية لا تهدف إلى السرد أو القص أو التأريخ فقط لحاضر أو لماضٍ قريب ،وانما فسيفسائية شعرية إخبارية تستند إلى لغة متوهجة تتراوح مفرداتها ما بين الكلمات العالية الشعرية( فرحة الثلج ،ينتهك الأشجار،مطر بلغت عنه العصافير ،الدموع مخبأة في علب الكبريت ...) والمفردات البسيطة المكملة للسياق(الفايسبوك،33،10،تطبخ ،30كليمتر .. ).
القصيدة زاخرة بالرؤى ومتعددة الأصوات على شاكلة الموسيقى البولوفينية التي لا تكتفي بالصوت الواحد (مونوفوني)،اذ شملت الرؤية كل العناصر الفاعلة في المشهد والمتأثرة بالفعل والمطالبة برده .ونلاحظ تقديم الفاعل عن الفعل في الجمل المكونة للمقاطع الشعرية (رياح الشعانبي تمد يدها،الحديد ينتهك الأشجار،الاحلام تطبخ،نساء المدينة في انتظار الماء.. )وهذا التقديم رمزية مباشرة أن الفاعل هو المحرك الأساسي للفعل وهو جوهر التغيير وهو ما ينطبق تماما على حقيقة وظروف الثورة التونسية التي كان الفعل فيها عفويا لا يستند إلى تخطيط و محض إرادة ورفض شعبي انتهى إلى ثورة .
إن الدهشة من أي نص ادبي لا تتحقق فقط بالاعتماد على المحسنات البديعية أو الأسلوبية وانما بمدى قدرة توظيف الشاعر للأساليب الحديثة في الكتابة و مطابقتها مع الضرورات لتأتي بمنتهى السلاسة خالية من التعقيد وهو ما حققه عبد الواحد السويح الذي كتب نصا حداثيا جمع فيه الواقع بالرمز دون ان يسقط في التقريرية .وقد تحققت الدهشة .
نص القصيدة :
فَرَاشَاتٌ توُنسيّة / بقلم :عبد الواحد السويح
رياحُ الشّعانبي تمدُّ يدَهَا بحثًا عنْ مطرٍ بلّغتْ عنْهُ العصافيرُ

الحديدُ ينتهكُ الأشجارَ ويؤجّلُ حكاياتِ أغصانِها

في الطّريقِ بينَ بوزقام وَالقصرين رذاذٌ مُحمّلٌ بالثّمارِ

يسترِقُ الحُلمَ فِي اتّجاهِ البوّابةِ

نساءُ المدينةِ فِي انتظارِ الماءِ

والأحلامُ تُطبخُ علَى الفايسبوك

ثمّةَ مَنْ يُشيرُ إلَى سقوطِ عصفوريْنِ

شوهِدتْ ريشاتٌ حمراءُ بادىءَ الأمرِ فِي تالةَ

وهناكَ مَنْ بشّر بِفرحةِ الثّلجِ

كانتِ الدّموعُ مُخبّأةً فِي عُلَبِ الكبريتِ وكانَ يومُ 10 جانفي 2011 فِي اتّصالٍ هاتفيٍّ مع الرّيحِ يحدّدُ لَهُ بِدِقّةٍ مكانَ المطرِ

عصافير أخرى تحمرُّ وتُضيءُ عرسًا تحبُّهُ الأشجارُ

الحديدُ يكرهُ الألوانَ

يكرهُ المزاميرَ

ويكرهُ الأجنحةَ المضيئةَ بالمطرِ

وادي سبيبة حاملٌ

والمسافةُ الّتي تفصلُ سبيبة عنِ الشعانبي في حدودِ ال30 كلم

في كلِّ كلم سكونٌ

في كلِّ سكونٍ 30 استفهاماً

متى تطيرُ العصافيرُ بالصّيفِ ثمَّ تعودُ؟

متى يغمرُ الثّلجُ الحديدَ؟

متى تشترِي الأغصانُ ضحكاتِ المواسمِ؟

متى تطلُّ الثّمارُ بِحَكاياهاَ؟

وادي سبيبة حاملُ والهواشم وأولاد خلفة يخيطونَ لأوّلِ مرّة قمصاناً لِلْمطر…



بعدَ ثلاثةِ أيّام



طالبةٌ سمراءُ في حَيِّ الرّياض بسوسة تركضُ خلفَ “الفراشاتِ ليلاً”

صوتُها سكّينٌ لامعٌ يقطعُ الآهاتِ في البيوتِ المستريبةِ.

قصصُ الحبِّ المتناثرةُ هنا وهناكَ تنتفضُ مِنْ صفحاتِهاَ

تطيرُ معَ الفراشاتِ

لِلدّماءِ ألوان أخرَى هذا المساءَ

الطّالبةُ السّمراءُ تصلُ بابَ بحرْ

آلافُ الفراشاتِ وراءَ السّورِ تنثرُ شظاياَ احتراقٍ حزينةً

ثمّةَ هاتفٌ جوّالٌ 33 – 10 يسقطُ منْ رجلٍ فَقَدَ توّاً فراشتَهُ

اللّيلُ يطلُّ مِنْ نافذةٍ عاليةٍ

يرمقُ السّكاكينَ اللاّمعةَ

يصوّبُ بِإتقانٍ نحوَ الفجرِ.

يشتعلُ الهاتفُ الملقَى فجأةً ويرنًّ…



في نفْسِ اليوم



عصافير شارع الحبيب بورقيبة تنثرُ أجنحتَهَاَ “نزولاً عند رغبة المطر”

الأشجار تغنّي والحديدُ يطفوُ علَى الماءِ

يلاحقُ السّيقانَ الرّاقصةَ

قرْبَ مقرِّ وزارةِ الدّاخليّةِ شُوهِدَتْ سحابةٌ حمراء كانتْ تستظلُّ بها الشّمسُ قبلَ قليلٍ

ثمَّةَ أنباءٌ عنِ اغتيالِ فراشاتٍ

عنْ حقدِ الحديدِ

عنْ جراحةِ المطرِ

تطيرُ السّحابةُ الحمراءُ ترفعُهَا الأجنحةُ رغمَ دهشةِ الحديدِ لِأوّلِ مرّةٍ

هناكَ منْ فرَّ الآنَ خلفَ الطّيورِ المهاجرةِ

أمّا طيورُ شارعِ الحبيب بورقيبة فظلّت ترقصُ حتّى الصّباحِ

يموتُ الحديدُ

تحياَ الأشجارُ

الرّقصُ مسترسلٌ

رغمَ غضبِ السّلاسلِ وبحثِهَا المتواصلِ عنِ السّيقانِ

رغمَ تهافتِ الأغصانِ المفرطِ أمامَ الفراشاتِ

رغمَ طلقاتِ النّارِ المباغِتةِ

رغمَ ما يحدثُ الآنَ في الباسّاج

يموتُ الحديدُ

تحياَ الأشجارُ

الشّمسُ في اتّجاهٍ واحدٍ

اتّجاهٍ يكرهُ النّوافذَ المغلقةَ الّتي تخشَى إطلالاتِ الأشجارِ

تحياَ الأشجارُ

تعيشُ الأشجارُ

الصّراعُ الآنَ بينَ أجنحةِ الماءِ والاحتراقِ المنظّمِ لِلْهواءِ

ثمّةَ قلبٌ يخفقُ داخلَ كلِّ ورقةٍ

قبلَ اشتعالِهَا

قبلَ التماعِ ضوءِ الفراشاتِ

قبلَ غرقِ الشّمسِ في مستنقعِ الحديدِ

يموتُ الحديدُ

تحياَ الفراشاتُ

لا شيء يعُوقُ الرّقصَ

حتَّى انهيارُ الحيطانِ المشلولةِ

حتّى وقعُ النّجومِ ذاتِ الألوانِ المتعدّدةِ

حتّى دماءُ النّوافذِ

حتّى ما يحدثُ الآنَ في الباسّاج